المعرب والأصيل في كتاب قاموس الفصاحة العمانية

المعرب والأصيل في كتاب قاموس الفصاحة العمانية

تتصف الدراسات اللغوية في السلطنة بالقلة والنوعية، وتفتقد هذه الدراسات ـ إن وجدت ـ المتابعة اللغوية التي ترصد تطور وضعية الألفاظ والمفردات وحركتها داخل واقع المجتمع العماني وحركة الناس اليومية، أما بالنسبة للقواميس والمعاجم التي ترصد الألفاظ العمانية فهي قليلة جدا، وقد صدر إلى الآن ثلاثة كتب أو قواميس، منها كتابان تناول فيهما مؤلفاهما، بعض الألفاظ المشتركة بين اللغة العربية واللهجات المستخدمة في عمان، والثالث يختص باللغة السبئية أو الحميرية المستخدمة في ظفار وهو كتاب (لسان ظفار الحميري المعاصر: دراسة معجمية مقارنة) للدكتور محمد بن سالم المعشني، مسقط 2004م، إصدار مركز الدراسات العمانية في جامعة السلطان قابوس، وهدفت هذه الدراسة إلى تبيان أوجه التشابه بين اللغة العربية الفصحى وبين العربية (اللغة الحميرية) أو ما يعرف حاليا بالشحرية، وقد حاول الباحث إجراء مقارنة بين العربية الفصحى واللغة الحميرية المستعملة حاليا في محافظة ظفار، وقد أظهرت الدراسة أن أكثر ألفاظ اللسان الظفاري الحميري المعاصر متطابقة أو متشابهة مع مثيلاتها في العربية الفصحى.
والكتابان اللذان رصدا مفردات اللهجة العمانية هما: الأول بعنوان (إزاحة الأغيان عن لغة أهل عمان.. نماذج من الدارجة العمانية في قاموس العربية الفصحى)، من تأليف الشيخ سعيد بن حمد بن سليمان الحارثي، عام 1990. وقد جمع الكاتب فيه عددا من الألفاظ العمانية القديمة، أو الموجودة في بعض اللهجات العمانية المعاصرة، وحاول الكشف عن صلتها بالعربية، وتوثيقها من خلال معانيها في القواميس والمعاجم العربية.
والكتاب الثاني بعنوان (قاموس الفصاحة العمانية.. ما حفظته الدارجة العمانية للغة العربية)، تأليف محمود بن حميد الجامعي، صادر عن دار إحياء التراث العربي، بيروت 2004. وهذا الكتاب هو محور حديثنا وعرضنا في هذه المقالة. وقد سار الكاتب على نهج الشيخ سعيد بن حمد الحارثي في جمع عدد كبير من الألفاظ العمانية المستخدمة في الدارجة العمانية، ولكنه توسع في إضافة الكثير من المفردات الشعبية العمانية لمعجمه، وحاول تأصيلها ورد أصولها إلى العربية الفصحى، كما أنه اختلف في نسبة العديد من المفردات المستخدمة في اللهجات العمانية للفصحى وعدها من الكلمات الدخيلة أو غير الفصحى؛ كون أن هذه الألفاظ لم ترد في المعاجم العربية التي اعتمد عليها في كتابه، كما أنه ألزم نفسه بمنهج دقيق جدا وشروط حازمة، حيث أنه اشترط صحة عروبة الكلمة ووجودها في معاجم اللغة أو في القرآن والسنة، وقد اعتمد على ثلاثة معاجم لغوية قديمة هي؛ كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، ولسان العرب لابن منظور، وتاج العروس من شرح القاموس للزبيدي.
وقد قام الباحث بتصنيف الألفاظ في الدارجة العمانية إلى صحيح وغير صحيح، فيقول في مقدمة كتابه: أما الصحيح: فهو ما كان موجودا في أمهات كتب اللغة سواء بمطابقة المعنى أو بمجازه.
أما غير الصحيح: فهو ما لم أجده في أمهات كتب اللغة فهو دخيل أو كان موجودا لفظا ولكن استخدامه الدارج لا يتوافق مع معناه الصحيح (قاموس الفصاحة، ص4)
وهذا هو المعيار الذي أعتمده لصحة وأصالة الكلمات العمانية وهو وجودها في أمهات الكتب والمعاجم العربية.
وهنا سوف نعرض لعدد من الملاحظات التي توصلت إليها:
أولا: يبدو أن أكثر الألفاظ التي اعتبرها الباحث غير صحيحة هي كلمات عربية أصلية، ولم يتم إضافتها للقاموس لأنها لم ترد في معاجم اللغة التي استعملها الباحث، كما أن بعض الكلمات التي أوردها في قاموسه هي كلمات فارسية معربة، وهو بهذا قد استبعد العديد من الألفاظ العمانية العربية من معجمه، وقام بتوثيق عدد آخر من الكلمات المعربة وعدها من الألفاظ العمانية. كما أنه وبعد البحث في أصول بعض الكلمات المستبعدة، قد وجدت لها أصولا بعد مقارنتها مع اللغات السامية الأخرى أو في اللغة السبئية الموجودة في جنوب الجزيرة العربية وعمان. ويبدو أن الباحث لم يقم بمقارنة هذه الألفاظ مع مثيلاتها في اللغات السامية أو في اللغة السبئية القديمة التي لا تزال متحدثة في عمان. وهنا لا نستبعد أن تكون بعض الألفاظ الموجودة في الدارجة العمانية، ربما تكون قد تسربت إلى اللهجات العمانية من اللغة الحميرية التي يتحدث بها سكان ظفار والمناطق الجنوبية من عمان والجزيرة العربية.
ثانيا: تجاهل الباحث نظرية المحاكاة في عملية نشأة اللغة وفي المنهج الذي وضعه لتصنيف الكلمات والألفاظ العمانية، فلقد اعتمد على ثلاثة قواميس لغوية قد تم تأليفها قبل عدة قرون، والباحث لم يراع التطور اللغوي الذي ربما يكون قد لحق بالألفاظ العمانية أو طريقة نطقها وتغير معانيها في واقع الاستعمال اللغوي في عمان. فهناك ألفاظ قد تكون عربية قد تواضع العمانيون أو حاكوها من طبيعة وواقع الحياة، واتفقوا على تواضعها، وداوموا على استعمالها، فأصبحت جزءا من لغتهم وحديثهم اليومي. وخلاصة مذهب المحاكاة، أن الناس قد سموا الأشياء، بأسماء مقتبسة من أصواتها، أو بعبارة أخرى أن تكون أصوات الكلمة، نتيجة تقليد مباشر، لأصوات طبيعية صادرة عن الإنسان أو الحيوان أو الأشياء، وقد عرض لهذا الرأي جملة من علماء العربية، ومنهم ابن جني فقال: وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها، إنما هو الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيج الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس… ونحو ذلك. ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد)، وقد ارتضى ابن جني هذا الرأي فقال معقبا عليه: (وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل) (الخصائص لابن جني، ص46 ،47)
وهناك أيضا نظرية الاستعداد الفطري. وتقول هذه النظرية إن الإنسان مزود بفطرته، بالقدرة على صوغ الألفاظ الكاملة، كما أنه مطبوع على الرغبة في التعبير عن أغراضه، بأية وسيلة من الوسائل، غير أن هذه القدرة على النطق بالألفاظ، لا تظهر آثارها إلا عند الحاجة، أو في الوقت المناسب (المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، د.رمضان عبدالتواب، ص 116).
ثالثا: نلاحظ أن أكثر الألفاظ المستبعدة هي ذات أصول عربية، وهذه الألفاظ إما أنها مشتقة من اللغة الدارجة، أو من كلمات ذات أصول عربية، أو موجودة في اللغة السبئية القديمة، أو قد جاءت محاكاة للطبيعة ولتطور المفردة العربية نحو؛ يخترب (يتعطل) من الخراب، الختمة (ختم المصحف)، الشور (الرأي) وهي من الشورى، يصوي يصيح بصوت دقيق، الصيم (الساق) يطلق على الساق الضعيفة وربما جاءت من الوصيم، الصولان الصداع والألم الذي يكون في أعضاء الجسم، يُغنم القهوة، الحلا: الصدأ، يبطل: يفتح، الشباو من الشبا وهو نسيج العنكبوت.
وربما اتفق العمانيون على محاكة وتواضع بعض هذه الكلمات، لأن هناك بعض المفردات والألفاظ العمانية غير موجودة في المعاجم العربية، ولا هي موجودة في قاموس المعرب ولا في القواميس التي ترصد الألفاظ الدخيلة أو المعربة في اللهجات الخليجية، وتركيبها البنائي يدل على أنها من اللغة العمانية المحلية، التي ربما اتفق العمانيون على محاكاتها واستخدامها في قاموسهم اليومي، فهي إذن ألفاظ عمانية مثل البجلي، بهو، يحقل، يحيق، الخروفة، يغنم. لماذا لا تكون هذه الألفاظ من اللغة العمانية المولدة، أو المتواضعة من قبل العمانيين، لأنها غير موجودة في المعاجم، وغير موجودة في اللهجات الخليجية أو العربية الأخرى؟
وكنت أتمنى أن يتعمق الباحث في البحث عن أصول ومعاني هذه الكلمات ويبحث عن المعنى التاريخي وفي الواقع الاجتماعي للفظة. لا أن يكتفي بإيرادها أو رفضها كما هي.
رابعا: هناك العديد من الألفاظ التي رفض الباحث تصنيفها من اللهجات العمانية، ولكنني وجدت لها أصولا مشتركة مع اللغة الحميرية الموجودة في ظفار نحو، يبزج بمعني يبقر موجودة (بزج) بنفس المعنى في كتاب لسان ظفار الحميري، والسحارة وهي لفظة مستعملة في الحميرية وردت في لسان ظفار الحميري ومستعملة في العبرية والأكادية وهي لغات سامية أخوات اللغة العربية، والصفرية جاءت من الصفار الذي يصفر القدور والأواني المنزلية وهذه اللفظة موجودة أيضا في كتاب لسان ظفار الحميري في الألفاظ المشتركة بين العربية والحميرية.
خامسا: هناك العديد من المفردات التي ذكرها من غير الصحيحة والتي هي موجودة في اللهجات الخليجية والعربية الأخرى، نحو الخروفة من الخرافة، والزري والسحارة، والصفرية، والغرشة، والزار، والزعر موجودة في لغة أهل الشام الزعران. البندر أيضا موجودة في اللهجة المصرية وهي تعني المدينة وبعض هذه المفردات من اللهجات الشعبية المستعلمة في الأحاديث اليومية وقد اعترفت بها مجمعات اللغة العربية ككلمات ومفردات عربية أو معربة.
سادسا: قام الباحث بتأصيل العديد من الكلمات ذات الأصل الفارسي ثم عربت مثل جونية وروزنة، وسروال، والبرنوص، والراشن، والصاروج، وغيرها، وعدها من اللغة العمانية. والصاروج مثل الأسمنت، يقول الباحث في تعريف كلمة الصاروج نقلا عن كتاب التهذيب، والصاروج: النورة وأخلاطها التي تصرج بما النزل وغيرها، فارسي معرب، وكذلك كل كلمة فيها صاد وجيم، لأنهما لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب. وقد وردت أكثر هذه الألفاظ المعربة في معاجم عربية وخليجية حديثة تهتم بالألفاظ المعربة، مثل قاموس المعرب في اللغة، ومعجم الألفاظ العامية في الإمارات، وألفاظ دخيلة ومعربة في اللهجة القطرية) وهناك مفردات ألفاظ عدة معربة لم يضعها في المعجم وهو مصيب في ذلك لأنها ألفاظ غير عربية نحو؛ الترموس، التوله، الرسته، الشرشف.
ولكن الباحث بحاجة إلى عدة مراجع مهمة في بحثه اللغوي وخاصة تلك المراجع التي تبحث عن المعرب في اللغة، فهناك قاموس اسمه المعرب، وكان الباحث بجاحة إلى الاطلاع عليه، حتى يتبين اللفظة العربية من المعربة.
سابعا: أورد المؤلف بعض الكلمات المعربة وأدعى نسبتها إلى اللهجات في عمان، لكنه حرف معناها اللغوي حتى تتناسب مع المعنى الموجود في الواقع العماني، وهذه الألفاظ تختلف في معانيها في المعجم عن معانيها في الواقع اللغوي واللهجوي العماني؛ مثلا جونية ومعناها الكيس، ولكنها في كتب اللغة معناها الأسود، ومعروف في واقع اللغة أن جون هو الأسود، وقد قام الباحث بتحريف معنى الكلمة وأسقطها على لفظة جونية، كما حول الباحث الكثير من المفردات والألفاظ عن دلالتها المعجمية أو ما تعنيه في الواقع مثل كلمة بوش فهي في معاجم اللغة تعني الجماعة الكثيرة وفي معانها في الواقع اللغوي العماني تعني الجمال، لفظة برش والأبرش في اللغة تعني الشيء الذي فيه ألوان مختلطة، قام بتحريف معناها وأسقطها على الربشة، وهناك فرق بين البرش والأبرش والربشة. وقد وردت لفظة الربشة في كتاب لسان الحميري بمعنى فوضى. والبرنوس أو البرنوص وهو اللحاف والبطانية الثقيلة، بينما المعنى الذي ساقه الباحث من كتب اللغة يشير إلى البرنس، والبرنس قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهناك فرق بين القلنسوة واللحاف الذي يتغطى به في وقت النوم حاليا. لفظة بغم وبغام التي تستخدم في اللهجة العمانية بمعنى الشخص البليد قليل الفهم، بينما وردت في معاجم اللغة بمعنى صوت الحيوان يقال بغام الظبية، بمعنى صوتها، ولكن الباحث خلط بين المعنيين، ولفظة الجيذر وهي نوع من السمك المعروف في عمان، حاول مطابقتها مع الجوذر والجوذر كلمة تعني ولد البقر، وهي فارسية الأصل، وشتان ما بين ولد البقر وبين السمك، وبين الجوذر والجيذر، والأمثلة كثيرة على تحريف المعاني، وإسقاط ما هو موجود في اللغة الفصحى على الألفاظ العمانية دون وجود مطابقة أو مماثلة أو مشابهة لغوية أو حتى حالة إقلاب لغوي.
ثامنا: كان الباحث بحاجة إلى تصنيف الكلمات والألفاظ إلى أسماء أفعال وصفات وأدوات وذكر ذلك بين قوسين مقابل الكلمة، لأن القاموس سوف يطلع عليه الكثير من القراء غير العمانيين، وربما يستشكل عليهم نوع الكلمة وكذلك طريقة نطقها في واقع اللغة أو اللهجة العمانية، فلو تكرم الباحث وأجهد نفسه قليلا ووضح طريقة نطق الكلمة وسهل على القراء لكان ذلك أفضل وأسهل، ويمكن أن يقوم بذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
تاسعا: هناك بعض الكلمات التي أوردها الباحث ضمن الكلمات المستبعدة، لكنه ثبتها في القاموس كألفاظ عمانية أصيلة، نحو: جعري وردت في الكلمات المستبعدة وهي مذكورة في القاموس في صفحة 75، وكلمة البهيوت وردت في المستبعد من الألفاظ، ووردت في صفحة 50، ولفظة يشخل وضعها في الألفاظ غير الصحيحة، وكان قد ذكرها والفعل في الماضي شخل، والمشخل وهو المصفاة ص 212. وفي الختام ينبغي أن نوجه كلمة شكر إلى المهندس محمود بن حميد الجامعي على الجهد الذي بذله في وضع هذا الكتاب وهو جهد محمود ومقدر ويستحق عليه كل الشكر والثناء، ونتمنى أن يستمر في هذا المنحى البحثي المميز.

د.شُـبّر بن شرف الموسوي

أضف تعليق