( معجم اللهجات المحكية في المملكة العربية السعودية )

مميّز

    معجم اللهجات المحكية في المملكة العربية السعودية

( ألفاظ ومفردات لهجات القبائل والمناطق في المملكة العربية السعودية ).
وهي: لهجة نجد حاضرة – لهجة نجد بادية – لهجة اهل القصيم – لهجة شمر (حائل) – لهجة حوطة بني تميم – لهجة الدواسر – لهجة عنزة – لهجة الشرارات – لهجة الحويطات – لهجة الحجاز حاضرة (مكة، المدينة المنورة، جدة) – لهجة جهينة – لهجة حرب (المدينة المنورة) – لهجة غامد وزهران (الباحة) – لهجة رجال الحجر (النماص) – للهجات شهران – هجة تهامة – لهجات جازان وقراها – لهجات قبائل جبال فيفاء والحقو والقهر والريث – لهجة قبائل يام (نجران) – لهجة العجمان – لهجة بني هاجر (الهواجر)- لهجات القطيف وقراهـا – اللهجات الحساوية (الإحساء وقراها).

جمع وتوثيق: سليمان بن ناصر بن سليمان الدرسوني
عضو الجمعية السعودية للهجات والتراث الشعبي – الرياض

معنى كلمة ( مقصف )

 

معنى كلمة ( مقصف )

 

صحيح اللسان

المَقْصِف لا البُوفيه

 

أ.د عبد الله الدايل

كثيراً ما نسمعهم يقولون: البُوفيه – وتشيع على الألسنة كثيراً، وتُكْتَبُ كثيراً على أمكنة بيع الأكل والشرب المعروفة، وهذه الكلمة أجنبيَّة (دخيلة) على لغتنا، وشاعت على ألسنتنا حتى كدنا ننسى البديل العربي الصحيح وهو كلمة (المَقْصِف) بكسر الصاد.

جاء في الوسيط: "(المَقْصِفُ) – بكسر الصاد – خِوَان يستخدم في غُرَفِ الطعام لحفظ أدوات المائدة، وقد يوضع عليه الطّعام – و(المَقْصِف): مكانُ اللهو في لعب وأَكْل وشراب. الجمع (مَقَاصِف)".

 

يتبيَّن أن الأَولى أنْ يقال: المَقْصِف بكسر الصاد لا البوفيه – لأنّ (المَقْصِف) كلمة عربيَّة..

 

الاقتصادية العدد 6105

 

الصراع اللغوي واللهجات العربية

القحطانية والعدنانية والعلاقة بينهما

يقسم مؤرخو الأدب العربي ومنهم (الدكتور علي عبد الواحد وافي)، (العربية) على قسمين:

القسم الأول: (العربية البائدة) أي التي أبيدت قبل مجيء الاسلام، وكانت في شمال الحجاز قرب حدود الآراميين. وتسمى أيضا (عربية النقوش)، لأنه تعرَف الناس عليها عن طريق النقوش. وقد صبغت هذه اللغة بالصبغة الآرامية، وابتعدت عن العربية وبادت.(6) ولم يُعرف عنها شيء إلاّ ما ورد في الكتب المقدسة والشعر الذي وصل الينا مؤخرا(7). ومن القبائل العربية التي تكلمت هذه العربية البائدة، على سبيل المثال (ثمود) التي وردت في القرآن الكريم أكثر من مرة. منها الآية الكريمة : (كذبت ثمودٌ وعادٌ بالقارعـةِ. فأمّا ثَمودُ فأُهلكوا بريحٍ صَرصَر عاتية). (سورة الحاقة، آية 4-6).

القسم الثاني: (العربية الباقية) وهي العربية التي تتكلم بها العرب. وأقدم آثار العربية الباقية هي الأدب الجاهلي. وهو الأدب الذي تناقلته الألسن بعد مجيء الاسلام. ولم يُدَون في عصر الإسلام بسبب انشغال العرب بالحروب، وهذا ما أدى إلى بعض التحريف. ولكن هذا لايجعلنا ننكر وجود ذلك الأدب وصحته، لأن التحريف لا يعني الانكار. كما أن بعض التحريف لا يعني أن كل الأدب الجاهلي غير صحيح(8).

وتنقسم (العربية الباقية) أو العرب الباقية (9) على قسمين:

الأول: (العرب العاربة) وهم العرب الأصليون، شعب قحطان أو من (قحطان). وموطنهم

بلاد اليمن. ومن أشهر قبائلهم “جُرهم ويَعرب. ومن يعرب تشعبت القبائل والبطون من

فرعين كبيرين هما كهلان وحمير”(10).

الثاني: (العرب المستعربة) وهم أحفاد اسماعيل بن إبراهيم. سموا بالمستعربة لأنهم ليسوا من العرب الأصليين. فقد كان إسماعيل يتكلم العبرانية أو السريانية. وكان يسكن مع أمه (هاجر) بمكة. فنزلت جُرهم من القحطانية (العرب العاربة) بمكة، وتزوج إسماعيل منهم، وتعلم منهم، هو وأبناؤه العربية. وهؤلاء العرب المستعربة يسكنون الحجاز ونجد وأواسط الجزيرة العربية(11).

هناك حديث نبوي شريف بهذا الصدد. قال ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام: “رحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرِف من الماء، لكانت زمزم عينا معينا” قال: فشربت، وأرضعت ولدها، فقال لها الملَك، لاتخافوا الضيعة فإن ههنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لايضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول، فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرَّت بهم رفقةً من جُرهم، أو أهل بيت من جُرهم مقبلين من طريق كداءَ، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر لَيدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماءً، فأرسلوا جريا أو جريين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم اسماعيل عند الماء، فقالوا أتأذنين لنا أن ننزل عندكِ؟ قالت نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، فقالوا نعم”. قال ابن عباس: قال النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام: “فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تُحبُّ الأُنس، فنزلوا، فأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسَـهم وأعجبهم حينَ شبَّ، فلما أدركَ، زوَّجوه إمرأة منهم”(12).

هناك دراسات (علي عبد الواحد وافي، فقه اللغة) تشير إلى أن اللغات اليمنية القديمة تختلف كثيرا عن اللغة العربية الشمالية، وأنها مستقلة عنها. ولكنهما تشكلان مع اللغة الحبشية الشُعبة السامية الجنوبية أو الشُعبة السامية الجنوبية الغربية. واللغات اليمنية تفرعت منها عدة لهجات أهمها اللهجات المعينية نسبة إلى المعينيين الذين أسسوا أقدم مملكة بجنوب اليمن. واللهجات السبئية التي تنتسب إلى السبئيين الذين أقاموا مملكتهم على أنقاض المعينيين. واللهجات الحميرية القديمة التي تغلبت على السبئية حواهناك صراع لغوي على مر التاريخ وقد تحتاج عملية الصراع الى قرون عديدة الى أن تتم سيطرة لغة على لغة أخرى. لذلك تغلبُ لغة على لغة أخرى يكون تدريجيا وليس فجائيا. ومن خلال الصراع اللغوي يمكن أن تتغلب لغة على لغة أخرى في حالتين:

الحالة الأولى: نسبة نمو سكان أحد الشعبين المجاورين وتضييق حدود الشعب المتزايد في العدد الى درجة يلجأ أبناء الشعب الى حدود الشعب المجاور. ويزداد الاحتكاك ويشتد الصراع اللغوي مما يؤدي الى السيطرة. ويُشترط أن تكون لغة الشعب الكثير السكان لغة أكثر رقيا وأفرادها أكثر ثقافة وحضارة. مثلا: طغت اللغة الألمانية على المناطق المجاورة لألمانيا بسويسرا والنمسا، وقضت على لهجاتها الأولى.

الحالة الثانية: “تغلغل نفوذ أحد الشعبين في الشعب المجاور” فتتغلب لغة الجانب الاكثر قوة ونفوذا وحضارة. مثلا: هزيمة لغة الباسك أمام اللغة الفرنسية واللغة الأسبانية(14).

لقد احتكت اللغة العربية باللغات اليمنية القديمة ودخلت في صراع معها مدة طويلة الى أن تمكنت من السيطرة عليها في المراحل الاخيرة من العصر الجاهلي. ومع ذلك فقد أصابت اللغة العربية بعض التحريف في الأصوات والمفردات والقواعد، فأوجدت لهجات عربية جديدة في الجنوب، مختلفة عن لهجات الشمال. ومع السنين تمكن العرب في الشمال بالتفاهم مع أهل اليمن، ثم توحيد اللغة الى حد كبير ، فجاء الشعر الجاهلي بلغة واحدة رغم بقاء بعض اللهجات اليمنية الصغيرة في بعض المناطق النائية على حالها. ومن هذه اللهجات، اللهجة الأخكيلية واللهجة السقطرية واللهجة المهرية إلى أن بعُدت هذه اللهجات عن أصولها الأولى. وبعد مجيء الاسلام تطورت اللغة العربية وما تزال تتطور. وظهرت لهجات جديدة تختلف عن اللهجات التي كانت موجودة في الجاهلية والاسلام والعصور التي لاحقتها. ولكن اللغة العربية الفصحى بقيت تقريبا على حالها كما كانت في عصر الاسلام، لأنه من طبيعة لغة الكتابة أنها بطيئة التغيير في الأصوات والقواعد. وسادت فكرة أن اللغتين اليمنية والعربية تمثلان لهجتين للغة العربية. ولذلك قسموا اللغة العربية على (العربية القحطانية-العاربة) أو لغة الجنوب أو اللغة الحميرية، و(العربية العدنانية-المستعربة)، أو لغة الشمال، أو اللغة المضرية (الحجاز ونجد وما جاورهما). وهذا التقسيم الأخير صحيح فقط بعد تغلب اللغة العربية على لهجات المنطقة. ولكنه ما زال تقسيما غير صحيح فيما يتعلق باللغات اليمنية القديمة(15).

قلنا أن سيطرة لغة أو لهجة على لغة أو لهجة أخرى تكون تدريجيا، وهذا ينطبق على كيفية سيطرة لغة العدنانيين ولا سيما (لهجة) قريش على اللهجات الأخرى. فالخلاف الجوهري بين القحطانيين والعدنانيين هو الحضارة، اضافة الى اللغة. وقد عاش العرب القحطانيون حياة متحضرة ومستقرة، اضافة الى اشتغالهم بالزراعة. بينما كانت تغلُبُ على العرب العدنانيين البداوة وحياة التنقل من مكان الى مكان آخر. وفي أواخر القرن الرابع الميلادي أو في أوائل القرن الخامس الميلادي ازدادت قوة قريش وهم من العدنانيين، من النواحي السياسية والاقتصادية والدينية. وأصبحت مكة مركز الثقافة واللغة العربية، حيث سيطرت لغة قريش. وضعف دور القحطانيين وخاصة بعد خضوعهم للحبشة تارة، والفرس تارة أخرى(16). فبعد سيطرة الفرس الزردشتيين على الجنوب، انتقل مركز الجزيرة تدريجيا الى الشمال وخاصة الحجاز، ثم جاء الاسلام(17). وفي الشمال ظهرت دويلات مثل (الأنباط، البتراء، تدمر، الغساسنة) والغساسنة في الأصل من عرب الجنوب، واحتلت الجنوب الشرقي من دمشق في أواخر القرن الثالث الميلادي. ودولة (كندة) ومنها ينحدر إمرؤ القيس، وهم أيضا في الاصل من الجنوب انتقلوا الى أواسط الجزيرة(18). فالازدهار الحضاري في الشمال كان بعد ضعف دول الجنوب التي كانت أقدم من دول الشمال ومنها الدولة الحميرية الأولى التي كتبت لها البقاء الى القرن الرابع الميلادي. والدولة الحميرية الثانية التي عاشت حوالي مئتي سنة. ولغة الحميريين كانت لهجة من لغتي سبأ ومعين الذين بدورهم أسسوا دولا في الجنوب(19).لي القرن الخامس الميلادي. واللهجات القتبانية نسبة إلى القتبانيين الذين اسسوا دولتهم في شمال عدن، واللهجة الحضرمية في حضرموت(13).

الصراع اللغوي واللهجات العربية

هناك صراع لغوي على مر التاريخ وقد تحتاج عملية الصراع الى قرون عديدة الى أن تتم سيطرة لغة على لغة أخرى. لذلك تغلبُ لغة على لغة أخرى يكون تدريجيا وليس فجائيا. ومن خلال الصراع اللغوي يمكن أن تتغلب لغة على لغة أخرى في حالتين:

الحالة الأولى: نسبة نمو سكان أحد الشعبين المجاورين وتضييق حدود الشعب المتزايد في العدد الى درجة يلجأ أبناء الشعب الى حدود الشعب المجاور. ويزداد الاحتكاك ويشتد الصراع اللغوي مما يؤدي الى السيطرة. ويُشترط أن تكون لغة الشعب الكثير السكان لغة أكثر رقيا وأفرادها أكثر ثقافة وحضارة. مثلا: طغت اللغة الألمانية على المناطق المجاورة لألمانيا بسويسرا والنمسا، وقضت على لهجاتها الأولى.

الحالة الثانية: “تغلغل نفوذ أحد الشعبين في الشعب المجاور” فتتغلب لغة الجانب الاكثر قوة ونفوذا وحضارة. مثلا: هزيمة لغة الباسك أمام اللغة الفرنسية واللغة الأسبانية(14).

لقد احتكت اللغة العربية باللغات اليمنية القديمة ودخلت في صراع معها مدة طويلة الى أن تمكنت من السيطرة عليها في المراحل الاخيرة من العصر الجاهلي. ومع ذلك فقد أصابت اللغة العربية بعض التحريف في الأصوات والمفردات والقواعد، فأوجدت لهجات عربية جديدة في الجنوب، مختلفة عن لهجات الشمال. ومع السنين تمكن العرب في الشمال بالتفاهم مع أهل اليمن، ثم توحيد اللغة الى حد كبير ، فجاء الشعر الجاهلي بلغة واحدة رغم بقاء بعض اللهجات اليمنية الصغيرة في بعض المناطق النائية على حالها. ومن هذه اللهجات، اللهجة الأخكيلية واللهجة السقطرية واللهجة المهرية إلى أن بعُدت هذه اللهجات عن أصولها الأولى. وبعد مجيء الاسلام تطورت اللغة العربية وما تزال تتطور. وظهرت لهجات جديدة تختلف عن اللهجات التي كانت موجودة في الجاهلية والاسلام والعصور التي لاحقتها. ولكن اللغة العربية الفصحى بقيت تقريبا على حالها كما كانت في عصر الاسلام، لأنه من طبيعة لغة الكتابة أنها بطيئة التغيير في الأصوات والقواعد. وسادت فكرة أن اللغتين اليمنية والعربية تمثلان لهجتين للغة العربية. ولذلك قسموا اللغة العربية على (العربية القحطانية-العاربة) أو لغة الجنوب أو اللغة الحميرية، و(العربية العدنانية-المستعربة)، أو لغة الشمال، أو اللغة المضرية (الحجاز ونجد وما جاورهما). وهذا التقسيم الأخير صحيح فقط بعد تغلب اللغة العربية على لهجات المنطقة. ولكنه ما زال تقسيما غير صحيح فيما يتعلق باللغات اليمنية القديمة(15).

قلنا أن سيطرة لغة أو لهجة على لغة أو لهجة أخرى تكون تدريجيا، وهذا ينطبق على كيفية سيطرة لغة العدنانيين ولا سيما (لهجة) قريش على اللهجات الأخرى. فالخلاف الجوهري بين القحطانيين والعدنانيين هو الحضارة، اضافة الى اللغة. وقد عاش العرب القحطانيون حياة متحضرة ومستقرة، اضافة الى اشتغالهم بالزراعة. بينما كانت تغلُبُ على العرب العدنانيين البداوة وحياة التنقل من مكان الى مكان آخر. وفي أواخر القرن الرابع الميلادي أو في أوائل القرن الخامس الميلادي ازدادت قوة قريش وهم من العدنانيين، من النواحي السياسية والاقتصادية والدينية. وأصبحت مكة مركز الثقافة واللغة العربية، حيث سيطرت لغة قريش. وضعف دور القحطانيين وخاصة بعد خضوعهم للحبشة تارة، والفرس تارة أخرى(16). فبعد سيطرة الفرس الزردشتيين على الجنوب، انتقل مركز الجزيرة تدريجيا الى الشمال وخاصة الحجاز، ثم جاء الاسلام(17). وفي الشمال ظهرت دويلات مثل (الأنباط، البتراء، تدمر، الغساسنة) والغساسنة في الأصل من عرب الجنوب، واحتلت الجنوب الشرقي من دمشق في أواخر القرن الثالث الميلادي. ودولة (كندة) ومنها ينحدر إمرؤ القيس، وهم أيضا في الاصل من الجنوب انتقلوا الى أواسط الجزيرة(18). فالازدهار الحضاري في الشمال كان بعد ضعف دول الجنوب التي كانت أقدم من دول الشمال ومنها الدولة الحميرية الأولى التي كتبت لها البقاء الى القرن الرابع الميلادي. والدولة الحميرية الثانية التي عاشت حوالي مئتي سنة. ولغة الحميريين كانت لهجة من لغتي سبأ ومعين الذين بدورهم أسسوا دولا في الجنوب(19).

بين دراسة اللهجات والترويج للعاميات

بين دراسة اللهجات والترويج للعاميات
د. عبد الله الفَيْفي

أشرنا في المساق السابق إلى أنه يقع الخلط كثيرا في الجدل الثقافي بين مشروعية دراسة اللهجات العربية علميا وبين الترويج للعاميات ثقافيا وإعلاميا. فدراسة اللهجات ضرورة علمية، وهي تصب في مصلحة العربية الفصحى نفسها. أما الترويج للعامية، فله مآرب أخرى، بعضها بريء، وبعضها مريب. وهو مريب، لا بما يفتحه من فُرقة لغوية، وانقطاع ثقافي فحسب، ولكن بما وراء ذلك من إحياء قيم فكرية، وترسيخ أنساق اجتماعية، ليس أول مؤرقاتها ما يمسّ الدين، ولا آخرها ما يهدّد الوحدة الحضارية، بنزع ورقة التوت الأخيرة عنها: اللغة.
أما لماذا أرى دراسة اللهجات أكاديميا ضرورة علمية؟ فلأن اللغة العربية قد أهمل منها أكثر مما سجل، وفسرت ظواهرها تفسيرات تضحك الثكلى أحيانا. فإذا كان (أبو عمرو بن العلاء) قد قال: (ما جاءكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير)، فإن اللغويين قد أهملوا كثيرا من ذلك القليل الذي جاءهم، استنادا إلى مقولة أخرى لأبي عمرو بن العلاء نفسه، كما سنبين لاحقا. بل لعلهم قد أهملوا منه أكثر مما سجلوا؛ لأنهم جزاهم الله خيرا! قد أخذوا بمعيار علمي، لم يكن متاحا في زمنهم خير منه. فاقتصروا على وسط الجزيرة، أو بالأحرى وسط نجد، إن في جمعهم اللغة والأدب أو في تقعيدهم، وأهملوا أنحاء الجزيرة الأخرى، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، بما في ذلك الحجاز، مهبط القرآن؛ بحجة أن لغة هؤلاء قد مسها الضر في الإسلام بدخول غير العربية من اللغات عليها في بعض ديارها. بل إن تلك الأنحاء من الجزيرة، المتهمة لغتها من قبل اللغويين في العصر الإسلامي، كانت على كل حال منفتحة على الأمم الأخرى ولغاتها منذ ما قبل الإسلام. فضرب صفحا عن تلك الجهات، إلا فيما ندر، وترك بها تراث كثير، كأنه ليس بعربي، ومن ثم ضاع قطاع واسع من العربية وأدبها. كأن أولئك اللغويين ظنوا أن معاقل الجبال أهون مسلكا وغزوا على غير العرب من فيافي القفار في الجزيرة، مع أن العكس هو الصحيح؛ فلقد تغلغلت الفارسية مثلا في وسط الجزيرة، كما فعلت في شرقها وجنوبها الأقصى، حاملة لغتها وثقافتها، منذ وقت مبكر من تاريخ العرب المعروف. على حين بقي لعزلة الجبال امتناعها اللغوي أحيانا، حتى لقد ذكر عمارة بن علي بن زيدان الحكمي، المشهور بعمارة اليمني، في القرن السادس الهجري (569 هـ = 1174م) الذي ولد في بقعة الزرائب في جبل مصيدة من جبال بني الغازي، المجاورة لفيفاء، (ينظر: العقيلي، التاريخ الأدبي لمنطقة جازان، 1 : 87) ما يلي: (العكوتان: جبلان منيعان لا يطمح أحد في حصارهما، وفيهما يقول راجز الحاج:
إذا رأيت جبلَي عكاد
والعكوتين في مكان باد
فأبشري يا عين بالرقاد
جبلا عكاد فوق مدينة الزرائب، وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية، لم تتغير لغتهم، بحكم أنهم لم يظعنوا أو يختلطوا بأحد قط من أهل الحضر، في مناكحتهم ولا مصاهرتهم ولا مساكنتهم، وهم أهل قرار لا يظعنون ولا يخرجون). قال: (ولقد أذكر أني دخلت زبيد في سنة 530هـ، أطلب الفقه دون العشرين، فكان الفقهاء يتعجبون في كوني لا ألحن في شيء من الكلام). (م. ن.، 90، نقلا عن: تاريخ عمارة، 54). وعلى الرغم مما قد يتسم به أسلوب عمارة من مبالغات شاعر، ولا سيما في مقام الفخر حتى أنه ليقول مثلا: (كان زيدان بن أحمد، وهو جدي لأبي، يقول: (أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدا، ما منهم إلا عالم مصنف)، (م. ن.، 93، عن: عمارة، النكتة العصرية في أخبار الوزارة المصرية، 21) على الرغم من هذا، فليس كلامه ببعيد عن التصديق. فنحن حين نذكر اليوم أن ظواهر لغوية، مما يتكرر في الدراسات الحديثة أنه قد امّحى من اللهجات العربية اليوم، لا يصدقنا أحد. ومن ذلك استعمال المثنى مع الأفعال والضمائر في لهجات بني تليد، أو بني مالك، المجاورة جبالهم لجبال فيفاء. أو حين تحكى قصة ذلك الطالب البائس من أبناء تلك الجهات في إحدى جامعات المملكة، الذي اكتشف بعض أساتذته على حين صدفة أنه يفقه من معاني المفردات في الشعر الجاهلي ويعي الصور الفنية أكثر من بعضهم، بل مما ورد في شروح القدماء أنفسهم، حين تحكى قصة كهذه يتهم الحاكي بالمغالاة أو الهلوسة. مع أن تفسير ذلك يسير، وهو أن هؤلاء العوام ما زالت جذور العربية تعيش في صدورهم، وتفرّع بعض أغصانها على ألسنتهم، وإن لحقتها اللكنة، ومستها طرائق الناطق ببعض التغيير، مما يجعلها تبدو غريبة لأول وهلة.
وهذا ما دفعني منذ واجهت تلك الإشكالية، طالبا، وقارئا في التراث العربي، ومدرسا للأدب العربي في الجامعة إلى محاولة جمع مادة لهجية أعرفها جيدا، في دراسة مقارنة مع الفصحى، لا لتكريس اللهجة، ولا للمفاخرة الإقليمية، ولكن إسهاما في المعرفة باللغة العربية نفسها، التي ما تزال تجمعنا جميعا، ونرجو أن تظل. ثم تأكدت لي أهمية ذلك المشروع أكثر من ذي قبل حينما كنت أحاول في تدريسي الشعر الجاهلي أو الشعر الأموي لطلبة جامعة الملك سعود أن أربط ما يقوله الشعراء بما أعرفه مما بقي على ألسنة الناس اليوم، فوجدت من الطلبة استجابة أدهشتني، وحبا للشعر القديم غير معهود، وتفاعلا معه غير مسبوق؛ ذلك حين اكتشفوا أنه منهم وهم منه، واستيقظوا على أنهم ما زالوا ينتمون إلى تلك اللغة الأم، وربما ما انفكوا يعيشون بيئتها منذ مئات السنين، وإنما حيل بينهم وبينها، تارة بإقصاء ما يسمى الفصيح عن العامي الدارج، وتارة أخرى بإقصاء ما يسمى العامي الدارج عن الفصيح.
ولست أنسى هنا طالبا كان يدرس معي في أحد الفصول الدراسية، وكان الرجل بدويا خالصا، كأنه قدم للتو من (البر) إلى الجامعة.. ولحسن حظه وحظي كان الموضع المقرر إذ ذاك معلقة طرفة بن العبد.. وأشهد أن ذلك الطالب (التعيس علميا) كان يفقه ظلال اللغة وإيحاءاتها في معلقة طرفة ولا سيما ما يتعلق منها بوصف الناقة أكثر وأدق من بعض ما فقهه الزوزني، أو الأعلم الشنتمري، أو غيرهما من شراح الشعر من عرب وفرس، ممن كانوا بعيدين عن ذلك التراث زمانا ومكانا. كما أعترف أنني قد تعلمت من طالبي ذاك أكثر مما تعلم مني؛ لأنه كان ابن البادية والصحراء والإبل، وكنت ابن الريف والجبال والطيور.
لهذا كله وجدت أنني أمام تراث مهمل، مع أنه ما يزال في حياتنا يعيش. ووجدت أننا نقرأ التراث القديم في الكتب مشوها، أو ضبابيا؛ لأن القائمين عليه لم يكونوا في معظمهم عربا أصلا، لا جنسا ولا بيئة، أو هم نقلة، لا يعرفون البيئة الأم، ولا الثقافة التي أنتجت النصوص.
وللحديث اتصال.
مرفأ:
في كل ثانية جرح. وآخرها:
قتل الزمان؛ فلا طب، ولا وقت!

aalfaify@hotmail.com

معنى كلمة قنبر

مساقات
العاميّ الفصيح!
د. عبد الله الفَيْفي

تطرّقنا في المساقات الماضية إلى ما ذكره أستاذنا الفاضل وشيخنا عبدالله بن إدريس، حفظه الله، في العدد 1186، من صحيفة (الجزيرة)، الثلاثاء 12 صفر 1426هـ، في معرض حديثه عن لهجات الجنوب، في غضون ذكرياته عن زيارته لمنطقة جازان، سنة 1377هـ، وما وصفه ببعض الطرائف اللهجيّة الجنوبيّة، التي رآها عويصة.
ونستأنف القول هنا بأن ما رواه الشيخ من لغة جازان عربيّ فصيح، لا غبار عليه، سوى غبار اللكنة المحليّة. ناهيك عن أن يكون فيه ما يمكن أن يُعَدّ من فاحش القول أو عويصه، كما ذكر، إلاّ حين لا تُبحث العلاقة بين اللفظ اللهجي والأصل العربيّ.
لكن قبل أن أوضّح ما نقله الشيخ من لهجة بعض أهالي جازان – كما سمعها – أودّ أن أشير إلى أن هناك اختلافات لهجية كبيرة أحيانًا بين لهجات السراة، ولهجات تهامة جازان. ومع التشابه اللهجي بين لهجات الجنوب عمومًا، فقد لحظتُ قُرْبًا لهجيًّا لافتًا، ويكاد يصل إلى حدّ التطابق أحيانًا، بين لهجات جبال فَيْفاء، ولهجة قحطان في عسير، هذا فضلاً عن تشابه معروف في كثير من العادات والتقاليد، والأزياء، والأعراف الاجتماعية.
لهذا كنتُ أدهش حينما يتقمّص الممثل القدير عبدالله عسيري الشخصيّة اللغويّة والاجتماعيّة الجنوبية من تلك المنطقة، فأجد أن صورة الشخصية التي يتقمّصها أقرب انتماءً إلى الناس في ديرتي من أي صورة أخرى. لذلك سبق القول إن فَيْفاء بيئيًّا، واجتماعيًّا، وحتى لغويًّا، هي أقرب إلى عسير منها إلى جازان. بل لقد كان ارتباطُها تاريخيًّا بعسير وبالسراة من جهة، وباليمن من جهة أخرى، لا بتهامة جازان.
ولا غرو، فهي، وسائر جبال ما يسمى بساق الغُراب، جزء من تلك السلسلة الجبلية الممتدّة، يمنًا وشامًا. ومع وجود المشترك اللهجي مع أهالي تهامة، إلا أن الاختلافات تظل قائمة، لا سيما مع انفتاح مناطق المخلاف السليماني التهاميّة منذ القدم على مؤثرات لغويّة واجتماعية شتى، حتى إن الجباليّ قد يستعصي عليه قديمًا فهم التهاميّ والتهاميّ كذلك يستعصي عليه فهم الجباليّ، لا بسبب اللغة وحدها، بل بسبب اختلاف البيئة والثقافة أيضًا.
وقد مثّل الشيخ ابن إدريس على ما عده من عويص القول أو فاحشه بما أورده من أنه: (جاء أحدهم إلى قاضٍ نجدي في مهمّة فتأخر خروج القاضي إليه فخاطبه قائلا: يا مجاضي من أمْطلْ وأنا (…)(…) حتى تقنبرت على… في امعرسه)). قال: (ولولا وجود رجل آخر يفسر هذه الكلمات العويصة لكانت مشكلة!).
وعلى الرغم مما أشير إليه من اختلافات لهجية كبيرة أحيانًا بين لهجات السراة، ولهجات تهامة، فأحسب أن ما ذكره الشيخ من استعمال (امجاضي) مكان (امقاضي)، ليس بدقيق. نعم، قد يقلبون الكاف شِبْه جيم، من نحو ما هو معروف في لهجات نجد أيضًا، لكن القاف لم أسمعها تُقلب جيمًا قط.
والله أعلم.
أمّا قول الرجل (من امطَلْ)، فيعني: (من الفجر)، إشارة إلى أوان سقوط (الطلّ) أو الندى في ساعات الفجر الأولى في تلك البيئات. قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} (سورة البقرة، آية 265) وقوله: (تقنبرت على…): أي (جلستُ على…) وتقَنْبَرَ، في اللهجة: أي جَلَس في شيء من التعالي. وقد لا نجد الآن المفردة مستعملة في العربيّة – ولكم أهملت المعاجم من لغة!- لكننا نجد ما هو أَثَرٌ منها.
فمن جهة معنى (التعالي) في الجلسة، يرد مثلاً في (الزمخشري، أساس البلاغة، (قبر)): (من المجاز: قولهم للمتكبّر: رفع قِبِرّاه، وجاء رافعاً قِبِرّاه، وهي الأنف العظيم، كأنها شبّهت بالقَبْر، كما يُقال: رؤوس كقبور عاد… وتقول: واكِبْراه، إذا رفع قِبِرّاه. وتقول: ثبوا على المنابر، فقد خلا الجوُّ للقنابر؛ جمع قُنْبرة).
وفي (الصاحب بن عبّاد، المحيط في اللغة، (قبر): (القِبِرّى- على وَزْنِ الجِرِشّى-: هو الأنْفُ، يقولون: أتاني رافِعاً قِبِرّاه: إذا شَمَخَ بأنْفِهِ. وقيل: هو العُنُقُ في قَوْلهم: أتاني نافِشاً قِبِرّاه).
والقُنْبُرة: فضلُ ريشٍ قائِمٍ في رأس الدجاجة ونحوها. ودجاجة قُنْبُرَانيَّة على رأسها قُنْبُرَةٌ.
(ينظر: الزبيدي، تاج العروس، (قنبر)). والقُبَّرُ، والقُبَّرة، والقُنْبَرُ، والقُنْبَرة، والقُنْبَراء: طائر يشبه الحُمَّرة). ينظر: ابن منظور، (قبر)).
وأورد (صلاح الدين الصفدي، أعيان العصر وأعوان النصر) قول شاعر:
أنا قنبر الأحزان أملأ طلحها
حزناً وفي السفلى غراب أسودُ
فهل (التَّقَنْبُر) في اللهجة مشتق من اسم هذا الطائر وهيئته، فيكون التَّقَنْبُر: الجلوس كالقُنْبُرَة على بيضها؟ ومعروف مشهد القُنْبُرَة في حكاية كليب بن ربيعة والبسوس.
أمّا من جهة معنى الجلوس على العَرْصَة، فإن الأرض القَبُور هي عرصة الأرض الغامضة الواطئة.
(ينظر: الأزهري، تهذيب اللغة، (قبر).
فتَقَنْبَر إذن يمكن أن تكون بمعنى: جلس على أرض قَبُور، أي واطئة. ولعل اشتقاق الكلمة من هذا أقرب.
وقوله (في امعرسة): الصواب (في امعرسته)، أي (في العَرْصَة)؛ لأنهم ينطقون الصاد سينًا وتاءً. والعَرْصَة: كلمة فصيحة معروفة، قال امرؤ القيس في المعلّقة:
تَرَى بَعَرَ الآرامِ في (عَرَصاتها)
وقيعانها كأنّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
وقال (مالك بن الرَّيْبِ):
تَحَمَّلَ أَصْحَابِي عِشَاءً وغَادَرُوا
أَخَا ثِقَةٍ في (عَرْصَةِ) الدَّارِ ثَاويا
فمعنى كلام الرجل بوضوح: (يا القاضي، من الطلّ – أي من ساعة سقوط الطَّلّ فجرًا -، وأنا متْقَنْبِر – أي جالس في انتظارك -، في العَرَصَة – أي باحة المحكمة -).
فأيّ حِمْيَرِيَّة قديمة هنا، وأي كلمات عويصة في هذا؟ إلا حينما نحكم على لهجة بلهجة، لا بالأصل المشترك بينهما، وهو العربية الفصيحة؟! فها نحن هؤلاء نستطيع إعادة اللهجة إلى أصلها من العربية، حتى بالاعتماد على حدود ما سجّله منها أهل اللغة في معاجمهم، وهو لا يعدو جزءًا من العربيّة، التي أهملوا كثيرًا منها، كما تقدّم في مقال مضى.
وطبعًا، ليس كل الناس بفارغين (مثلي!) للتحليل والتأصيل والمقارنات اللغويّة، لكنّ القصد هنا أن ما قد يبدو ظاهره غريبًا، أو حتى غير عربيّ، يتكشّف باطنُه عن جذور عربيّة، هي أفصح وأعرق أحيانًا ممّا نظنه على ألسنتنا هو الفصيح. تلك التفاتة نشكر الشيخ ابن إدريس على التنبيه إليها، وحفزه على مناقشتها.
وهي تؤكّد ما ذهبتُ إليه في مساق مضى من أن دراسة اللهجات العربية هي في حقيقتها دراسة للفُصحى، إن صحّت الغايات، وتجرّدنا عن الأغراض والأفكار المسبقة.

* عضو مجلس الشورى
أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك سعود
aalfaify@hotmail.com

من خصائص لهجة أهل الخرج 2/2

ثانيا : فروق صوتية ودلالية وتصريفية داخل لهجة أهل الخرج
إذا كان لأي لهجة في بيئة واحدة ظواهر لغوية مشتركة ؛ فإن ذلك لا يمنع من أن يتميّز أفرادٌ من أهل هذه اللهجة في مدينة مّا أو حيّ مّا بظواهر صوتية أو دلالية أو تصريفية خاصة بهم، بل قد تضيق دوائر الخصوصية لتنفرد أسرة مّا بخصائص معينة، بل قد تضيق تلك الدوائر أكثر وتدقُّ ليكون لكلّ شخص مّا خصائصه الصوتية التي يتميّز بها عن الآخرين.
وأنا في هذا المبحث لن أتناول تلك الفروقات الدقيقة لأن توصيفها نظريا يعدّ- في تقديري – بالغ الصعوبة ، ولكنني سأحاول مجتهدا أن أصف الفروقات البارزة بين لهجات مدن الخرج وأحيائها، فمدن الخرج رغم اشتراكها الطبيعي في خصائص لهجية مشتركة إلا أن لكل أهل مدينة من مدنها – رغم تقاربها – خصائصهم الصوتية والتصريفية والدلالية التي يمتازون بها عن الآخرين . ومن تلك الفروق :
1 – إلحاق هاء السكت بعد تاء الفاعل المخاطب :
وهذه كثيرة في أهل الدلم حيث يلحقون هاء السكت بعد تاء الفاعل المخاطب سواء في أسلوب الاستفهام كقولهم : ( سلّمْتَه ؟ ) بمعنى ( أسلَّمتَ ؟) و ( جِيْتَهْ ؟ ) أي : (أجئت ؟ ) و (قلته له ؟) أي : ( أقلت له ؟ ) أو في غير الاستفهام ( من يوم رحته وانا قاعد ) بينما الآخرون في المدن الأخرى يقولون : ( سلّمْتْ ؟ ) أي ( أسلمتَ )و ( من يوم رحت )
2 – فتح التاء في الضمير ( أنتِ ) للمؤنث وإلحاق ياء ساكنة بعد التاء ( اِنْتَيْ ) ، وكذلك فتح التاء في الضمير أنتم وإلحاق واو ساكنة بعد التاء ( اِنْتَوْ ) :
وهذا خاص بأهل الدلم حيث يفتحون التاء في مخاطبة الأنثى يقولون : ( اِنْتَي) وكذلك في مخاطبة الجماعة يقولون : ( اِنْتَوْ ) في حين يقول الباقون من أهل الخرج : ( اِنْتِ ) بالكسر ، و( اِنْتُ) بضم التاء .
3 – تسكين ما قبل الضمير الكاف :
من خصائص لهجة أهل الدلم أن كثيرين منهم يسكّنون ما قبل الضمير كقولهم (وِشْ لُونْكْ؟) وهي من عبارات التحايا المستعملة كثيرا ، أي ( كيف حالك ؟) حيث يسكنون النون ، وأما الباقون من أهل الخرج فإنهم يكسرون النون ( وش لونِك ) كما هو في اللهجات النجدية الأخرى.
وكذلك يسكّنون اللام – أحيانا- السابقة للضمير الكاف في قولهم : (من قالْكْ ؟ ) (من سألْك ؟)أي (مَن قالَ لَك ؟) و( من سأَلَك ؟ ) مع حذف لام قال ، وعند غيرهم ( من قالْ لِكْ ؟ ) .
4 – كسر الحرف الأول والثاني في بعض الأسماء :
وذلك عند أهل ( نعجان ) وأهل ( السلميّة ) حيث يكسرون الحرف الأول والثاني من بعض الأسماء فيقولون مثلا في (سَنَة) : (سِنِهْ) يجعلون كسرة النون ممالة إلى الفتحة ، بينما أهل الدلم يقولون (سَنَهْ) بفتح الأول والثاني فتحة صريحة ،
5- التفخيم مع الغنّة وخاصة في حرفي ( الميم والعين ) إن وجدا في كلمة ، والإكثار من إمالة حركة الحرف الأخير إلى الضمة :
وهذه الظاهرة الصوتية كثيرة عند أهل ( نعجان ) وأهل (اليمامة) فمثلا يجعلون العين بين ضم وكسر مع غنّة يسيرة في نحو (سَبْعُهْ) مع تفخيم الحروف والتراخي في النطق ، بينما يفتحها أهل الدلم فتحة صريحة مع النطق السريع من غير تفخيم فيقولون: ( سَبْعَهْ). وفي نحو كلمة ( كَتْمَه ) يميلون فتحة الميم إلى ضمة مع الغنة والتفخيم .
6 – جاتْ و جتْ : الأكثر عند أهل نعجان أو بعضهم أن يقولوا للمؤنث جاتْ : ( جاتْ فلانة ) و( فلانة جاتْ ) أي ( جاءت ) بينما الباقون من أهل الخرج يقولون ( جَتْ )
7 – اِيْه اَيْهْ بمعنى ( نعم )
يغلب عند أهل نعجان فتح الهمزة خلافا للباقين .
8 – فتح الدال في ( عندك ) وكسرها :
أهل اليمامة يفتحون الدال مع المدّ قليلا فيقولون : ( عندَاك ) والباقون يكسرونها ( عندِكْ ) وأحيانا يدغمون النون فيها ساكنتين ( عِنْدْك ).
9- حذف ضميري الغائب المتصلين ( ها ) و( هم ) وتشديد التاء قبلهما :
ومن الفروق – أيضا – أن أهل الدلم خاصة يحذفون ضميري الغائب المتصلين ( ها ) و ( هم ) وتشديد تاء الفاعل أو تاء التأنيث أو تاء الكلمة عوضا عنهما ، كقولهم : ( كِتَبْتّا ) أي ( كتبتها ) و( سلمتّا له ) أي (سَلّمْتُها له ) و ( فَكِّيتّا ) أي ( فَكَكْتُها )و ( جَتْ اخْتّا ) أي (جاءت أخْتُها ) و ( سِمِعْت صُوْتَّا) أي (سمعت صَوْتَها ) ويقولون : (سيّارتّم) أي (سيّارتُهم) . بينما بقية أهل الخرج لا يحذفونهما ، فيقولون : (كِتَبْتَها ) و( صوتها ) و( سيارتهم ) ومن المفارقات أن أهل حوطة سدير وشقراء يشاركون أهل الدلم في الحذف على بعدهم ، في حين أن بقية أهل الخرج لا يحذفون على قربهم .
10 – ( في ذا ) و ( فيه ) بمعنى ( هنا ) :
ومن الفروقات الدلالية – أيضا – أن الأكثر عند أهل الدلم استعمال ( في ذا )أو( فيه ) للدلالة على المكان بدلا من اسم الإشارة ( هنا ) – فيقول أحدهم سائلا : (اُبُوك في ذا ؟) أو (ابُوْكْ فِيْهْ ؟ ) أي (هل أبُوكَ هُنَا ؟) ويقولون : (هاتَهْ في ذا) أي (هاته هُنَا) ، أما غيرهم من أهل الخرج ، أو أهل المناطق المجاورة فالأكثر عندهم استعمال (هِنَا ) وهي عند الجميع بكسر الهاء وفتح النون.
11 – كسر أو تسكين ( لام الجر) إذا دخلت على ضمير الخطاب المفرد ( ك ) :
أهل الدلم يكسرون كثيرا اللام الداخلة على ضمير الخطاب للمفرد فيقولون: ( قِلْتْ لِكْ ) وأحيانا يسكّنون اللام مع كسر تاء الفاعل قبلها فيقولون ( قِلْتِ لْكْ) ، وأهل نعجان يفتحونها فيقولون : ( قِلْتْ لَكْ ) وأغلب الباقين .
12– قلب الفاء هاء في ( شِفْ ) بمعنى انظر:
وهذا يكثر عند أهل الدلم خاصة فيقولون : ( شَهْ ) أي ( انظر ) أصلها عندهم ( شف ) أو ( شَهْ محمد ) أي ( انظر إلى محمد ). ولعل (شف ) جاءت من هذا المعنى كما ورد في اللسان مادة (شفف) قال : والشَّفُّ والشِّفُّ: الثوبُ الرقيقُ،وقيل: السِّتْر الرقيق يُرى ما وراءه،وجمعهما شُفُوفٌ.وشَفَّ السترُ يَشِفُّ شُفُوفاً وشَفِيفاً واسْتَشَفَّ: ظهر ما وراءه.
13- إدغام اللام في ( خَلْ ) في نون المضارعة :
معنى (خَلْ )في العامية ( دع ) أو ( اترك ) فإذا قال أحدهم : ( خلّنا نروح ) أي ( دعنا نذهب ) أو( لنذهب ) ولكن الأكثر عند أهل الدلم في هذا الاستعمال حذف اللام فيقولون : (خنّروح )
و( خلّى ) لها معانٍ كثيرة في المعاجم ولعلها في العامية جاءت من هذا المعنى كما ورد في ( الصحاح ) :وخَلّيْتُ سبيله، فهو مُخَلَّى.
14 – ترقيق الواو في ( دواء ) و( هواء )
وهذا يكثر في نعجان حيث يرقّقون الواو ويقولون : (دِوا ) ، ويرققون الواو كذلك في ( هَوا )
15- استعمال الأضداد : (ادن) بمعنى (ابعد)
وهذا الاستعمال الدلالي خاص بأهل اليمامة ، فيقولون ( ادن هذا ) أي ابعد هذا! فيستعملون الضد للضد!

• أما بعد : فهذه الفروق التي سبقت لا تعني المفاضلة بين لهجة وأخرى و إنما هو وصف لغويٌ فحسب لبعض الظواهر في لهجة أهل الخرج قام على الملاحظة الشخصية أو بسؤال الآخرين ، وهو كذلك اجتهاد قد أكون موفقا فيه وقد أكون خلاف ذلك ، فإن كنت موفقا فلله الشكر ، وإن كنت خلاف ذلك فمنكم العذر !
• وأخيرا أشكر جميع من قرأ هذه المقالة بجزأيها وأشكر جميع المعلقين عليها فللجميع خالص الودّ والتقدير .

ناصر بن عبد العزيز الهــذيلي

جامعة الخرج – كلية العلوم والدراسات الإنسانية

aagaab@hotmail.com