النظريات السياقية

 

النظريات السياقية[1]

سالم الخماش

يرى أصحاب النظريات السياقية أن الطريق إلى المعنى ليس رؤية المشار إليه أو وصفه أو تعريفه وإنما من خلال السياق اللغوي الذي وردت فيه، والموقف الحاليّ الذي استعملت فيه؛ وعليه فدراسة المعنى تتطلب تحليلا للسياقات اللغوية وغير اللغوية. والسياق هو البيئة اللغوية أو غير اللغوية التي تحيط بالخطاب وتكشف معناه. وأهم السياقات:

 

(أ) السياق اللغوي

 هو البيئة اللغوية التي تحيط بجزيئات الكلام من مفردات وجمل وخطاب.   ويمكن تمييز عناصر السياق اللغوية التالية:

(1) التركيب الصوتي: وهو السياق الفونيمي الذي يشكل الكلمة، فمثلا: "نام الولد،" من الناحية الفونيميه لها سياق فونيمي يشارك في تحديد معنى مفرداتها.

فنام: سياقها الفونيمي هو تأليفها من الفونيمات: ن ا م مرتبة بهذه الطريقة؛ ومتى تغيّر احد هذه الفونيمات أو اختلف ترتيبها تبع ذلك تغيير في المعنى، قارن:

عند استبدال الصوت /ن/ في أول (نام) نحصل على:

دام: (اختلفت عن نام بصوت د).

قام: (اختلفت عن نام بصوت ق).

صام: (اختلفت عن نام بصوت ص).

وعند استبدال الصوت /م/ نحصل على:

ناب: (اختلفت عن نام بصوت الباء).

ناح: (اختلفت عن نام بصوت الحاء).

نار: (اختلفت عن نام بصوت الراء).

ناف: (اختلفت عن نام بصوت الفاء).

والولد: عندما نستبدل صوت /و/ فيها تتغير اللفظة ويتغير معناها ونحصل على:

البلد: (اختلفت عن الولد بصوت ب).

الخَلد: (اختلفت عن الولد بصوت خ).

الجَلَد: (اختلفت عن الولد بصوت ج).

التَّلد: (اختلفت عن الولد بصوت ت).

وعندما نغيّر صوتي /و/ ، /ل/ في كلمة (ولد) نحصل على:

الأبَد:  (اختلفت عن الولد بصوتي أ ، ب).

الأمد: (اختلفت عن الولد في صوتي ، و ، م).

الصمد: (اختلفت عن الولد بصوتي ص ، م).

وعندما نغير صوت /د/ نحصل على:

الولج: (اختلفت عن الولد بصوت ج).

الولب: (اختلفت عن الولد بصوت ب).

الولع: (اختلفت عن الولد بصوت ع).

الولق: (اختلفت عن الولد بصوت ق).

الوله: (اختلفت عن الولد بصوت هـ).

 (2) التركيب الصرفي: يتمثل في تركيب الصيغة الصرفية واختلافها عن الصيغ الصرفية الأخرى، ويتبع هذا الاختلاف اختلاف دلالتها، مثل:

فلفظ الولد هنا: اسم مفرد مذكر مرفوع، تختلف عن كلمات أخرى لأسباب صرفية. فهي تختلف عن:

الوَلدان، لأن هذه صيغة اسم مثنى مرفوع

الوِلْدان، لأن هذه صيغة: اسم مثنى مرفوع

الأولادِ، لأن هذه صيغة جمع تكسير مجرور

ولدَتْ، لأن هذه صيغة فعل ماض اتصل به ت التأنيث

ولَدْنَ، لأن هذه صيغة فعل ماض اتصل به ن النسوة

تَوَالد، لأن هذه صيغة فعل مزيدة تفيد حصول الشيء تدريجيا

الوالِد، لأن هذه صيغة اسم فاعل

المولود، لأن هذه صيغة اسم مفعول

وِلادة، لأنّ هذه صيغة مصدر

 

(3) التركيب النحوي: ويمكن النظر إلى دلالاته من حيث:[2]

* دلالات نحوية عامة، وهي المعاني العامة المستفادة من الجمل والأساليب، مثل دلالة الجملة على:

الخبر: محمد مسافر

النفي: لم يسافر محمد

التأكيد: إنّ محمدا لكريم

الاستفهام: متى تسافر

النهي: لا تودي بنفسك إلى التهلكة

الأمر: ذاكر دروسك

وغير ذلك من عرض وتمن وترج وإنذار ونداء وشرط.

* دلالات نحوية خاصة، كدلالة تركيب الجملة على معان نحوية مثل:

الفاعلية: نام الولد

المفعولية: نوّمتُ الولد

الحالية: رأيت الولد نائما

الابتداء: الولد نائم

التمييز: حسُن علي ولدا.

* معاني تراكيب النحو، فلكل تركيب معنى نظمي يختلف عن التراكيب الأخرى، وقد بيّن ارتباط المعاني بمعاني النحو (المعنى النظمي) عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز

(4) النظام المعجمي: وهو يتمثّل في مفردات المعجم وطبيعة نظام حقوله الدلالية. فنام الولد: يمكن تحليلها كالتالي:

نام: تختلف عن صحا، وعن استيقظ، وعن نهض،وعن جلس، وعن نعس.

الولد: يختلف عن الجد من ناحية الجيل، وعن الأب من ناحية الجيل، وعن الأم من حيث الجنس والجيل، وعن البنت من ناحية الجنس والجيل؛ ويختلف كذلك من حيث النوع عن صغار الأحياء الأخرى كالجحش والجرو والمهر والجدي.

(5) المصاحبة وتتمثل فيما يصاحب الكلمة من كلمات تؤثر في معناها وتحدده، فمثلا كلمة (يد) يختلف معناها في التعبيرات التالية لاختلاف المفردات المصاحبة لها:

له عليّ أيادٍ بيضاء "نِعم"

يدُ القوس "أعلاها"

يَدُ الرَّحَى: " العُود الذي يَقْبِض علـيه الطَّاحِنُ"

يد الباب "مقبضه"

يد الريح "سلطانها"

يدُ الدَّهْر: "مَدُّ زمانه."

هذه الكلمات اختلفت باختلاف الكلمات المصاحبة لها، أضف إلى هذه الأمثلة ما ذكره الزمخشري عن كلمة “أنف” اختلفت معانيها بسب المصاحبة:

أنف القوم "كبيرهم وسيدهم"

أنف الجبل "الجزء المتقدم من الجبل"

أنف النهار "أوله"

أنف الدهر "أوله"

أنف الخيل "مقدمتها"

(6) الأسلوب، ويتمثل في الأسلوب البلاغي الذي أُلف فيه الخطاب:

عمرو لا يضع عصا الترحال. (كثير السفر)

زيد كثير الرماد. (كريم)

عمرو يقدم رجلا ويؤخر أخرى (متردد)

ضحك الشيب في رأسه فبكى (انتشر)

(أخرجكم من الظلمات إلى النور) (أخرجكم من الكفر إلى الإسلام)

 

(ب) سياق الموقف أو سياق الحال

يقول رشيد بلحبيب "ينبغي التأكيد في البداية على أن الوحدات الكلامية للغة الطبيعية ليست مجرد سلسلة أو خيوط من صنع الكلمات، فهناك مكون لا كلامي يُفرض دائما بالضرورة فوق المكون الكلامي في كل وحدة كلامية محكية." وينقل عن وينقل عن السعران قوله تعليل ذلك "لأن المعنى القاموسي أو المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء من معنى الكلام وذلك كشخصية المتكلم وشخصية المخاطب وما بينهما من علاقات وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به،" ومن أهم من تكلم عن هذا في الغرب مالينوفيسكي وفيرث:

تأكيد مالينو فيسكي على أهمية سياق الموقف: يقول:

"إن الاعتقاد بأن المعنى محصور في الكلام مفهوم خاطئ؛ لأن الكلام والسياق عنصران متلازمان يكمل بعضهم بعضا ولا انفصام بينهما."

معنى هذا أن اللغة ليست صورة للواقع وليست معادلا للواقع لأنه يستحيل أن يصف الشخص الواقع ويطابقه باللغة؛ لأن اللغة نظام رمزي مؤلف من علامات محدودة بزمن وظروف وأحوال مختلفة.

فمثلا السؤال في عبارة "أين محمد؟" يجاب  عليه بقولنا مثلا "… في المسجد" (جملة الجواب ناقصة من الناحية اللغوية؛ لأن المبتدأ غير موجود، ولكن بالرغم من هذا النقص الكلام مفهوم؛ لأننا نستدل على المبتدأ عن طريق السياق، فالسياق الحالي للكلام يكمل ما في الكلام من نقص في البيان والمعنى.

عناصر سياق الموقف:

1- الكلام الفعلي: أي الذي دار خلال الموقف.

2- طبيعة المتحدثين (يعني من هؤلاء المتحدثون الذين دار بينهم الحديث ومعرفة كل واحد منهم؛ هل هو مسئول يحدث أحد موظفيه، أم أب يكلم ابنه)

3- طبيعة الأشياء المتحدث عنها (يعني الكلام يدور عن ماذا؟ مثل:

الورقة هل أحضرتها ؟ فيقول: الوقت غير مناسب. ويتغير المفهوم في ذهنك ولو عرفت المتكلمين وطبيعتهم وطبيعة الشيء لفهمت الكلام.

4- الأفعال المصاحبة للكلام: يجب أن ترى الشخص ، أو يوصف لك، كيف كان يتكلم؛ هل كان يبدو على ملامحه الغضب أو المزاح أو الرضى أو الضجر. لابد أن ترى الأفعال والمظاهر المصاحبة للكلام على وجه المتكلم.

5 – زمن الكلام: يجب تحديده في كثير من الخطابات كالمسرحيات والقصص وغيرها مثل:

عند الفجر، في العصر، عند العشاء، أي وقت كان وقت الكلام، فمثلا قولنا:

السؤال: هل حان وقت الصلاة ؟

الجواب: لا.

لا نعرف الزمن وأي صلاة يتحدث عنها.

(ج) السياق الثقافي الاجتماعي

وهو المجال أو الإطار الاجتماعي أو الثقافي الذي ينتمي إليه الكلام.

اختلاف المعاني باختلاف المجال والسياق الثقافي:

جذر: لها معنى معينا عند علماء النبات

جذر: لها معنى معينا عند علماء الرياضيات

جذر: لها معنى معينا عند علماء اللغة

جذر: لها معنى معينا عند علماء الصرف

وكذلك اختلفت معاني زراعة تبعاً لاختلاف المجال الذي استعملت فيه:

زراعة النبات

زراعة البكتيريا

زراعة الأعضاء

زراعة الأسماك

ولكي نحدد معنى الكلمة يجب: أن نحدد المجال الذي تنتمي إليه، قارن معاني (عملية) ومعاني (قراءة):

عملية: تختلف معانيها باختلاف المجالات التي وردت فيها:

عملية تجاريه

عملية عسكريه

عملية طبية

عملية صناعية

قراءة: تختلف معانيها باختلاف المجالات التي وردت فيها:

قراءة حفص.

 تعليم القراءة والكتابة للأميين.

 قام الناقد التشكيلي بقراءة لوحة بيكاسو (تحليل ونقد)

قراءة الواقع (تحليل)

قراءة التاريخ المعاصر (تدبر)

 

 

 

[1] انظر محمد فريد وجدي، علم الدلالة، 29- 50.، 156.

[2] انظر تمام حسان، العربية معناه ومبناها

قضية الترادف (النظرية والتطبيق)

 

 

قضية الترادف

النظرية والتطبيق

أ.عبدالرحمن بن حسن المحسني

تقديم :

حينما كنت أبحث عن الفروق اللغوية بين كلمات الهم ، والغم ، والحزن في كتب الفروق اللغوية ، تذكرت قضية قديمة حديثة وربما أذكرنيها قراءتي عن الكلمات الثلاث السابقة .

وتلكم  القضية هي قضية الترادف في اللغة وهي من الحيوية والحداثة بمكان ، في ظل توسع اللغة الدائم ، الذي يجعل المهتم بأمر اللغة وتطور دلالتها ، على مفترق طريقين ممتدين منذ عصور سلفت .

  وأحاول من خلال هذا البحث أن أطل على رأيين من آراء علمائنا الأجلاء حول الترادف وحقيقته محاولاً أن أصل بالقارئ إلى رأي أحسبه راجحاً .

  والبحث حول الترادف مشكل ، وقد وجدت القضية أوسع مما كنت أقرر لها ، فهي مبسوطة في كتب أرباب اللغة ، الذين أولوا هذا المحور جل اهتمامهم ، وصدروا بها أوائل كتبهم ، وجذورها تمتد إلى أغوار الزمن الأول الذي نشأت فيه هذه اللغة ؛ وهي بين قائل بالتوقيف أو الاصطلاح ـ وهو بحث ظني على كل حال ـ .

   أعود لأقول إن قضية الترادف ؛ وجوده أو عدمه قد شغلـت كثيراً من اللغويين ، وأفرد لها الإمام السيوطي في كتابه المزهر صفحات ذات عدد ، كما أولاها الكثير من اللغويين اهتمامهم ذلك أنها تتصل بأصل لغتنا .

وفي معجمنا اللغوي الكبير كثير من المترادفات ؛ ترى هل هي مترادفات ومسميات لمعنىً واحد ، اقتضاها تنوع القبائل والأمصار وظروف أخرى ؟! أو أنه لا يوجد في الحق ترادف أصلا وأن العسل هو الاسم ، وتسعة وسبعين اسما أخرى أحصاها الفيروزآبادي ما هي إلا أوصاف لها دلالات تختلف كل دلالة عن الأخرى.

  هذا ما يحاول هذا البحث الكشف عنه ..

 

أولاً : الترادف في كتب اللغة :

 بادئ ذي بدء أقول إن جذر هذه القضية يعود إلى أصل نشأة اللغة ، ومعلوم أن علماء اللغة على اختلاف واسع ومبسوط في كتب اللغة ، ويكاد الرأي الأخير يتشعب إلى رأيين أحدهما يرى التوقيف في أصل نشأة اللغة ، وأن الله علّم آدم الأسماء كلها ، ورأي آخر يرى أن اللغة قائمة في أصلها على الاصطلاح والتواضع .. وتبعاً لهذين الرأيين انقسم علماء اللغة إلى قسمين في قضية الترادف :

أ ـ إنكار الترادف :

يقول أصحابه: بأن الشارع حكيم ، ومن العبث أن يأتي الترادف إلا ولكل كلمة دلالة، فإذا سلمنا بتلك الدلالات المتعددة فلا ترادف بل إن أبا هلال العسكري قد أنكر حتى المشترك اللفظي ، وأن يكون فعل ، وأفعل بمعنى واحد ، بل إن أصحاب هذا الرأي ومنهم أبو هلال العسكري يقولون بعدم تعاقب حروف الجر ، وعللوا ذلك بأنه يوقع في الإشكال واللبس على المخاطب ، وليس من الحكمة ، وضع الأدلة المشكلة .. وقال المحققون، لا يجوز أن تختلف الحركتان في الكلمتين ومعناهما واحد ، ثم يقول : وإذا كان اختلاف الحركات يوجب اختلاف المعاني ، فاختلاف المعاني أنفسها أولى أن يكون كذلك ، ولهذا المعنى قال المحققون من أهل العربية : إن حروف الجر لا تتعاقب )) (1) .

ويقول ابن درستويه (2) : في جواز تعاقب حروف الجر إبطال لحقيقة اللغة ، وإفساد الحكمة فيها ، والقول بخلاف ما يوجبه العقل والقياس ، ويسحب أبو هلال العسكري المبرّد إلى القائلين بإنكار الترادف وينقل عنه قوله : (( .. قولنا اللب ، وإن كان هو العقل فإنه يفيد خلاف ما يفيده العقل ، وكذلك المؤمن ، ومستحق الثواب، لكل منهما معنى زائدة )) (3) .

ويفرق المبرّد بين قولي أبصرته ، وبصرت به على اجتماعهما في فائدة شبه متساوية إلاّ أن أبصرت به معناه أنك صرت به بصيرا بموضعه ، وفعلت أي انتقلت إلى هذه الحال ، وأما أبصرته فقد يجوز أن يكون مرة وأن يكون لأكثر من ذلك ، وكذلك أدخلته ودخلت به ، فإذا قلت أدخلته جاز أن تدخله وأنت معه ، وجاز ألا تكون معه ، ودخلت به إخبار بأن الدخول لك وهو معك ، وبسببك )) (4) .

وممن أنكر الترادف ابن فارس ت 395هـ وقد بسط رأيه (5) الذي لا يبعد في استدلاله عن آراء ابن درستويه ومعاصره أبي هلال العسكري ، وهو رأي لابن الأنباري ـ صاحب الأضداد يقول ابن الأنباري [ يذهب ابن الأعرابي إلى أن مكة سميت بذلك لجذب الناس إليها ] ثم يقول بعد كلام طويل عن علة بعض التسميات لبعض البلدان ـ فإن قال رجل : لأي علة سمى الرجل رجلا ، والمرأة امرأة قلنا : لعلة علمتها العرب ، وجهلناها ، فلم تزل عن العرب حكمة العلم بما لحقنا من غموض العلة وصعوبة الاستخراج علينا ..)) (6) .

ويعلل قطرب تكرار العرب للفظتين على المعنى الواحد بعلة أن ذلك يدل على اتساعهم في كلامهم كما زاحفـوا في أجزاء الشعر ، ليدلوا على أن الكلام واسع عندهم .. )) (7) .

وباستعراض الآراء السابقة نجد أن أصحابها ينكرون وجود الترادف ، ويمكن أن نستنبط عللهم ونجملها في النقاط التالية :

أولاً :   إن الشارع حكيم ، وإذا سلمنا بالترادف ، وقعنا في عبثية لفظية ، ينـزه الشارع عنها ، ورأيهم هذا ينطلق من قولهم بتوقيفية اللغة كما أسلفنا .

ثانياً :   إن لكل كلمة دلالة تدور في محيطها ، وما لم نعلم علته ، فهو معلوم في العربية ، وإن جهلناه .

ثالثاً :   إذا قلنا بإنكار الترادف ، فهذا يدفعنا إلى بحث العلل وفي هذا ما يدل على سعة الكلام عند العرب.

 

ب ـ إثبات الترادف :

  أما الرأي الآخر ، فيثبت الترادف ، ويرى أن هناك كلمات مترادفة ، تؤدي معنىً واحداً تاماً ، لم تأت في العربية عبثاً ، وإنما جاءت لأغراض ومقاصد ، ويستدلون على صواب رأيهم بأدلة عقلية  وخرجوا الآية الكريمة مخارج تدعم أو تسالم رأيهم ، وحديثهم في إثبات الترادف قائم من منطلق أن اللغة اصطلاحية حتى صرح بذلك السيوطي في المزهر بقوله (8) : (( وهذا مبني على كون اللغات اصطلاحية )) ولعل من أبرز القائلين به الآمدي صاحب الإحكام في أصول الأحكام إذ نص على ذلك ، واتهم أصحاب الرأي السابق وسرد أدلة عقلية على وقوعه (( ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة ، وجوابه أن يقال : لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي ، فإنه لا يمتنع أن يقع أحد اللفظين على مسمى واحد ثم يتفق الكل عليه ، وأن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمىً ، وتضع الأخرى له اسماً آخر ، من غير شعور كل قبيلة بوضع الأخرى ثم يشيع الوضعان بعد ذلك . ثم يُدلل الآمدي على إمكانيـة  وقوع ذلك بقوله : (( ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة ما نقل عن العرب من قولهم : الصهلـب ، والشوذب من أسماء الطويـل ، والبهتر ، والبحتر من أسماء القصير )) (9) .

ويؤيد هذا الرأي القائل بالترادف مجموعة من علماء اللغة لعل من أبرزهم ابن خالويه ، وهو الذي أثبت للسيف أسماءً كثيرة مترادفة (10) ومنهم أبو بكر الزبيدي والرماني ، وابن جني ، وقد أفرد له باباً في خصائصه ومنهم الباقلاني ، وابن سيده والفيروز آبادي الذي ذكرت سالفاً أنه أثبت للعسل ثمانين اسماً (11) .

والسيوطي ممن يثبتون وجود الترادف في اللغة ، ويعلل ذلك ، ذاكراً فوائد الترادف : وأبرز علله ما يأتي (12) :

أولاً :   أن تكثر الوسائل ، والطرق ، إلى الإخبار عما في النفس ، فربما نسى أحد اللفظين ، أو عام عليه النطق به ، وقد كان بعض الأذكياء ـ ويقصد به واصل ابن عطاء (13) ألثغ ، فلم يحفظ عنه أنه نطق بحرف الراء ، ولولا المترادفات تعينه على قصده لما قدر على ذلك .

ثانياً :   التوسع في سلوك طرق الفصاحة ، لأن اللفظ الواحد قد يتأتى باستعماله مع لفظ آخر السجع ، والقافية والتجنيس .

ثالثاً :   ذهب بعض الناس إلى أن الترادف على خلاف الأصل ، والأصل هو التباين ، وبه كما يقول الإمام السيوطي ـ جزم البيضاوي في منهاجه .

رابعاً :   قد يكون أحد المترادفين أجلى في تعبيره من الآخر ، وقد ينعكس الحال بالنسبة لقوم آخرين .

خامساً: أورد السيوطي تقسيماً لعالم اسمه " ألكيا " وهو اسم غريب وتقسيم كما يقول السيوطي غريب ؛ يقول : تنقسم الألفاظ إلى متوارد كما تسمى الخمر عقارا ، وصهباء ، وقهوة ، والمترادفة مثل صلح الفاسد ، ولم الشعث .

سادساً: أثبت السيوطي المترادف بنماج لمن استقصوا أو حاولوا استقصاء أسماء العسل ، والسيف ، وكأنه بذكره لهذه الأسماء ، يرى أن القائلين بإنكار الترادف يتمحلون في وضع العلل .

 

ثانياً : التطبيق :

حينما ننظر لكلمات مثل (الهمم ، والغم ، والحزن) ، نجد أن جذر المعنى الذي تجتمع عليه الكلمات الثلاث هو ما يعتري النفس من كدر ، وعدم رضى ، مع تفاوت وتمايز في دلالة كل كلمة منها .

وأبدأ بكلمة الحزن التي تتخذ في معاجم اللغة دلالات ، ويفسره صاحب المعجم الوسيط بمرادفه وهو اُغتم (14) ، وابن فارس في مقياسه اللغوي (15) تجاوز تعريفه للحزن وقال هو معروف ؛ يُقال أحزنني الشيء يحزنني ، وحزانتك أهلك ومن تحزن عليهم ، ووجدت الشريف الجرجاني (16) يعرف الحزن ، ويربطه بالماضي : (( عبارة عما يحصل لوقوع مكروه ، أو فوات محبوب في الماضي .. )) .

والواقع أننا حينما نبحث عن مترادفات الحزن نجدها متعددة ، وكلمات عدة تؤدي المعنى الذي ذكرته آنفاً فعند علماء اللغة تقول: (( غمني ، أحزنني وشجاني ، وشجنني ، وأشجنني ، وعزّ عليّ ، وشق عليّ ، وعظم عليّ ، واشتد عليّ )) ويُقال : (( ورد فلان خبر ، فحزن له واغتم ، وأسـى ، وشجى ، وشجن ، وترح ، ووجد ونكد ، وكئب ، واكتأب ، واستاء ، وابتأس ، وجزع وأسف ، لهف ، والتهف ، والتاع ، والتعــج ، وارتمض … )) (17) . وهي كلمات كما ترى تحمل كل واحدة منها دلالة ، لا يمكن في تصوري أن تلتقي كلمتين منها التقاءً تاماً فلكل واحدة منها ظلالاً معينة وبما أننا قد اخترنا ، الثلاث كلمات السابقة ، فلنتابع الحديث عنها .

فالغم كما يقول ابن فارس (( الغين والميم أصل واحد صحيح يدل على تغطية ، وإطباق ، ويُقال : غمه الأمر يغمه غماً . وهو شيء يغشى القلب .. )) (18) وفي الوسيط يدور حول التغطية .. (19) وهي دلالة كما فهمت أعمق إذ أن الهم يتغشى الفؤاد ، ويضيق الخناق على المغموم ، وكأنه قد غطاه تماماً فلا يستطيع أن يتنفس ، وبخلاف الحزن ، فهو مرحلة متقدمة ماضية ، قد انجلى الضيق ولم يبق منه إلا بقايا من الحزن . ((وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)) .

وبرغم أن ابن فارس ممن يقولون بإنكار الترادف ، فهو يفسر لنا الكلمة بمرادفها فهو يعرف الهم بأنه الحزن ويقول (( الهاء والميم أصل صحيح يدل على ذوب وجريان وما أشبه ذلك  ومنه قول العرب : همني الشيء ، أذابني والهم الذي هو الحزن عندنا من هذا القياس ، لأنه كأنه لثلاثة يهم ، أي يذيب )) (20) .

ومن تتبع دلالات الكلمات الثلاث تستطيع أن نخرج بفائدة تنوع دلالاتها ، ولعل وضوحها هو الذي دفع بابن فارس إلى تجاوز توضيح الفروق بينها ، وهو الذي جعل لغوياً مثل الثعالبي وأبي هلال العسكري لا يوضحون الفرق بينها (21) وربما كان الأمر على خلاف ما فهمت ، والذي يتراءى لي ـ وهو رأي شخصي قابل للنقض ـ أن الترادف غير ممكن في العربية ، وأن القول بوجوده يتعارض مع عظمة العربية ، واتساع قاموسها ، ولو سلمنا للقائلين بالترادف لسفهنا بطريقة أو بأخرى علماء اللغة ، الذين جمعوا اللغة من مضانها، ومن أفواه العرب ووقعنا في عبثية لفظية ، تنـزه اللغة العربية عنها ، وأمرٌ آخر يدعم القول بإنكار الترادف، وهــو النماذج التي أوردت في ثنايا البحث ، فإن في كل كلمة ذكرت آنفاً دلالة ، وإيحاء ، حتى على افتراض توحد منطلقها المعنوي .

وبعد .. فلا أزعم أنني ألممت بأطراف البحث في هذه القضية ، التي شغلت الباحثين في مجال اللغة حتى من علماء اليونان ، وعلماء اللغة السنسكريتية القديمة ، وحسبي أني أطللت بالقارئ الكريم على أبعاد هذه القضية ، التي تتخذ أهميتها من ارتباطها بقاموسنا اللغوي الكبير الذي نعتز به .. والحمد لله أولاً وآخراً .

 

(*) نشر هذا البحث بمجلة بيادر بموقع نادي أبها:

 http://www.adabiabha.com/biader/4.htm

(1)     الفروق اللغوية / أبو هلال العسكري / ص12 ، 13 ، ط مكتبة القدس 1353هـ ، القاهرة .

(2)     المرجع السابق ص13 .

(3)     المرجع السابق ص14 .

(4)     المرجع نفسه .

(5)     الصاحبي في فقه الله / أحمد بن فارس ص 65 طبعة القاهرة /1328هـ .

(6)     المزهر / السيوطي جـ1 ص400 .

(7)     المرجع نفسه .

(8)     المرجع نفسه ، جـ1 ص 406 .

(9)     النص في المزهر ، 1/406 ، وكتاب الترادف للزيادي ، ط وزارة الثقافة 1980م .

(10)   المزهر ، 1/406 .. " بسط لأسماء السيف " .

(11)   الترادف ، حاكم الزيادي ، ص220 .

(12)   المزهر ، 1/406 .

(13)   تجد قصته في البيان والتبيين ، جـ1 ، ص10 ، ط دار الكتب العلمية ، لبنان ، بدون تاريخ .

(14)   المعجم الوسيط ، مجمع اللغة بالقاهرة ، جـ1 ص177 ، ط3 ، دار عمران .

(15)   مقاييس اللغة ، ابن فارس، تح عبدالسلام هارون، جـ1 ص54 ، ط1 1366 القاهرة .

(16)   التعريفات ، علي محمد الجرجاني ، مخطوط ، ص59 ، بدون تاريخ ولم أجد مكان الطبع .

(17)   انظر نجعـة الرائد في المترادف والوارد ، إبراهيم اليازجي ، ط لبنان ط2 ، 1970 ، جـ1 ، ص199 .

(18)   مقاييس اللغة ، 4/376 .

(19)   المعجم الوسيط : 2/685 .

(20)   مقاييس اللغة : جـ6 /13 .

(21)   لم أجد في فقه اللغة للثعالبي ، وفي الفروق لأبي هلال إشارة إلى الفرق بينها

تعريف الكلمة

 

الكلمة

تعريفات الكلمة

عند الغربيين

أرسطو: أصغر وحدة في اللغة لها معنى. هذا التعريف لم يعد مقبولا في وقتنا الحاضر؛ لأنه تعريف المورفيم.

بلومفيلد Bloomfield: أصغر صيغة حرة في الكلام. أي مجموعة المورفيمات التي يمكن نقلها من مكان إلى آخر في الجملة: (انتصر المجاهدون في العراق).

پالمر Palmer: أصغر وحدة في الكلام قادرة على تأدية معنى تعبير، نحو "النار" أي "النار تشتعل في البيت". هذا المفهوم لا يمكن تطبيقه على كل كلمات اللغة؛ لأنه يفترض استدعاء عبارات معهودة. (Mario Pei, Dictionary)

عند العرب

الزمخشري: اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع.

ابن يعيش: فرق بين:

الكلمة من حيث النطق: الرجل كلمة واحدة.

الكلمة من حيث الواقع (النحوي): الرجل كلمتان: الـ + رجل

الزمخشري: قول مفرد مستقل أو منوي منه، وعليه فحروف المضارعة وتاء التأنيث ليست كلمات، بينما الضمير المستتر (أنت) في (قم) يعتبر كلمة. (حلمي خليل، الكلمة، 22)

 

استقلال الكلمة

لخص أولمان اوجه الخلاف حول استقلال الكلمة:

الكلمة من الناحية الصوتية: هناك رأيان:

(أ) غير مستقلة: (1) اختلاط الكلمة بما قبلها وما بعدها في الكلام المسموع.

 (2) صور الاسبيكتروغراف توضح هذا الاختلاط ، مثال ذلك عبارة "الأولاد يسبحون في البحر" التي لا نجد أجزاءها منفصلة تماما عن بعضها.

 

 

 

(ب) مستقلة: قواعد اللغة النحوية والصرفية تتعامل مع الكلمة على أنها وحدة مستقلة، فهناك:

● قواعد صوتية تتعلق بأول الكلمة كمنع الابتداء بساكن.

● علامات الإعراب تقع في أوخر الكلمات.

● النبر يقع على مقاطع في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها.

● تتصل السوابق بأول الكلمة أو بآخرها.

أولمان يقول صحيح أن الكلمة قد لا تكون مستقلة في الكلام ولكنها مستقلة في النظام اللغوي الذي في أذهاننا.

 

الكلمة صرفيا ونحويا

الكلمات من الناحية الصرفية قد تكون:

مشتقات: كتب، كاتب، مكتوب، كتاب، مكتب، كِتْبة، وهذه كلمات مستقلة.

تصريفات: (كتبتُ، كتبتَ، كتبتم، كتبوا)، (كاتب، كاتبان / كاتبين، كُتاب، كاتبون، كتبة)، وهذه صور وأشكال للكلمات في الكلام، وهي ليست مستقلة.

 

الكلمات من الناحية النحوية لها طبيعة ثنائية فقد تكون:

كلمات ناقصة، نحو الـ التعريف، الضمائر، الأسماء الموصولة، أسماء الإشارة، أدوات الربط (و – فـ – لكن – بل) وحروف الجر (في – على – من ...) أدوات الاستفهام، والشرط وغيرها. وهذه ليست مستقلة.

كلمات تامة، وهي ما عدا هذه الأنواع التي ذكرت سابقا، وهذه بالطبع كلمات مستقلة من الناحية النحوية.

 

الكلمة من الناحية الدلالية:

رأي أصحاب النظريات السياقية: "الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم والسياق".

رأي أولمان: هناك طبيعتان دلاليتان للكلمات:

في الكلام: هي صحيح غير مستقلة دلاليا لأن جزءا من المعنى يستفاد من السياق.

في النظام اللغوي: الكلمات في المعجم الذي يحتفظ به كل فرد في ذاكرته هي وحدات لكل منها معنى مركزي ومعان جانبية وأخرى هامشية. انظر الشكل التالي الذي يمثل معاني كلمة (عين):

 

 

http://www.angelfire.com/tx4/lisan/lex_zam/dilalahessays/word.htm

اسباب التغير الدلالي

 

أسباب التغير الدلالي

 

سالم الخماش

 

 

التغييرات تحدث في اللغة دائما لأنها نظام للتواصل بين الناس مرتبطة بأحوالهم وظروفهم الاجتماعية والثقافية والعقلية، وهذه الأحوال والظروف لا تسير على وتيرة واحدة. ومتى توفرت الأسباب حدث التغيير حسب طرق وأصناف معينة. لذا يجب التفريق بين أسباب التغير الدلالي وطرق التغير الدلالي. فالأسباب هي الظروف المهيئة للتغير بينما الطرق هي الوسائل والخطوط التي يسلكها التغير. وقد ميز العلماء عددا من أسباب التغير الدلالي:[1]

 

(أ) الأسباب التاريخية: وهي أسباب ناتجة عن تغير المجتمع أو الأشياء أو تغير النظرة إليها، ويمكن تمييز عدد من الأسباب التاريخية:

(1) تغير الشيء وبقاء اللفظ: فالشيء قد يتغير شكله أو وظيفته ولكن اسمه يبقى فيظهر اختلاف بين الشيء الأول الذي وضع له الاسم والشيء في الوقت الحاضر، ومن أمثلة ذلك:

الخاتَم، فهو لفظ مأخوذ من الجذر (ختم) الذي يعنى "طبع" ومنه الخِتام وهو الطِّينُ الذي يُخْتَم به علـى الكتاب، وسميت الحلقة التي تُلبس في الإصبع خاتما لأنه يطبع بها على الكتاب، ثم اتخذت حلية وزينة ولم يعد لها علاقة بالختم.

الدبابة، الدَّبابةُ: آلةٌ تُتَّـخَذُ من جُلودٍ وخَشَبٍ، يدخـلُ فـيها الرجالُ، ويُقَرِّبُونها من الـحِصْنِ الـمُـحاصَر لـيَنْقُبُوه، وتَقِـيَهُم ما يُرْمَوْنَ به من فوقهم. وفي الوقت الحاضر تغير شكل هذه الآلة وتطورت وأصبحت تُصنع من الفولاذ وتسير على جنازير وزُوّدت بمختلف الأسلحة النارية، ولم تعد وظيفتها تقريب الجنود من الحصون وإنما نراها تشارك في المعارك البرية.

الزند، خشبتان يستقدح بهما، ثم تغير الزند وأصبح يؤخذ من حجر الصوان والمرو، ثم بعد ذلك أصبح آلة قادحة تستخدم الكيروسين أو الغاز في انتاج النار.

البندق، قوس توضع بها كرات صغيرة يرمى بها، والآن تطلق الكلمة على سلاح ناري طاقة الدفع فيه البارود.

(2) تغير موقفنا من الشيء: إذا كان المعنى هو ما نملكه من أفكار وتصورات عن المشار إليه، فمتى تغيرت هذه الأفكار والمواقف تبعها تغير المعنى، من ذلك مثلا:

الخمر: كانت في الجاهلية رمزا للكرم والضيافة يتفاخر الناس باقتنائها ودفع المال لشراء دنانها ، والشعراء يصفون آنيتها ولون شرابها ، ولما جاء الإسلام حرم تعاطيها وأصبحت أم الخبائث، ومن شربها لحقه العار ووصف بالفسق وأصبح من الفجّار.

الثأر: كان أمر الثأر كبيرا لا يهنأ صاحبه حتى يستوفيه، ولكن بعد نشوء الحكومات ووجود القضاء لفض الخلافات والنزاعات، أوكل أمر الجناة والقتلة إلى سلطات قضائية ومؤسسات مدنية تتكفل بالقصاص واستيفاء الحقوق.

الميسر: وهو القمار، كان حلالا في الجاهلية وبعد أن حرمه الإسلام تغير موقف الناس منه ومن ثمّ تغير معناه، وكذلك الربا والقمار والأنصاب والأزلام.

(3) تغير معرفتنا بالشيء: ما نملكه من معرفة عن الشيء يسهم في بلورة معناه في أذهاننا، ومتى تطورت هذه المعرفة تبعها تطور وتغير في معنى الشيء، ومن أمثلة ذلك:

الذَّرّة: كان القدماء يظنون أنها أصغر جزء للمادة، لذلك يطلق عليها اليونان لفظ atom أي الجزء الذي لا يتجزأ، ولكن علم الفيزياء الحديث كشف أن هناك أجزاء أصغر من الذرة هي الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات.

الشمس: كان القدماء يظنون أنها اعظم جرم مضيء في الكون، وبعضهم كان يعبدها ظانا أنها إله؛ لذا كان يسمونها الإلهة،  ولكن علم الفلك الحديث طور معرفتنا بالشمس وبيّن أنها نجم بجانب نجوم أخرى تفوقها عظما في كون واسع.

القمر: كان هناك من يعتقد أنه إله، وكان قوم سبأ يعبدونه ويسجدون له. وعلم الفلك الحديث يبيّن لنا أنه ما هو إلا كويكب صغير يدور حول الأرض وسطحه خال من الشجر والماء والحياة.

 

(ب) الأسباب الاجتماعية والثقافية: المجتمعات الإنساية دائما في حالة تطور وتغير بسبب الاحتكاك بشعوب أخرى عن طريق الغزو العسكري أو الثقافي، وكذلك بسبب ما يجد من ثقافات وأفكار وما ينتشر من أديان ومذاهب وفلسفات، وقد تعرضت مفردات العربية إلى تغييرات كثيرة وواسعة بسبب مجيء الإسلام بدين جديد وثقافة دينية ودنيوية تختلف عما عرفوه في الجاهلية، يقول ابن فارس:

مما جاء به الإسلام – ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. والعرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثُمَّ زادت الشريعة شرائطَ وأوصافاً بِهَا سُمِيَ المؤمن بالإطلاق مؤمناً. وكذلك الإسلام والمسلم، إنّما عَرَفت منه إسلامَ الشيء ثُمَّ جاء فِي الشَّرع من أوصافه مَا جاء. وكذلك كَانَتْ لا تعرف من الكُفر إِلاَّ الغِطاء والسِّتْر. فأما المنافق فاسمٌ جاء بِهِ الإسلام لقوم أَبْطنوا غير مَا أظهروه، وَكَانَ الأصل من نافقاء اليَرْبوع. وَلَمْ يعرفوا فِي الفِسْق إِلاَّ قولهم: "فَسَقَتِ الرُّطبة" إذَا خرجت من قِشرها، وجاء الشرع بأن الفِسق الأفحاش فِي الخروج عن طاعة الله جلّ ثناؤه. ومما جاء فِي الشرع الصلاة وأصله فِي لغتهم: الدُّعاء، وكذلك الصيام أصله عندهم الإمساكُ، ثم زادت الشريعة النِّية، وحَظَرَت الأكلَ والمُباشَرَة وغير ذَلِكَ، وكذلك الحَجُّ، لَمْ يكن عندهم فِيهِ غير القصد.[2]

(ج) الحاجة إلى التسمية: اللغة وسيلة للتواصل قائمة على استخدام علامات لاستحضار الأشياء والأفكار. ومتى جد شيء احتاج إلى علامة تفصح عنه وتشير إليه. واللغة بها شيء من المحافظة؛ لذا قلما نجد لفظا وضع وضعا من غير سابق، والأكثر أن نجد اللفظ مشتقا من جذر يدور حول معان تشارك الشيء المراد تسميته في معناه، أو نجده مستعارا من معنى آخر يشبهه في وجه من الوجوه ومن أمثلة تغير دلالات الألفاظ بسبب النقل من معنى إلى آخر:

اصطلاحات العلوم والفنون:

رفع، نصب، جر، جزْم، تنازُع، اشتغال (نحو)

معتل، صحيح، سالم (صرف)

بيت، عمود، خبْن، وتد، سبب (عروض)

نافذة، ملف، مجلد، فأرة (حاسوب)

أسماء بعض أعضاء البدن:

ضفدع: عظم في جوف الحافر من الفرس.

الذباب "إنسان العين."

العصفور: "أصل منبت الناصية" و"عظم ناتئ في الجبين."

الحِدأة: "طائر من الجوارح،" والحِدأة من الفرس والإنسان: "أصل الأذن"، وقيل: الحدأة من الفرس "سالفة عنقه."

أجزاء الآلاات: أجزاء القوس.

رِجل: الجزء الأسفل من القوس.

يد: الجزء الأعلى من القوس.

كبِد: وسط القوس.

ظُفر: طرف السية.

(د) كثرة استعمال الكلمة: هناك كلمات يكثر استخدامها في مجالات كثيرة مما يؤدي إلى تغير معناها عن طريق التخصيص، مثل:

جذر: أصل النبات تحت الأرض.

جذر: الحروف الأصول في الكلمة.

جذر: رقم رياضي.

ومثل:

زراعة (نبات)

زراعة (طب)

زراعة (مختبر وبكتيريا)

ومثل:

عملية (عسكرية)

عملية (طب)

عملية (حساب)

عملية (اقتصاد)

 

(هـ) أسباب عقلية: من أسباب التغير الدلالي وجود علاقة بين شيء وآخر مما يؤدي إلى نقل اللفظ من شيء إلى آخر وقد تكون تلك العلاقة المشابهة أو غيرها.

علاقة المشابهة: تؤدي إلى استعارة لفظ من شيء إلى آخر، ومن أمثلتها:

عين: عضو الإيصار> بئر، قرص الشمس، ثقب الباب، السيد، الذهب.

فم: الثغر، فتحة القربة، فتحة القارورة.

رجل: رِجل القوس: سِيَتُها السفْلى، ورِجْلا السَّهم: حَرْفاه، ورِجْلُ البحر: خليجه.

عنق: عُنُق الدهر أَي قديم الدهر، وعُنُق الصيف والشتاء: أَوّلهما، وعُنُق الجبل: ما أَشرف منه، والأَعْناق: الرؤساء، وعُنُقٌ من النار: قطعة تخرج منها.

علاقات غير المشابهة: وهي ما يطلق عليها علاقات المجاز المرسل، مثل:

الجزئية: عين > جاسوس؛ رقبة > مملوك.

الحاليّة: حمة العقرب: سمها > إبرتها (محل)

الآلية: لسان > لغة.

المجاورة: خرطوم (أنف) > فم؛ خشم > فم.

(و) أسباب نفسية: ومن مظاهرها:

التفاؤل والتطير: وهو استخدام اللفظ الجميل للمعنى القبيح:

سليم: لم يصبه سوء > ملدوغ.

يسرى: اليد التي يسهل العمل بها > اليد الشمال، العسرى.

حُباب: محبوب > حية تدعى الشيطان.

بصير: قوي البصَر > الأعشى، ولذا كُني الشاعر المعروف الأعشى بأبي بصير.

كريمة: مكرمة > العين العوراء.

العافية: الصحة والسلامة > النار.

الخوف من العين: قد يؤدي الخوف من الإصابة بالعين إلى تسمية الشيء الجميل باسم قبيح، مثل: شوهاء: القبيحة > المرأة الجميلة.

المبالغة: قد يشعر الإنسان في بعض الأحوال أن الألفاظ العادية لا تفي بالتعبير عن انفعالاته فيعمد إلى استعمال الألفاظ الدالة على الخوف والرعب للتعبير عن جمال الأشياء، من ذلك:

رائع: جميل، مشتق من الروع وهو الخوف.

هولة: المرأة الجميلة، أُخذت من الهوْل وهو الخوف. وفي اللهجة المصرية يستخدم لفظ هايل بمعنى ممتاز.

رهيب: مخيف، تستعمل الن بمعنى جميل، ممتاز.

فظيع: شنيع، ويستخدم في الحاضر أحيانا بمعنى ممتاز.

 

 

[1]  راجع فريد حيدر، علم الدلالة، 87-97

[2]  ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة (بتصرف).

أسس المعجم المختص اللسانية

 

أسس المعجم المختص اللسانية – د. إبراهيم بن مراد

 

 

 

 

المعجمية المختصة مبحث حديث يكوّن والمعجمية العامة علم المعجم، ويتفرع كل من المبحثين إلى مبحثين فرعيين، فإن المعجمية العامة تتفرع إلى معجمية عامة نظرية توافق ما يسمى في اللسانيات الحديثة "Lexicologie" ومعجمية عامة تطبيقية توافق ما يسمى "Lexicographie " وموضوع الأولى البحث في الوحدات المعجمية من حيث مكوناتها- كالانتماء المقولي والتأليف الصوتي والبنية الصرفية- وأصولها واشتقاقها ودلالاتها، وموضوع الثانية البحث في الوحدات المعجمية من حيث هي مداخل معجمية تجمع من مصادر ومستويات لغوية ما، ثم توضع في كتاب – هو المعجم المدون- بحسب منهج معين يتقيد به المؤلف المعجمي في ترتيب المداخل وتعريفها. وتتفرع المعجمية المختصة أيضا إلى معجمية مختصة نظرية توافق ما يسمى في اللسانيات الحديثة "Terminologie " وقد اشتهر هذا المبحث في العربية باسم المصطلحية أو علم المصطلح، ومعجمية مختصة تطبيقية توافق ما يسمى "Terminographie" وموضوع الأولى البحث في المصطلحات – وهي وحدات معجمية متخصصة- من حيث مكوناتها ومفاهيمها ومناهج توليدها، وموضوع الثانية البحث في المصطلحات من حيث مناهج تقييسها ومناهج تكنيزها، أي وضعها في مكانز مصطلحية، سواء بتأليف المعاجم العلمية والفنية المتخصصة أو بالتخزين في الحواسيب. وإذن فإن علم المعجم يقوم على معجمية عامة نظرية وتطبيقية ومعجمية مختصة نظرية وتطبيقية. ونريد في هذه المداخلة أن نبحث في أحد مكونات المعجمية المختصة التطبيقية، وهو المعجم العلمي والفني المختص.

 

 

 

 

 

 

وأهم الأركان التي يقوم عليها التأليف المعجمي عامة – سواء كان المعجم عاما أو كان مختصا – اثنان: الأول نصطلح عليه بالجمع، وهو تكوين المدونة المعجمية، والثاني نصطلح عليه بالوضع، وهو معالجة المداخل التي يشتمل عليها المعجم. وركن الجمع في المعجم يقوم على أسّين: أولهما نصطلح عليه بالمستويات اللغوية، والثاني نصطلح عليه بالمصادر.والمستويات اللغوية في المعجم العربي أربعة : أولها الفصيح، وهو القديم الذي دونته المعاجم اللغوية لانتمائه إلى العرب الفصحاء، وثانيها المولد، وهو العربي الذي وضعه المولدون في مختلف عصور العربية بعد القرن الأول الهجري خاصة؛ وثالث المستويات هو العامي، وهو العربي الذي ولده العامة، سواء بالوضع أو بتحريف الفصيح، ورابع المستويات هو الأعجمي، وهو المقترض من اللغات الأعجمية.

 

 

وبين المعجم العام والمعجم المختص في أس المستويات اللغوية بعض الفروق الأساسية في العصر الحديث، فإن المعجم العام يُبْنى على رصيد لغوي مستقر هو الذي دونته المعاجم القديمة في الغالب، فإن العربية الحديثة – بدوالها ومدلولاتها المستحدثة- مازالت ضعيفة المنزلة في معاجمنا اللغوية العامة؛ وأما المعجم المختص فمبني على رصيد مصطلحي متولد باستمرار لأنه يواكب ما يتولد في اللغة من مصطلحات دالة على الجديد من المفاهيم والأشياء. ولذلك كله فإن الغالب من المستويات اللغوية في المعجم العام هو الفصيح، يتلوه الأعجمي – وخاصة ما استعمله الفصحاء في القديم – ثم العامي والمولد؛ والغالب في المعجم المختص هو المولد، يتلوه الأعجمي أيضا، ثم الفصيح والعامي. لكن هذا النسق في منزلة المستويات اللغوية في المعجم المختص قد يتأثر بمواقف المؤلفين من المستويات اللغوية ذاتها، فإن منهم من قد يفضل الفصيح – وإن كان مهجورا غريبا- على الأعجمي، وأهم ممثل لهؤلاء مترجمو "معجم المصطلحات الطبية الكثير اللغات" المنقول عن الفرنسية عن معجم ((Dictionnaire polyglotte des termes médicaux)) للفرنسي ألكس كليرفيل، وقد صدر بدمشق في الجامعة السورية سنة 1956 بترجمة مرشد خاطر وأحمد حمدي الخياط ومحمد صلاح الدين الكواكبي، ومنهم من يفضل الأعجمي – وإن كان شديد الغرابة عن نظام العربية الصرفي – على الفصيح أو المولد القديمين، وأهم ممثل لهؤلاء واضعو المادة المصطلحية لمعاجم مجمع اللغة العربية بالقاهرة الصادرة في السنوات الأخيرة، مثل "معجم المصطلحات الطبية" الصادر سنة 1985م ونادرا ما نجد معجما معتدلا يأخذ من المستويات اللغوية ما تقتضي الضرورة العلمية أخذه وتدوينه من المصطلحات. فلا يفضل – في الغالب – مصطلحا منتميا إلى مستوى لغوي ما على مصطلح منتم إلى مستوى آخر إلا لقدرته على تأدية المفهوم الذي يريد. وأحق هؤلاء المعتدلين بالذكر هو الأمير مصطفى الشهابي رحمة الله، وخاصة في كتابه معجم الألفاظ الزراعية.

ولمظهري الإفراط والاعتدال في معاملة المستويات اللغوية في معاجمنا المختصة صلة بالأس الثاني من أسّيّ الجمع، وهو المصادر. فإن المعجم – مهما يكن صنفه- عاما أو مختصا – لابد أن ينطلق في جمع مادته المعجمية من مصادر، فأمّا معاجمنا اللغوية العامة فإن أمر المصادر فيها هين سهل لأن بعضها ينقل بعضا، والحديثة منها صور مهذبة مشذبة من معاجمنا القديمة، ومعاجمنا المتأخرة صور مهذبة من المعاجم الحديثة المتقدمة عليها. وأما معاجمنا المختصة فإن أمر المصادر فيها عسير، فهي – في معظمها- معاجم ثنائية اللغة أو متعددة اللغات قائمة على ترجمة مصطلحات علمية أو فنية من لغة مرجع، هي إما الإنجليزية وإما الفرنسية وإما اللغتان معا. وجل مترجمي تلك المصطلحات – وهم إذن واضعو المعاجم المشتملة عليها – لا يعرفون من المصادر العربية التي تهم المجال الذي يعنون به، قديما ولا حديثا. وليس غريبا – لذلك – أن تجد مئات من المصطلحات التي سبق وضعها لمقابلة مصطلحات أعجمية يعاد الاجتهاد في نقلها إلى العربية بسبب الجهل بما وضع لها من قبل من مقابلات. ولهذه المسألة صلة بقضية أعم هي القطيعة والتواصل بين القديم والحديث، بين التراث العلمي العربي ونتائج العلم الحديث.وللناس في هذا أهواء مختلفة ومذاهب متنوعة. ونحن إذا نظرنا في أعمال كبار المؤلفين في المعجمية المختصة في النصف الأول من هذا القرن مثل محمد شرف صاحب" معجم العلوم الطبية والطبيعية" (1926)، وأمين المعلوف صاحب "معجم الحيوان"(1932) ومصطفى الشهابي صاحب"معجم الألفاظ الزراعية "(1943 ثم 1956)- وجدنا معرفة معمقة بالتراث المعجمي العام والمعجمي المختص العربي. وقد كان لهؤلاء معرفة بالقديم وبالحديث تمكنهم من التمييز بين القديم الذي يستحق الإحياء ليعتمد والقديم الذي بلى فوجب إهماله.

ولا يمكن لمسألة الجمع في المعجم المختص الحديث أن تمثل – بما يتصل بها من مستويات لغوية ومصادر – إلا إذا وضعت للتراث العلمي العربي مدونته الشاملة التي تجمع شتات المصطلحات العلمية العربية القديمة في مختلف ضروب العلوم والمعارف التي أسهم العرب في التأليف فيها أو في ترجمة المؤلفات المؤلفة فيها. وهذه من المهام التي لابد من إنجازها، وقد أصبح الجرد والتكنيز المصطلحيان هينين بفضل تطور اللسانيات الحوسبية اليوم، وتطور الحواسيب نفسها في قدرتها على معالجة النصوص العربية، قديمها وحديثها.

فإذا انتقلنا بعد هذا إلى الركن الثاني من ركني التأليف المعجمي- وهو الوضع، أي معالجة المداخل المعجمية – وجدناه يقوم هو أيضا على أسّين: أولهما هو الترتيب، وثانيهما هو التعريف. وهذان الأسّان هما اللذان يحددان هوية المعجم الحقيقية.إذ لا يمكن للمعجم أن يشتمل على مداخل غير مرتبة بأي ضرب من الترتيب المنهجي الذي يشاء المؤلف، وغير معرفة بحسب ما تقتضيه الوحدات المعجمية من التعريف.وإذا خلا المعجم من هذين الأسين- وخاصة من التعريف- وجب أن يطلق عليه إسم آخر غير المعجم مثل" قائمة المصطلحات"(Nomenclature) أو "المسرد" (Glossaire) . وإذا طبقنا هذا الشرط وجدنا كل ما نسميه معاجم علمية عربية مختصة – منذ معجم محمد شرف – أي معجم العلوم الطبية والطبيعية، الصادر سنة 1926، إلى اليوم لا تصح تسميتها بالمعاجم ، لأنها – بما في ذلك ما أصدره مكتب تنسيق التعريب وما أصدرته المجامع اللغوية – خالية من التعريف، ونستثني منها معجما واحدا هو الموسوعة في علوم الطبيعة لإدوار غالب(1965). وليس الترتيب في هذه المعاجم في الحقيقة بأحسن حالا من التعريف.فإننا إذا استثنينا موسوعة ادوار غالب أيضا وجدنا معاجمنا المختصة معاجم ثنائية اللغة أو متعددة اللغات قد رتبت مداخلها بحسب تتابع المصطلحات الأعجمية التي أخذت أصولا في الترتيب وروعيت بذلك في تدوين مداخل المعجم الواحد حروف الألفباء الإنجليزية أو الألفباء الفرنسية. فقد عُدَّتْ اللغة الأعجمية فيها لغة مصدرا ذات قيمة مرجعية، ونزلت العربية فيها منزلة دنيا لأنها قد عدت قاصرة عن الاعتماد على نفسها والتعبير عن المستحدث من المفاهيم والأشياء.

وما ينقص المعجم العربي المختص الحديث إذن في ترتيب المداخل هو اعتماد حروف الهجاء العربية ليكون المعجم عربيا عربيا أو عربيا أعجميا، لكن الترتيب وحده غير كاف ليجعل منه معجما عربيا، لأن التعريف أهم خصيصة تمييزية بين معجم وآخر ، ولا يكون المعجم معجما كما ذكرنا إلا به.

والتعريف في المعجم عامة صنفان: الأول يسمى "التعريف اللغوي" وهو يستعمل في تعريف ألفاظ اللغة العامة أو في تعريف المفاهيم بألفاظ لغوية عامة. يقوم على تبيان خصوصية المدخل اللغوي من حيث بنيته – أو شكله – ودلالته، وهذا الصنف هو المعتمد في المعجم اللغوي العام. والصنف الثاني هو "التعريف الموسوعي"، وهو يستعمل في تعريف الأشياء والمفاهيم، أي في تعريف المصطلحات من حيث هي مرجعة إلى أشياء ومفاهيم تسمى مراجع (Référents)،وهذا الصنف يقوم على الإخبار عن خصائص المرجع المعرف من نواح عدة كالشكل والأبعاد والحجم والمقدار والوظيفة…إلخ.وهذا الصنف هو الأوفق للمعاجم المختصة. والحق أن معاجمنا العربية ذات اهتمام متفاوت بالتعريف فإن جلها قد اتخذ فيها التعريف بالمقابلة (Equivalence) منهجا عاما، أي بذكر المقابل العربي ومقابل آخر من لغة ثانية، مثل الفرنسية إذا كان المعجم مرتبا بحسب المداخل الإنجليزية – معرفا وحيدا للمدخل، وهذا هو الغالب في المعاجم الثنائية اللغة والمتعددة اللغات.على أن من هذه المعاجم أيضا ما قد يشتمل – إضافة إلى المقابل- على ملاحظة أو أكثر قليلا- تكون شديدة الاختصار والإيجاز يقصد بها عادة تقريب المفهوم من ذهن المستعمل.وهذه الملاحظات غالبا ما تفيد المترجمين ولا تفيد المتعلمين أو طالبي المعرفة من المستعملين عامة. وهذا النقص يثير تساؤلا مهما لاندري هل يثيره المصطلحيون إذا أرادوا وضع المعاجم المختصة: وهو لمن نؤلف معاجمنا المختصة؟ هل نضعها لمستعملين لهم ملامح وسمات معينة أم نضعها لمستعملين مجهولي الملامح والسمات؟ والمعجم المختص في هذا الباب شبيه بالمعجم العام.فإن أسس المعجم اللسانية في كليهما تتحدد تحديدا منهجيا بداية من مرحلة الجمع، وتلك الأسس كثيرا ما تتكيف بحسب وظيفة المعجم، وهي متأثرة بالجمهور الذي يوجه إليه من المستعملين.

والخلاصة أن المعجم المختص يخضع لما يخضع له المعجم العام من أركان التأليف، وينبغي أن ينطلق في تأليفه من تحديد المقتضيات العلمية والمنهجية الخاصة بثلاث مسائل: الأولى هي الوظيفة، فلا بد من تحديد ملامح المستعمل الذي نؤلف له المعجم، والثانية هي المادة التي نجمع فيه، ولا بد من أن يراعى فيها التوفيق بين القديم والحديث في الأخذ بالمستويات اللغوية وبالمصادر؛ والثالثة هي منهج الوضع، فيكون الترتيب بحسب تبويب المصطلحات العربية التي تجعل مداخل رئيسية؛ ويكون التعريف تعريفا تاما، منطقيا أو موسوعيا يقدم للمستعمل المعلومات الأساسية التي يحتاج إليها لمعرفة المفهوم أو الشيء المرجع الذي يرتبط بالمصطلح المعرف.

 

 

 

 

تسهيل الهمزة أو حذفها :

 

 

 

 

 

 

 

لعل ظاهرة تسهيل الهمزة أو حذفها من أكثر الظواهر الصوتية لفتاً لانتباه السامع والباحث في قراءة ورش عن نافع، وهي تخضع لقواعد فونولوجية صارمة ودقيقة حسب موقع الهمزة في الكلمة وما يسبقها وما يتبعها من صوائت. فالهمزة لا تخلو من أن تكون متحركة أو ساكنة، والمتحركة لا تخلو من أن تلاقي همزة أخرى أو لا تلاقيها.

 

 

فإن التقت الهمزتان فقد ذكر القراء أنهما تجيئان في كلمة وفي كلمتين، وتحقيقه أن ذلك كله من كلمتين إلا (أئمة) فكل ما كان من كلمة فإنه ينقسم قسمين: أن تكون الهمزة الأولى داخلة على ألف اللام، أو تكون داخلةً على غيرها. فأما الداخلة على ألف اللام فجملة ما في القرآن من ذلك ستة مواضع وهي: (قل آلذَكَرَيْنِ) في الموضعين في الأنعام(143،144) و(آلآن) في الموضعين في يونس(51،91) و(قل اَلله أذن لكم ) في يونس (59) و(اَلله خير) في النمل (37) فأجمع القراء على تحقيق همزة الاستفهام وتخفيف الثانية وصورة التخفيف فقد ذكر أصحاب سيبويه أنه بالبدل ألفا،(1) وحيث إن هذه الظاهرة يجمع عليها جمهور القراء فليس هذا موطن تحليل لها ولا تفسير.

 

 

 

 

التقاء الهمزتين المفتوحتين:

 

 

1- أولاهما للاستفهام

الهمزتان المفتوحتان في جميع القرآن ثمانية وعشرون موضعا، تسعة منها لم يمض القراء فيها على أصولهم، وباقيها مضوا فيها على أصولهم، وهي تسعة عشر موضعا، أولها في البقرة(6،140) (ءآنذرتهم) (ءآنتم أعلم) وفي آل عمران(20،81) (ءآسلمتم) (ءآقررتم) ( وفي المائدة (116) (ءآنت قلت) وفي هود(72) (ءآلد وأنا عجوز).

… فورش يبدلها ألفا، هكذا رواية المصريين عنه، والقياس بين بين… وابن كثير يجعلها بين بين، ولا يدخل بينهما ألفا.وقالون وهشام وأبو عمرو كذلك، إلا أنهم يدخلون بينهما ألفا. وقد حكى أبو الطيب عن ورش مثل ذلك، وليس بمعروف.(2)

وهذه منطقة اختلاف وهي كما قال صاحب الإقناع" وليس بمعروف" أصلها، فقد اختلف القراء فيما إذا كان يبدل من الهمزة ألفا أو يميل بين بين.(3)

"وقال خلف عن سعدان عن إسحاق، عن نافع: إن استفهامه كان كلمة بالمد. وروى ورش عن نافع أنه كان لا يدخل بين الهمزتين ألفا في الاستفهام".(4)

وعلى أية حال سواء قرأ ورش بين بين، أو أدخل ألفا بين الهمزتين فالأصل واحد وهو تحول الهمزة إلى فتحة، ومن ثم جاء التطور في مرحلة لاحقة فمدت عند بعض من أخذ عن ورش بين بين عند آخرين، ومن هنا ظهرت هذه الاختلافات فيمن أخذ عن ورش، والرأي أن الأصل واحد، فالمصريون يبدلونها ألفا، وهذه مستويات صوتية مرحلية تسلم إحداهن إلى أختها. ويستشف هذا من قول صاحب الإقناع، (ءآلهتنا) في الزخرف(58)..

 

 

 

 

 

 

 

http://montadayatmatidja.a7larab.net/t2104-topic

المشترك اللفظيّ في الدراسات العربية المعاصرة

 

 

ما المشترك؟ هذا سؤال على قدر سذاجته الظاهرة فإنّه يقيّد المجيب عنه بشروط تجعل الحدّ دليلا على الإجراء والمفهومَ محيطا بالتطبيق. ولعلّ تعريف المشترك في بعض المعاجم المختصّة يكون مدخلا بسيطا للاقتراب منه، فقد جاء في تعريفات الجرجانيّ أنّ "المشترك [هو] ما وضع لمعنى كثير بوضع كثير كالعين لاشتراكه بين المعاني ومعنى الكثرة ما يقابل القلّة فيدخل فيه المشترك بين المعنيين فقط كالقرء والشفق فيكون مشتركا بالنسبة إلى الجميع ومجملا بالنسبة إلى كلّ واحد فيكون مشتركا بالنسبة إلى الجميع ومجملا بالنسبة إلى كل واحد والاشتراك بين الشيئين إن كان بالنوع يسمّى مماثلة كاشتراك زيد وعمرو في الإنسانية وإن كان بالجنس يسمّى مجانسة كاشتراك إنسان وفرس في الحيوانية وإن كان بالعرَض إن كان في الكمّ يسمّى مادّة كاشتراك ذراع من خشب وذراع من ثوب في الطول وغن كان في الكيف يسمّى مشابهة كاشتراك الإنسان والحجر في السواد وإن كان بالمضاف يسمّى مناسبة كاشتراك زيد وعمرو في بنوّة بكر وإن كان بالشكل يسمّى مشاكلة كاشتراك الأرض والهواء في الكريّة وإن كان بالوضع المخصوص ويسمّى موازنة وهو ألاّ يختلف البعد بينهما كسطح كلّ فلَك وإن كان بالأطراف يسمّى مطابقة كاشتراك الإجّانتين في الأطراف"(1) (الإجّانة: الخشبة التي يدقّ بها القصّار).
فهذا التعريف الموسّع للمشترك يحتاج من الباحث في علم الدلالة وقفة تأمّل:
إذ الجاري في العرف أنّ المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن المشترك هو ما يؤدّيه التمثيل بلفظة العين والقرء، فاللفظ واحد والمعاني كثيرة، وهذا الحدّ هو الذي جعل الاشتراك مقابلا ضدّيّا للترادف، يقول الجرجاني: "المترادف هو ما كان معناه واحدا وأسماؤه كثيرة وهو ضدّ المشترك"(2). أمّا التشقيقات التي جاء بها حدّ المشترك عند السيد الجرجاني وتواترت في الموسوعات الكبرى نحو "كشّاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي، فقد تفيد من زاوية النظر الدلالية المنطقية أمّا من منظورنا اللساني الدلاليّ فلا نعتمدها إلاّ من باب الاستئناس.
فإذا تقرّر أنّ المشترك نقيض الترادف، تبيّن لنا أهمّية ما عوّل عليه بعض الباحثين المعاصرين من ربط اللفظة القائمة على المشترك بـ"فضاء دلاليّ" بحيث يكون معنى الوحدة القائمة على المشترك حصيلة تفاعل دلالي مع الملفوظات الواردة معها في السياق ذاته(3).
لئن تعرّضت كثير من الكتب لقضية المشترك اللفظيّ في العربية قديما وحديثا فإنّها مع ذلك لم تضع في اهتماماتها طرح الأسئلة الأساسية – في نظرنا – من ذلك: كيف ترتبط الوحدات المعجمية المندرجة ضمن المشترك اللفظي فيما بينها؟ وما هو القانون الضابط لانتظامها؟ ولماذا يختلف عدد "الكلمات" القائمة على المشترك من وحدة إلى أخرى؟ وما الذي يميّز المشترك اللفظي عن ظواهر قد تلتبس بها نحو الجناس التامّّ والتورية والاقتراض المعجميّ والاستعارة والمجاز؟ وهل نكتفي بتصنيف هذه الظواهر بحسب انتمائها إلى اختصاصات معرفية مختلفة، فنقول أمّا الجناس والتورية والاستعارة والمجاز المرسل، فمن البلاغة وأمّا المشترك اللفظيّ والاقتراض المعجميّ فمِن المعجم (علم "متن اللغة"). فهذه الإجابة لا تشفي غليل المجتهد في فهم المسائل وإن اكتفى بها المقتصِد بُلْغَةً.
غير أنّ الأسئلة السابقة تفتح على الباحث باب أخذ نماذج من الإجابات لا نعثر عليها في المصنفات التراثية أو المُحدثة باللسان العربي – إلا أشتاتا يسيرة أو حدوسا متفرّقة – بل يقتبسها المقتبس من مظانّها في الكتب اللسانية الغربية التي اعتنت بالمشترك اللفظي عناية واضحة(4) بل لعلّ الباحث يجد مشقّة في تبيّن الكثرة الكاثرة من النظريات التي تقدّم مقترحات لفحص هذه الظاهرة، فضلا عن العمليات الإجرائية التي تطبّق ما تجيء به النظرية، على اللّغات الحيّة.
أمّا مناط المشقّة، فلا يقتصر على الناحية الكمّيّة بل يتعلّق أيضا بالناحية الكيفية: فلعلّ الباحث لا يقف على المنوال الأحسن من حيث الكفاية التفسيرية لمعالجة المشترك اللفظي في اللغة العربية. إذ لا نرى أنّ معاناة التطبيق – رغم أهميتها – تكفي لتعليل وجاهة نظرية أو منوال دون غيره.
وثمّة صعوبة أخرى تخصّ مقاربة المشترك اللفظي: هل يحسن أن يعدّه الباحث مسألة معجمية صرفة أم يحتاج إلى أن يأخذ بعين الاعتبار امتداداته التركيبية – السياقية؟ أي بعبارة أخرى: هل تدرس الوحدة اللغوية القائمة على المشترك معزولة عن الجملة والنص أم تتناول بالدرس في سياقيها التركيبي والخِطابي؟
نحاول الوقوف على مفهوم المشترك اللفظي في التراث النحويّ وبيان أسس تعامل النحاة واللغويين القدامى معه. كما نحاول تبيّن إمكانيات تجديد النظر في هذه الظاهرة عبر الاستفادة من المقاربات اللسانية المعاصرة من خلال تلمّس مسالك حديثة لتطوير فهم الظاهرة وذلك بربطها بنظريات لسانية معاصرة رصدت للمشترك اللفظي حيّزا من الأهمّية وقدرا من الاهتمام.
فمحاولتنا تنهض من وجه أول على وصف حصيلة المنظور التراثي للمشترك اللفظيّ ويقوم على توجيه النظر إلى إمكانيات تحسين معالجة هذه الظاهرة على ضوء مقترحات التيارات الحديثة في اللسانيات، من وجه ثان. ويقوم العمل على تخليص "المشترك اللفظي" من رواسب الآراء "غير العلمية" (بمفهومنا الحديث للعلم) التي تلصق بالظاهرة اعتبارات تتجاوز الحقل المعرفي إلى الخلفية الإيديولوجية (على ما نقرّ به من تدافع بين الأمرين لا يخفى)، من وجه ثالث.
كما يقوم العمل بتبني بعض النظريات اللسانية الحديثة بشرط تعديلها كي توافق نظام اللسان العربي وما ينهض عليه معجمه وإعرابه ودلالته من "خصوصية" لا نغالي في تقديرها بقدر ما لا نسرف في إنكارها.
اعترضتنا بعض الصعوبات المتصلة بهذه المقاربة لعل أهمها مكابدة النصوص الأجنبية لتبين المرتكزات النظرية والتطبيقية التي تقوم عليها النظريات اللسانية الحديثة التي اهتمت بالمشترك اللفظي. وهذه المكابدة تتمثل في قلق الباحث وحيرته هل يتقمص النظرية وما فهمها إلا بعد لأي، أم يعدّلها (أو قد "يشوّهها") كي توافق نظام اللسان العربي. ولم يقرّ القرار على أن تكون لنا الخيرة في ذلك حتى وقرت في النفس جملةٌ من المعايير حكّمناها في النظريات طرّا وألزمنا بها جميع تصرفاتنا حتى تستقيم "قناة" البحث صلبة واضحة.
ومن الصعوبات الأخرى، تشتت المداخل وكثرة المجالات التي تحتضن المشترك اللفظي احتضان "الانتماء" أو "الولاء" أو "التبنّي". والحق أن الحسم في غض الطرف عن جداول مفيدة في تبين علاقات المشترك الدلالية والعلمية بمختلف فروع المعرفة، أمر مؤسف، غير أن الحاجة إلى التعمق فرضت علينا تشذيب الروافد وتقليص التفرعات كيلا ينشعب النظر ولا تتفرّق بنا السبل.
يمكن تقسيم العمل وفق المزاوجة المقصودة بين المقاربة التاريخية والمقاربة الآنية. إذ نتناول المشترك اللفظي في إطار النظرية التراثية ثم في إطار النظرية اللسانية والعرفانية المعاصرة، لنتبين العناصر الثابتة في معالجة الظاهرة والعناصر المتغيرة التي تختلف باختلاف السياق المعرفي والحضاري. كما نعمد إلى تبين قضية المشترك اللفظي بمعزل عن غيرها من قضايا المعجم والدلالة لنفهم الآليات الخاصة التي تحكم انتظامها والعلاقات الداخلية التي تميزها وتسمح لها بتحقيق التفرد والسريان في كل لسان تقريبا: بمعنى أن المشترك اللفظي يبقى أمرا مخصوصا ذا ضوابط محددة لا يطوله التهميش، رغم ما قد يطرحه حضوره من حرج الإغماض وقلق إحداث الالتباس، كما انه يظل مشتركا شائعا بين الألسن رغم ما يدعيه بعض القائلين باندراج هذه المسألة في باب "شجاعة العربية" أو "الإعجاز القرآني" وهي أطروحات إلى التمجيد و"الأدلجة" أميل منها إلى العلم، ما لم يأت أصحابها بحجج دوامغ تعلّل دعوى اختصاص العربية بفضل تبحّر في هذه الظاهرة، واعتبار النصّ القرآني أجمع ما يكون على هذه المسألة.
والرأي عندنا أن الحسم عسير في هذا الباب، يتخوف من اقتحامه الجسور، لما قد يُرمى به من رقّة الدين أو إتباع سمت مدعي إزالة القداسة عن النص المقدس. غير أن الإنصاف يقتضي، بذل الوسع في ترجيح أحد الأمرين:
إمّا القول – كما يقول أكثر السلف والباحثين العرب المحدثين الناقلين الوارثين – بأنّ العربية تشتمل على ظاهرة المشترك اللفظيّ اشتمالا لا تدانيها فيه لغة وما ذلك إلا لأنّ المشترك من أنواع الإعجاز القرآني، فالذي ينكر هذا الأمر يحشر ضمن المخالف الذي لا يوافق إجماع العلماء على هذه المسألة.
وإما اعتبار "المشترك اللفظي" ظاهرة طبيعية تتنزل في إطار اللسان الطبيعي، ولها أسبابها الموضوعية التي تحكم نشأتها وتسير تناول الناس لها بمعزل عن الخلفيات الدينية أو الإيديولوجية التي توظف المعرفة اللغوية لتحقيق مقصد تأثيري، هو في هذا السياق القول بالإعجاز.
ولعلّ المنظور الثاني، يسعفنا بتجنّب الخوض في المسألة الشائكة المتعلّقة بقانون التأويل، فإذا كان "القرآن حمّالا ذا وجوه"(5) فهل يعني ذلك فسح المجال لكلّ مذهب ولكلّ نِحْلة أن تجد لها"مقعد صدق" أو تثبت وجودها ووجاهة تأويلها للوجود، على أساس تأويل تختلف المسافة بينه وبين منطوق النصّ ومفهومه. وإذا كان إثباتُ الإعجاز الغايةَ المقصدَ بمبحث المشترك اللفظيّ أم مبحث الوجوه والنظائر كما جرت عليه مصنّفات علوم القرآن، فأيّ وجاهة لتجديد النظر في هذا المبحث، إذا انطلق الباحث من المنطلقات التراثية ذاتها؟ والسؤال الأعسر من ذلك، كيف يتحلّل الباحث اليوم من تلك المسلّمات الإيمانية، [التي يظنّ العلم الحديث أنّها تحول دون موضوعية البحث في الظاهرة] دون أن يُحدث شرخا في المنظومة المعرفية التي تقع فيها ظاهرة المشترك؟
فهل يمكن للباحث أن يخلّص المشترك اللفظي من استتباعاته الإعجازية، ومع ذلك لا يحكم عليه بالتجنّي وإعمال الموضوعية في غير موضعها؟
لو كنّا في سياق معرفيّ آخر، لبدت الأسئلة المطروحة أعلاه متجاوَزة بائدة غير ذات أساس، أمّا وقد اعترف الجمهور بأنّنا "حضارة نصّ"، فقد كان لزاما أن يتمنطق الباحث بهذه الأسئلة ويتوخى كلّ سبيل لتوجيه آلة البحث حيث ينبغي لها أن تسير.
ولمّا كان من أهدافنا أن نجرّب الخوض في لغة العرب بمناهج لسانية معرفية ذهنية (approche linguistique cognitive) اصطنعها وارتضاها غيرهم في غير لغة العرب، فقد حاولنا أن نتوسّل طريقة مقارنية تفصيلية راجعنا بها معالجة بعض النماذج من الكلمات القائمة على المشترك ونقلنا النظر من اللغة الغربية إلى اللسان العربي متبيّنين نقاط الالتقاء ونقاط الاختلاف في المقاربتين، زاعمين الوقوف على علامات تهدي الناظر إلى الجوامع المشتركة: القوانين الكلية العامة (les universaux)، والتصرفات الخصوصية التي تسم كل لغةٍ في معالجة هذه الظاهرة.
ولم نُفْرِطْ في اعتماد المناويل الغربية كيلا نُتَّهم برطانة المستعجمين، بل حسبنا أن نعاين النماذج التطبيقية لحالات المشترك اللفظي معاينة مستبصرة تأخذ بمجامع النظريات ولا تتحيّز إلاّ لأكثرها صلابة في التفسير وأغزرها عمقا في التحليل وأحسنها موردا في الاستنتاج.
كما نهض العمل بعرض جهود القدامى والمحدثين في رصد المشترك اللفظي وتحليله وتفسيره وبيّنّا أسس المنهج الذي اتّبعوه في أعمالهم ورددنا الكثرة إلى مبادئ كلّية معدودة تفسّر التشابه العظيم الذي تقوم عليه مصنّفات هذا الباب. كما أشرنا إلى وقوع أغلب الباحثين العرب المحدثين أسرى نظرة تقليدية نمطية، رغم ما يوهم به عرضهم لبعض الآراء اللسانية الغربية الحديثة، من جدّة أو تطوير، بقيا في حيز الممكن لا في واقع المنجز. ولعلّ ما توهّمناه من خانات فارغة، سنحاول تعميره – قدر المستطاع – لنسدّ خلّة ونرأب صدعا بدا لنا في مقاربة المحدثين لظاهرة المشترك اللفظي.
ولعلّ مردّ الخلل الأساسيّ – فيما نحدس – يقوم على النظر إلى اللغة باعتبارها كائنا متعاليا لا بوصفها مؤسسة اجتماعية محايثة. فالباحثون العرب المحدثون قلّما أشاروا إلى توقّف الجهود المعجمية واللسانية عند حدود تحقيق الرصيد القديم ودرسه وتقديمه دون مدّ النظر للعربية اليوم، هل تولّدت فيها حالات جديدة من المشترك؟ وهل يمكن صناعة معجم يوثّق ما يوجد من مشترك في المعجم الذهني المعاصر؟ وهل إنّ طرائق تولّد المشترك اليوم موازية أو مشابهة أو مغايرة لتولد المشترك قديما؟ أي هل إنّ وحدة الظاهرة – متى سلّمنا بذلك – قد تتحقّق رغم تفرّق أسباب حصولها؟ فضلا عن التداخل الذي يقوم في المعجم بين ما هو من قبيل الأسلوب الفردي (الكلام) وما هو منتمٍ إلى النظام الوضعيّ (اللسان)، هل يُسهم التحاور بين المستويين في إثراء التدافع الدلاليّ الذي ينشئه المشترك اللفظيّ؟
لقد تبيّن لنا في هذا العصر أنّ طرائق تولّد المفردات لا تخضع لنحو سيبويه المعقّد بل تحكمها حاجات مقامية مخصوصة لتحقيق التواصل والتفاهم بين المتخاطبين، ممّا يجعل نحو اللغة النموذجية / المعيارية متقلّص التأثير سواء في توليد المفردات أو في تفسير بروزها (نعني المفردات القائمة على المشترك)، ومن ثمة، تلوح الحاجة أكيدة إلى توسيع النحو ليستوعب إجراءات توليدية – قد لا تنتمي إلى صميمه – حتى يسيطر على "إمبراطورية"(6) المعنى.
وإذا نظرنا إلى مسألة الاشتراك اللفظي في بعدها الحضاري، تبيّن لنا أنّ التقدم الصناعي الغربي قد فرض علينا ضربا من التحدّي (لا فقط التكنولوجي والعلمي بل اللغويّ أيضا) من ذلك أنّ بعض علماء الاجتماع يتحدّثون عن وقوعنا تحت طائلة "تخلّف لغويّ" (يؤثّر نفسيّا واجتماعيّا في سلوكنا وتعاملنا مع ذواتنا ومع الأشياء ومع العالم، إضافة إلى وقوعنا تحت طائلة الازدواج اللساني القسري، ومتى رفضنا ذلك انحشرنا ضمن انغلاق وتقوقع يُفضي إلى الوقوع في براثن المفارقة بين التمتّع بالرفاه الماديّ وعدم استيعاب أسراره ولغته) ولعلّ ما نذهب إليه في تحليل هذه الصفة يمكن عرضه كما يلي: من ينتج الشيء له أحقّية تسميته، فإذا اشتريت منه ذلك الشيء، فأنت بين أن تهجّنه بأن تولد له في لغتك اسما تصطلح عليه المجامع الغريبة البعيدة غالبا عن واقع الاستعمال الحيوي (لأسباب عديدة ليس هذا مجال عرضها) أو يفشو بين الناس أو أن تستورد مع الشيء اسمَه كما هو أو تعوّضه بمخارج صوتية أكثر مماثلة لقياس اللغة العربية ومثال ذلك أنّه وُضع لتعريب الكلمة الأجنبية (télévision) عدد من المقترحات العربية والمعرّبة والدخيلة: مِرْناة، إذاعة مرئية، تلفاز، تلفزيون… فالناظر في هذا المثال يحسّ الفوضى من المترادفات التي تفرز تضخّما لغويا لا يعكس توسّعا في الاستعمال وحرّية في الإحداث بقدر ما يؤشّر على ضعف التنسيق وتحكيم الأهواء في الاقتباس أو التوليد. والملاحظ أنّ المقترحات الصفوية (المرناة) هي أبعد المقترحات عن الاستعمال والانتشار (والأدهى أنّها تُهجر حتّى من قبل واضعيها، هذا إذا لم تعد محلّ تندّر وفكاهة أو استعراض عضلات أو بيان تخلّف العرب والعربية بالاستتباع وتشتّت جهودهم).
فكأنّ مرناة وإذاعة مرئية وتلفاز وتلفزيون دوالّ لمدلول واحد ولمرجع واحد، فقلق التسمية لا يؤلّف بين تلك المفردات شبكة من الألفاظ المشتركة، بقدر ما ينطق عن تباين آليات التوليد:
مرناة: فعل رنى + وزن مفعال = اسم آلة.
نظريا يبدو هذا المقترح أنزع المقترحات إلى الاستجابة إلى روح العربية، غير أنّه أضعف المقترحات عن جمع الناس حوله.
إذاعة مرئية: مركّب نعتي يوحي بالتوازي مع الإذاعة المسموعة ويوحي أيضا بالرغبة في التقريب، بما يبين غربة الآلة عن السياق الذي تولّد فيه المصطلح.
تلفاز: جذر دخيل (ت/ ل/ ف/ ز) + وزن فعلال = مقترح يوحي بالاجتهاد في المواءمة بين الأصل الأعجمي ومقتضيات النحو العربي، يراعي القدرة على التصريف والاشتقاق والجمع.
تلفزيون: دخيل، ومع ذلك فهو أكثر المقترحات ذيوعا وأشدها انتشارا بين الناس.
ولعلّ مصدر المحدث أو توليد المصطلح يفسّر إمّا سرعة قبول المقترح أو ذبوله ووأده في المهد، فضلا عن جملة من عوامل أخرى – ليس المقام مقام تفصيل لها.
ولعلّ من أسباب تكاثُف المشترك في العربية المعاصرة أنّ العرب لا تعرف المفهوم ولا المرجع أثناء مخاض الولادة والإبداع، بل تصطدم به جاهزا، فتُهرع إلى التصدي إلى "خطره" عبر وضع المصطلح. وشتّان بين احتضان المفهوم وبين وضع المصطلح: بل إنّ الأمرين ينبغي أن يتكاملا ويقع التنسيق بينهما لا أن يتمّ بترُ الصلة بينهما.
الاشتراك اللفظي في دراسات المحدثين:
عرض الباحث محمد نور الدين المنجد في كتابه "الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم، بين النظرية والتطبيق" (دار الفكر، دمشق 1998) إلى الاشتراك اللفظي في جهود السابقين مقسما إيّاهم حسب اختصاصاتهم المعرفية: لغويين وأصوليين ومناطقة وعلماء في علوم القرآن.
فأمّا اللغويون، فقد ذكر الباحث أنّ سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من ذكر المشترك في تقسيمات الكلام، إذ قال في كتابه: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللفظين والمعنى واحد واتفاق اللفظين واختلاف المعنيين… واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير" ("الكتاب" 1/ 7 – واكتفى سيبويه بهذه الإشارة على المشترك من غير تعقيد أو تنظير للمصطلح" (ص 29).
وتعرض الباحث إلى جهد لغويّ آخر لاحق هو ابن فارس (ت 395 هـ) الذي ذكر المشترك في باب أجناس الكلام [...] فقال: "ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، كقولنا: عين الماء، وعين المال، وعين الركبة، وعين الميزان… "(الصاحبي، ص 327) وأفرد بابا في كتابه عرف فيه المشترك "معنى الاشتراك: أن تكون اللفظة محتملة لمعنيين أو أكثر كقوله (فليلقه) مشترك بين الخبر وبين الأمر، كأنه قال: فاقد فيه في اليم يلقه اليم. ومحتمل أن يكون اليم أمر بإلقائه… ومن الباب قوله: "ذرني ومن خلقت وحيدا" [المدثر: 11] فهذا مشترك محتمل أن يكون لله جلّ ثناؤه لأنّه انفرد بخلقه ومحتمل أن يكون: خلقه وحيدا فريدا من ماله وولده" (الصاحبي، ص 456). ويشير الباحث إلى توسع ابن فارس في مفهوم الاشتراك إذ خرج به من إطار الألفاظ إلى مجال البنى التركيبية فالمثال الأوّل (من سورة طه) الاشتراك حاصل بين أسلوبي الخبر والأمر والثاني (من سورة المدثر) جرى الاشتراك بين تركيب الحال من الفاعل والحال من المفعول. (ص 30)
وبين الباحث اختلاف آراء القدماء في وقوع المشترك فتراوحت بين إثبات المشترك ونفيه واختلفت بين حصره وتوسيعه. فابن جنّي يثبت الاشتراك للحروف والأسماء والأفعال، يقول "من" و"لا" و"إن" ونحو ذلك، لم يقتصر بها على معنى واحد، لأنّها حروف وقعت مشتركة كما وقعت الأسماء مشتركة نحو الصدى، فإنّه ما يعارض الصوت وهو بدن الميّت وهو طائر يخرج فيما يدّعون من رأس القتيل إذا لم يؤخذ بثأره وهو أيضا الرجل الجيّد الرعية للمال في قولهم: هو صدى مال… ونحوه ممّا اتفق لفظه واختلف معناه، وكما وقعت الأفعال المشتركة، نحو وجدت في الحزن ووجدت في الغضب ووجدت في الغنى ووجدت في الضالة ووجدت بمعنى علمت ونحو ذلك، فكذلك جاء نحو هذا في الحروف" (الخصائص 3/ 112 – 113).
ولمّا كان الباحث لا يميّز بين النحاة والمعجميين، جامعا إيّاهم باعتبار أنّ ما ينتجونه "كتب اللغة" سواء أكانت كتبا نحوية أو معاجمَ، فقد أبرز أنّ الفيروز آبادي صاحب "القاموس المحيط" ومثله الزبيدي صاحب "تاج العروس" على التوسّع في باب المشترك، "فرووا أنّ لكلمة (الحوب) مثلا ثلاثين معنى، وأن لكلمة (العجوز) سبعة وسبعين معنى ذكرها صاحب القاموس واستدرك عليه صاحب التاج بضعة وعشرين معنى لم يذكرها الفيروزآبادي". (ص 31)
غير أنّ طائفة أخرى من اللغويين قد أنكرت المشترك نحو ابن درستويه (ت 347 هـ) "الذي ضيّق مفهوم المشترك وأخرج منه كلّ ما يمكن ردّ معانيه إلى معنى عامّ يجمعها، جاء عنه في "المزهر" [للسيوطي (ت 911 هـ)]: "قال ابن درستويه في شرح الفصيح – وقد ذكر لفظة (وجد) واختلاف معانيها – هذه اللفظة من أقوى حجج من يزعم أنّ من كلام العرب ما يتفق لفظة ويختلف معناه، لأنّ سيبويه ذكره في أوّل كتابه، وجعله من الأصول المتقدّمة، فظنّ من لم يتأمّل المعاني ولم يتحقّق الحقائق أنّ هذا لفظ واحد قد جاء لمعان مختلفة، وإّنما هذه المعاني كلّها شيء واحد، وهو إصابة الشيء خيرا كان أو شرّا، ولكن فرّقوا بين المصادر، لأنّ المفعولات كانت مختلفة"، ويقول أيضا: "فإذا اتفق البناءان في الكلمة والحروف ثم جاءا لمعنيين مختلفين، لم يكن بد من رجوعهما إلى معنى واحد يشتركان فيه فيصيران متّفقي اللفظ والمعنى". (ص 331 – 32) ويعلّق الباحث على تصورات ابن درستويه للمشترك فيعتبر أنه "ملمح جديد في معالم المشترك [...] ألا وهو المعنى العام الذي يستغرق أبعاضه، فكان ابن درستويه يردّ المعاني المختلفة إلى أصل واحد يضمّ تلك الفروع ويعتمد عليه في إنكار المشترك". (ص 32)
أمّا سبب رفض ابن درستويه للاشتراك فلأنّه يرى "أنّ اللغة موضوعة للإبانة، والاشتراك تعمية تتنافى مع هذا الغرض، يقول: "فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على معنيين مختلفين أو أحدهما ضد الآخر، لما كان ذلك إبانة، بل تعمية وتغطية" [المزهر1/385]، ومع ذلك فإن ابن درستويه يقول بالقليل من المشترك فيستدرك قائلا: "ولكن يجيء الشيء النادر من هذا لعلل" [نفسه] وعلل النادر عنده تتمثل في تداخل اللهجات أو الحذف والاختصار، يقول: "وإنما يجيء ذلك في لغتين متباينتين أو لحذف واختصار وقع في الكلام حتى اشتبه اللفظان وخفي سبب ذلك على السامع وتأوّل فيه الخطأ" [نفس].
ويتابع أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) مذهب سابقه [ابن درستويه]، يقول أبو هلال: "وقال بعض النحويين: لا يجوز أن يدلّ اللفظ الواحد على معنيين مختلفين حتى تضاف علامة لكلّ واحد منهما، فإن لم يكن فيه لذلك علامة أشكل وألبس على المخاطب وليس من الحكمة وضع الأدلة المشكلة إلاّ أن يدفع إلى ذلك ضرورة أو علة، ولا يجيء في الكلام غير ذلك إلاّ ما شذّ وقلّ" [الفروق في اللغة، ص 14].
وقد أقام ابن درستويه والعسكريّ رفضهما للاشتراك على أساس القول بالتوقيف، معتمدين على تفسير ظاهري للآية "وعلّم آدم الأسماء كلّها" [البقرة، الآية 31] والحال أنّ ابن جنّي [القائل بالاصطلاح على الأرجح] ذهب إلى أنّ المقصود إقدار آدم على صناعة اللغة والاصطلاح عليها.
وقد أنكر أبو علي الفارسي (ت 377 هـ) "أن يكون المشترك أصيلا في الوضع اللغوي، وعلل وجوده بتداخل اللهجات والاستعارة، ويقول: "اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي ألا يكون قصدا في الوضع ولا أصلا، ولكنه من لغات تداخلت أو تكون كل لفظة تستعمل بمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتغلب، فتصير بمنزلة الأصل "[المخصص، ج 13، ص 259]". (ص 34)
ثم نظر الباحث محمد نور الدين المنجد في الأسباب التي علّل بها القدماء حدوث الاشتراك، فبيّن أنّ الأسباب الجوهرية في حدوث المشترك اللفظي تتمثل في "تداخل اللهجات والاستعارة(7) والحذف والتطوّر الدلالي الذي يلحق المعنى العامّ للّفظ فيصرفه إلى معان أخرى تنطوي على شيء من ذلك المعنى العامّ الذي ينتظم في تلك المعاني، وتختلف بعد ذلك في دلالتها الخاصة بما لا يخرج من ذلك المعنى الشامل". (ص 34)
"ويضيف ابن فارس [...] سببا آخر [...] ألا وهو المجاورة والسببية: "قال علماؤنا: العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب ومن ذلك تسميتهم السحاب ماء والمطر سماء وتجاوزوا ذلك إلى أن سموا النبت سماء، قال شاعرهم: (الوافر)
إذا نزل السماء بأرض قوم *** رعيناه وإن كانوا غضاب
وذكر ناس أنّ من هذا الباب قوله جلّ ثناؤه: "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" [الزُّمَر: 6]، يعني: خلق، وإنّما جاز أن يقول: أنزل، لأنّ الأنعام لا تقوم إلاّ بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء، والله جلّ ثناؤه ينزل الماء من السماء. قال: ومثله: "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يُواري سوآتكم وريشا" [الأعراف: 26]، وهو جل ثناؤه إنّما أنزل الماء، لكن اللباس من القطن والقطن لا يكون إلا بالماء" [الصاحبي، 110 - 111].
غير أن القدماء لم يتأوّلوا آية "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" [سورة الحديد، من الآية 25] هذا التأويلَ المجازيَّ وقد بين علماء المعادن في العصر الحديث أنّ الإنزال يُفهم بمعناه الحقيقيّ ولا يسع تأويله – كما هو عليه الحال في أمثلة أخرى – ذلك أنّ الحديد نزل على الأرض من نيازك وأجرام سماوية، وقد عدّ بعض المفسرين هذه الآية محتويةً على مظهر من مظاهر الإعجاز العلمي للقرآن. إذ لم يكن العرب ولا معاصروهم عند نزول الوحي عارفين بأنّ معدن الحديد الذي يستخرجونه من الأرض، ليس أصله أرضيا.
وهاهنا يطرح تساؤل: ما الذي جعل القدماء لغويين ومفسرين يذهبون إلى بيان كيفية انطباق الشاهد (القرآني) على المعنى المتعارف عليه في بعض الحالات، في حين أنّهم يتوقّفون عن بيان تلك الكيفية في حالات أخرى؟
وبعبارة أخرى، ما الذي كان يممنوعهم في التأويل فيوجّههم إلى تفصيل القول عند شاهد وإجمال الكلام في سياق شاهد آخر؟
نحدس بأنّ ثمة نظرية ثاوية تتمثل في "سلسلة" (أو "استرسال") continuum من المسلّمات "الماقبلية" تسيّر عملية التأويل وقد تؤدّي مرة إلى إقرار المشترك ولكنّها – في الغالب – تجنح إلى دفعه وحصره إلى أضيق حدّ ممكن.
ولعلّ اعتبار أغلب القدماء أنّ المشترك يوقع في الغموض والالتباس هو الذي أدّى بهم إلى تقليص حضوره ما وسعهم ذلك.
ويرى أحمد مختار عمر أسبابا أخرى – غير المذكورة آنفا – لحدوث الاشتراك عند القدماء منها القلب المكاني مثل: دام ودمى والإبدال مثل: حنك وحلك ونقل الكلمة إلى المصطلح العلمي مثل: التوجيه لغة والتوجيه اصطلاحا في علم العروض ومن ذلك أيضا أنواع المجاز كالعلاقة السببية أو إطلاق اسم الجزء على الكل أو إعطاء الشيء اسم مكانه(.
وقد ناقش محمد نور الدين المنجد مثالا ضربه الإمام الرازي على الاشتراك: "إن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال، بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة، كما رُوي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار: من هو؟ فقال: رجل يهديني السبيل. ولأنّه ربما لا يكون واثقا بصحّة الشيء على التعيين، إلا أنّه واثق بصحة وجود أحدهما لا محالة، فحينئذ يطلق اللفظ المشترك لئلا يكذِب ويكذب، ولا يظهر جهله بذلك، فإنّ أي معنى يصحّ فله أن يقول: إنّه كان مرادي" [المحصول، ق 1، ج 1، ص 364] يناقش الباحث هذا المثال قائلا: "بيد أن في المثال الذي ذكره الرازي نظر، فقول أبي بكر لا نظنّه يحمل على الاشتراك، وإنّما هو تورية والتورية من البلاغة والاشتراك شيء والعوامل البلاغية شيء آخر [...] ثم إنّ هذه التورية تتضمّن المجاز في دلالة السبيل على الدين أو الإسلام أو طريق الجنّة أو ما شابه" [الاشتراك اللفظي في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق، ص 44] والحال أنّ استدراك الباحث على الإمام الرازي لا موجب له في تقديرنا، فما دام الباحث يقرّ بأنّ الاشتراك ظاهرة لغوية معجمية والتورية ظاهرة بلاغية بديعية، فما الذي يمنع أن يصدق الوصفان على المثال الواحد؟ ولكن تختلف المنظورات: فمن جهة علاقة الدال بالمدلول، نتبين اشتراكا معجميا، بمعنى أن الدال واحد ومدلولاته متعددة. وأمّا من جهة "العمل اللغوي" الذي حقّقه القائل، فهو أن يخفي عن مخاطبه مقصده الحقيقي عبر توسّل معاريض الكلام، وتلك هي التورية: أي أن يكون للفظة معنيان قريب غير مقصود وبعيد هو المقصود. ومن ثمّة فلا تعارض بين أن تكون الكلمة من المشترك اللفظي قائمة على التورية في آن. غير أن المحلّل يعتبرها من المشترك إذا كانت زاوية نظره معجمية، في حين يعدّها البلاغيّ تورية بحكم خصوصية منظوره.
ولنا مع ذلك أن نبيّن أنّ المشترك ينظر إليه من زاوية النظام اللغوي: أي من حيث البناء المجرّد، في حين أنّ التورية لا تقع إلاّ في سياق مخصوص: أي إنّها تُدرس في نطاق الاستعمال أي داخل خطاب ما أو نصّ ما لأنّها أسلوب من أساليب البلاغة ووجه من وجوه البديع.
والاشتراك يعدّ ظاهرة نظامية "طبيعية" أمّا التورية فتقوم على ضرب من التصرّف الأسلوبي، فتعتبر نوعا من السلوك الفردي، بما يطبعها بطابع استهداف تحقيق مقصد التأثير بالقول القائم على التورية، في حين أنّ الاشتراك ظاهرة "موضوعية" تتصف بها بعض الكلمات، وليس الفرد مسؤولا عن وضعها أو ابتكارها بل يوفّرها له الرصيد المعجمي في اللغة..

http://montadayatmatidja.a7larab.net/t1277-topic

ما هو علم الدلالة

علم الدلالة جانب من الدراسات اللغوية بل هو قمة الدراسات اللغوية
والدلالة هي المعنى وإن كان لفظ دلالة هو الشائع في الدراسات الحديثة
والدرس الدلالي قديم في تراثنا العربي ن فقد نال اهتماما كبيرا من العلماء في كل لامجالات لارتباطه بفهم الكلام، وكان للغويين القدح المعلى فيه
تجلى ذلك في إنشاء المعاجم التي بدأت بمعاجم الألفاظ وأولها العين للخليل الفراهيدي ثم صناعة معاجم المعاني التي بدأت على شكل رسائل وفق ترتيب معين في موضوع واحد ثم تطورت إلى أنظهرت عندنا المعاجم المتخصصة وأشهرها الخصائص لابن سيده
كما ظهر عندنا نوع جديد من المعاجم هو المعاجم المؤلفة على طريق الاشتقاق وكان ابن فارس صاحب هذا الميدان بكتابه مقاييس اللغة الذي يعنى بتوضيح المعاني الأصلية للكلمات

ثم كان عندنا تأليف المعاجم على أساس التمييز بين الحقيقة والمجاز ، والسبق هنا للزمخشري بكتابه أساس البلاغة
   ثم كان هناك وجه جديد هو الدراسات اللغوية المستقلة لبعض الظواهر اللغوية مثل التضاد والترادف والاشتراك، وتتبع تطور الدلالة عبر العصور
كما برزت مشاركة علماء الأصول للتوضيح الدقيق لمعاني الألفاظ خوفا من الخطأ في فهم الكتاب والسنةكما ظهر نوع خاص من الدراسات هو ما يمكن أن يسمى بالدراسات الفنية التي برع فيها ابن فارس وابن جني مثل محاولة ربط المعاني بالأصوات كذلك الباب الشهير في كتابه الخصائص: تصاقب الألفاظ لتصاقب المعانيوجانب مهم جدا عني ب ه العلماء وكان لهم فيه جهد كبيرهو العناية بالأدوات النحوية لتوضيح معانيها، وأبرز هذه الكتبالجنى الداني للمرادي وفصل كبير في مغني اللبيب
فإن جئنا إلى العصر الحديث وجدنا أن (ميشيل بريل) الفرنسي هو أول من خطا في هذا الطريق، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر
ثم ظهرت كتب أخرى ككتاب (معنى المعنى) لـ (أوغدن) و (رتشاردز) ومن هذا الكتاب انتقل العلم إلى الولايات المتحدة، وظهرت مؤلفات عديدة لتتبع ظواهر لغوية معينة ككتاب فولكلور الرأسمالية الذي تتبع بأسلوب ساخر طائفة من الألفاظ السياسية والإدارية التي تسيطر على العقول وهو لثورمان أرنولد
وكتاب العلم وسلامة العقل لـ ( ألفرد كورتسببسكي) حيث بحث فيما يتركه الاستعمال المغلوط للألفاظ من آثار سيئة في التفكير ..

قوقل اجابات

النقوش الصفائية

 

الكتابات العربية الجنوبية في سورية (النقوش الصفائية) ـــ منى المؤذن

تنتشر الكتابات العربية المشتقة من الأبجدية المسندية، والمنقوشة على الصخور في شبه الجزيرة العربية والأردن وجنوب سورية، وتجري لها الآن مسوحات ودراسات لحفظها وتوثيقها، وقد وزعت وقسمت إلى الكثير من الأنواع ولكل نوع عدد من الفروع، وغالباً ما تنسب هذه الفروع إلى الأماكن التي تواجد فيها، فالثمودية مثلاً وهي نوع من الخط المسند لها فروعها فيقال الثمودية الحجازية والثمودية التبوكية والثمودية النجدية، ولكن بشكل عام كل هذه الأنواع تتميز أولاً بأنها عربية وتنسب إلى العرب العاربة([1])، وهي تتألف من 28 حرفاً فهي في عدد أحرفها تقابل أبجديتنا الحالية، كما أن هناك تشابهاً واضحاً في شكل الحرف بين الأنواع المتعددة ولكن بدرجات متباينة، وأن الحرف الواحد في كل نوع يمكن أن يأخذ أكثر من شكل وقد يصل إلى ستة أشكال (راجع الجدول رقم 1-2).

والذي يساعد على معرفة الحرف القراءة ومعرفة الكلمة من خلال النص، والدراسات الجارية الآن لهذه الأنواع في سورية تنحصر في الجنوب في المنطقة الشرقية لجبل العرب، وتمتد من جبل أسيس شمالاً وحتى قرية اسعنا جنوباً. ومن جبل العرب شرقاً وحتى صحراء الزلف غرباً، وتتركز الكتابات في هذه المنطقة في مجموعة من الأودية، أهمها واديان متوازيان هما: وادي الغرز ووادي الشام اللذان يصبان في بحيرة الرحبة، أما باقي النصوص فإنها تتوزع على مسافات بعيدة مثل موقع رجم المره وموقع جبل أسيس وخربة الامباشي وغدير الدرب.. وغيرها.

وهكذا تم تحديد 133 موقعاً منها 36 موقعاً كانت قد حددت سابقاً من قبل الرحالة والعلماء والمكتشفين الأوائل والباقي تم تحديده حديثاً، هذا يعني أن عدداً كبيراً من المواقع الجديدة سوف تدرس نصوصها وستعطي أضواء جديدة على تاريخ المنطقة.

أما بالنسبة لنوعية هذه الكتابات فقد وجدنا عدداً محدوداً من النقوش الثمودية واليونانية واللاتينية والعربية الشمالية وهي لا تتجاوز العشرات، أما ألوف النقوش فهي صفائية، وسأحصر البحث هنا في هذا النوع من الكتابة.

-أهم من بحث في الكتابات الصفائية في سورية:

أول من بدأ الكشف عن النقوش الصفائية هو الانكليزي سيرل جراهام Cyril Graham وذلك سنة 1857م فهو الذي جمع نقوشاً وقدمها إلى الجمعية الجغرافية الملكية بلندن وحدد أماكن وجودها، وقام بعده الألماني Johann Wetzstein يوهان فتنز شتاين عام 1858 برحلة إلى جنوب سورية ونسخ 379 نصاً وألف كتاباً عن أثار المنطقة في سهل حوران والجبل ونشر عدداً من هذه النقوش.

أما في عام 1882 قام جوزيف هاليفي Joseph Halevy بنسخ عدد من النصوص وهو الذي أطلق عليها اسم الكتابات الصفائية نسبة إلى مكان وجودها في تلول الصفا المحيطة بالصبة البركانية الأساسية، كما أنه تعرف على ستة عشر حرفاً من أبجديتها.

كما أن العالم الفرنسي دوسو R.Dussaud نشر 182 نقشاً في مجلة سيريا العدد العاشر سنة 1929.

أما الذي تمكن من الكشف عن جميع الحروف الصفائية، ووضع القواعد الأساسية في هذه الكتابة هو العالم الألماني إنوليتمان Ennolittmann، فقد قام مع بداية القرن الحالي بالتعاون مع جامعة برنستون بحملة في الأعوام 1904 وحتى 1909، وقام بنشر نقوش عددها 1302 في مجلة سيريا العدد الرابع سنة 1934.

وقد نشر ركمنس G.Rycmans  مجموعة من النصوص من وادي الرشيدة في مجلة Melanges Syriens  قدمها له دوسو، أما أكبر مجموعة فقد نسخها موريس دونان Dunand وزوجته وقد نشرت ركمنس مع مجموعة من الكتابات الصفائية في جامع النقوش السامية Cqrpups Inscrptionum Semiticarum ويمكننا القول بأن العمل في هذا الميدان توقف في سورية منذ عام 1920 إلى أن تشكلت بعثة أثرية سورية – بريطانية في عام 1995، بادارة مشتركة من قبل السيدة منى المؤذن والسيد مايكل ماكدونالد([2])، وقد عملنا في الموسم الأول كما ذكرت سابقاً على تتبع مسيرة المكتشفين الأوائل وتعرُّف المواقع التي زاروها مع اكتشاف مواقع جديدة، وتحديد الجميع على خرائط مفصلة وذلك تمهيداً للمواسم القادمة، مع تصوير جميع النقوش المنسوخة وإدخال جميع المعلومات في الحاسوب.

أما في موسم عام 1996 فقد انحصر العمل في موقع العيساوي وتم تسجيل معظم نصوصه، و لايضاح العمل بالأرقام فإن مجموع ما نشر سابقاً عن هذا الموقع هو 478نصاً، أما مادونّاه في هذا الموسم فهو 1889نصاً، وعلينا أن نتابع العمل مستقبلاً لكي نكمل توثيق جميع نصوص هذا الموقع فقط.

النقش على الصخر:

نقشت الكتابة الصفائية على الحجر البازلتي القاسي بأداة حادة وصلبة ويأخذ الخط مظاهر متعددة منها المزوى ومنها اللين ومنها شبه المزوي ومنها الحروف المنقلبة 90درجة، أما أسلوب التنفيذ فإما التطريق المباشر أو غير المباشر ويغلب على الحرف عندها أن يكون عريضاً وواضحاً، أو بالحز بأداة حادة ويكون الحرف رفيعاً وصغير الحجم غالباً، ولايضاح جميع ما ذكرت يمكن دراسة ما نقش على الصخرة التالية وهي من موقع خربة الامباشي([3]) وما نقش عليها يوضح معظم مظاهر الحرف الذي أشرت إليه سابقاً.

(1)يعشم بن عبر           (الحروف شبه مزواة ومنقلبة 90درجة)

(2) لمسكئيل بن قدم                 (الحروف مزواة ومنفذة بالتطريق غير المباشر)

(3) لعذبئيل بن كت                   (الحروف ذات مظهر لين ومنفذة بالحز)

(4) لكت بن سبر           (الحروف ذات مظهرين ومنفذة بالتطريق)

عند طرف الصخرة نجد سبعة خطوط ينتهي كل منها بدائرة.

(الصورة رقم 1)

أسلوب النص الصفائي:

إن النصوص الصفائية بشكل عام يمكن القول بأنها تذكارية والنسب هو الموضوع الأساس الوارد فيها ومن النادر أن نجد نصاً لا يبدأ بالتنسيب. وكما هو معروف فقضية النسب شيء هام جداً للإنسان العربي وهناك نصوص وصل فيها النسب إلى الجد السادس، أما الأسماء الواردة فمنها ما هو معروف إلى الآن وقريب من أسماعنا مثل (نصر، آدم، عبد ، أمير، حاج، خالد، عمر، مطر، أوس، …الخ)، ومنها ما هو غريب مثل (حملج، أبشمن، عضضت، حضب، نغفت… الخ) ويمكن أن نأخذ المثال التالي وهو من موقع الامباشي والنص مؤلف من اسمين (سعد بن ثعر) ونلاحظ أن الاسم الأول مألوف جداً أما الثاني فهو غريب بالنسبة لنا (الصورة رقم 2).

وهناك أسماء استعيرت من أسماء الحيوانات مثل (نمر، عقاب، نسر، ورل، ضب، أسد، مهر، حوت…).

كما نجد أسماء دينية مركبة وهي ثلاثة أنواع الأول يقرن باسم الله مثل (عبدله= عبد الله) وسعد- له= سعد الله) (وهب- له= وهب الله) والنوع الثاني مضاف إلى اسماء آلهة أخرى مثل اللات (وهب لت= وهب اللات).

أما النوع الثالث وهو الأكثر تداولاً إضافة اسم الله بلفظ (ال)مثال ذلك (عبدئيل= عبد الله) و(خرئيل= خير الله) و(سمعئيل= اسماعيل) و(خللئيل= خليل الله… الخ.

وإذا ابتعدنا عن الأسماء الدينية فإننا نجد الأسماء التي لها صيغة الصفة مثل (سكران وسهران وحميان ونازل وفالح وثابر وشاهر… الخ).

وينتهي التنسيب إلى ذكر القبيلة ويعبر عنها بكلمة (آل) وقد وجدنا أن هذا اللفظ يستعمل أيضاً عند ذكر الرهط أو الفخذ أو البطن أو العمارة أو القبيلة ولعل من أكبر القبائل الصفائية قبيلة وهبئيل والنص التالي([4]) سيوضح ما ذكرت:

النص:

(الغيرئيل بن سالم غيرئيل بن حوت ذآل زمر ذآل كن ذآل صنف ذآل وهبئيل ورعي هضأن سنة نجي تيم بن أنعم هدر وقنط بشنا وهام [...] هنمرت وتنظر هسمي فهبعل سمن روح.. وعور…" (الصورة رقم 3).

المعنى:

"لغيرئيل بن سالم بن غيرئيل بن حوت من فخذ زمر من بطن كون من عمارة ضيف من قبيلة وهبئيل الذي رعى الأغنام سنة نجمي يتم ابن أنعم في هذه الديار وخاف الأعداء وهام (…) في منطقة النمارة ونظر إلى السماء (وعاربه) فياسيد السموات فرّج عنه (…) وعمى (….).

وكان العلماء يعتبرون أن القبائل الكبرى الأساسية التي ينسب لها الصفائيون هم آل وهبئيل وصنيف وعوذ واعتمدوا([5]) في ترتيبهم هذا بأن جد وهبئيل وصنيف وعوذ قد وصلوا إلى مراتب الآلهة وحديثاً وبعد اكتشاف هذا النص نلاحظ بأن صنيف تنطوي نسباً تحت وهبئيل لذا فإننا نرى الآن بأننا يمكننا أن نطلق عليهم اسم الوهبئيليين -العوذيين نسبة إلى أجدادهم.

بعد ذكر النسب يقوم الكاتب بإيراد جملة قصيرة يحدد فيها الحدث الآتي الذي يقوم به مثل الرعي أو الانتجاع، أو أنه حط رحاله في هذه الديار التي نقش فيها النص، أو أنه نجا من الأعداء ويمكن في هذه الحالة ذكر الروم، وبأن أغلب النصوص تتوضع على رجوم حيث يتم دفن الميت ويقوم المشاركون في هذه العملية بنقش أسمائهم على الحجر ويصرحون بأنهم قاموا بعملية الرجم.

-يستعمل في الصفائية فعل وجم بمعنى رجم -على فلان، ويمكن أن نذكر فيها حالته النفسية حيث يذكر بأنه رجم وهو حزين أو يائس أو ترح.. الخ.

هذا لا يعني أن فعل "وجم" يستعمل فقط في حالة الدفن، ولكن يمكن إيراده في حال اعتبار الشخص في عداد المفقودين مثال ذلك النص التالي وهو من موقع زملة ([6]) ناصر: (الصورة رقم 4).

"لشامت بن صعد بن شأس ووجم على أنعم وعلى أمة وعلى صحرت وعلى بنت أخيه المسبية"

"لشامت بن صعد بن شأس الذي وضع رجوماً على أنعم وعلى أمة وعلى صحرت وعلى بنت أخيه المسببه".

أي أن شامت بن صعد قد تعرض أهله للغزو فقام بدفن أنعم وأمه وصحرت وكذلك وضع رجماً لبنت أخيه علماً بأنها سبيه وليست في عداد الأموات.

وبشكل عام فإن النصوص كما ذكرت سابقاً بأنها تذكارية مشحونة بالعاطفة أما النصوص الوثائقية مثل تحديد ثمن فرس أو شراء أمة أو تحديد ملكية.. الخ فإنها نادرة.

بعد ذكر الجملة الخبرية يمكن أن نجد نصوصاً يذكر فيها كلمة وسنة، وذلك لتمديد التاريخ، ولكن من الصعب استعمال كلمة تحديد هنا، لأن الصفائيين في معظم النصوص لم يعتمدوا تاريخاً معيناً كالتاريخ السلوقي مثلاً الذي اعتمده التدمريون ولكنهم أرخوا بحدث هام بالنسبة لهم مثل "سنة قتل معن" أو سنة قبر آرامي" أو "سنة نجا أنعم" وهناك تواريخ ليست بالهامة مثل "سنة رعي القطعان". ولكن في بعض الحالات القليلة جداً يمكن استعمال عدد معين للدلالة على التاريخ وهذه الأعداد تتبع تاريخ بصرى، ومن الأمثلة الجيدة التي وجدت في تل العيساوى نص ورد فيه التاريخ كالتالي "سنة أرخت عشرا"([7]). ونلاحظ هنا استعمال كلمة "أرخت" لتحديد الزمن وهذا من النصوص الفريدة في العربية حيث يعود للقرن الثاني الميلادي ويدّون فيه كلمة تأريخ لتحديد السنة.

كما نجد نصوصاً مؤرخة مجازاً مثل "سنة حرب النبط" أي أنها سنة 105م، وإجمالاً فإن النقوش الصفائية تعود للقرن الأول قبل الميلاد وللقرون الأول والثاني والثالث الميلادية.

ويمكن أن ينتهي النص بعبارات الدعاء التي تطلب عادة من الالهة، أما أسماء هذه الأرباب والآلهة فهي اللات وترد (لت او ألت) وهي مؤنث (إل) و(إل) يقصد به الله وهو اله السماء، وهناك الرضي والرضو وهي آلهة مذكرة ومؤنثة وخاصة بالأرض، وهناك ذكر للاله "دشر" أو "ذشر" وقد ورد عند الانباط باسم ذو الشرى.

ولديهم اله القوافل ويدعى شيع القوم وقد وجد هذا الاله عند التدمريين. أما الاله الأكبر فهو بعل شمين وصيغته عند الصفائيين (بل- سمن)، كما نجد لديهم عبادة الجد الأكبر للقبيلة وهو بمثابة الحامي لها مثل "جد وهبئيل" و"جد ضف" و"جد عوذ"،، وقد ورد اسم اله جديد في تل العيساوى وهو "شع نو"([8])، الذي عيد هذا الاله في جنوب سورية ولدينا تمثال له يعود إلى القرن الثاني الميلادي وفي تدمر أيضاً.

أما الدعاء بحد ذاته فهو إما طلب للسلامة أو الغنيمة أو الجزاء أو القبول أو الراحة والتفريج أو النجاة أو المساعدة الهناء أو الحلم والأناة وكل ذلك لمن لا يطمس النصوص أو الرسوم، أما الادعية المعاكسة لها فهي العمى والخرس والعرج والرجم والحزن والثأر لمن يشوه الرسم ويطمس الكتابة.

وبشكل عام يمكن القول إن هذه العناصر التي ذكرتها سابقاً وهي التنسيب والنص والتأريخ والدعاء نادراً ما تأتي في نص واحد وعندها نعتبره نموذجاً أما في معظم الأحيان فإننا نجد عنصراً أو عنصرين فقط.

الرسوم على الصخر:

بقي أن نذكر أن هذه النقوش ترافق برسوم منفذة من قبل الكتبة أنفسهم وغالباً ما يتم الرسم قبل الكتابة حيث نرى الأحرف تتداخل مع الرسم أو تحيط به، ولعل أهم العناصر المرسومة هي الشمس والجمل والسبب واضح فالشمس ملازمة لهذا الإنسان طوال النهار والجمل من الحيوانات الصبورة التي تشاركه هذه الطبيعة القاسية. لاحظ النص التالي([9]) "لزفف بن أوس -ال بن سخر بن سمك- ال هخطط" (الصورة رقم 5)، حيث نجد النص تحيط به الكتابة وهو عبارة عن راع ومعه جملان.

أما باقي المواضيع فهي مشاهد من حياتهم اليومية مثل حراثة الأرض وقطف التمور ورعي القطعان وملاحقة الحيوانات البرية أو ترويضها. ولعل الحيوانات من أكثر ما رسم ويمكن إيراد ما وجدنا من رسوم كالتالي:

الجمل (هناك جمال بسنم، وجمال بسنمين)([10])

والحصان والثور والغزال والكلب والنسر والنعامة والعقرب والأفعى والفيل ([11]) والأسد والبقر الوحشي والحمار، ومن مواقفهم التي خلدت بهذه الرسوم أيضاً عمليات الغزو والقتال. (انظر اللوح رقم 1). الذي يحوي مجموعة من هذه المشاهد).

ولا بد من القول بأن هذه الرسوم رغم صعوبة تنفيذها على الصخر فهي واقعية جداً فنحن لا نرى أشكالاً خرافية ولا مشاهد لأساطير ميثولوجية ولا تصوير الالهة أبداً بل مشاهد تنبض بالحياة والحركة والحيوية على الرغم من كونها رمزية جداً فهي لا تتناول التفاصيل لأي شكل من الأشكال فإذا رسم إنسان مثلاً فإنه يحدد برأس وجذع وأطراف في وضع وحركة معينة، أما الملابس أو تفاصيل الوجه أو غطاء الرأس، فلا نجد شيئاً من هذا، إلا في حالات نادرة.

وعلينا أن ننوه بأن هذه الكتابات والرسوم قد انتقلت من جيل إلى آخر عن طريق التلقين بين الآباء والأجداد إلى الأبناء، ولم نجد ما يدل على تعليم مقصود عن طريق المدارس، علماً بأنه قد تم اكتشاف أول أبجدية صفائية مدونة في سورية في موقع([12]) المشبك 16 (انظر اللوح 2)

أما الأبجدية الثانية فقد وجدت في موقع([13]) العيساوي 40، ونلاحظ بأن الأبجديتين لا تعتمدان على الترتيب الأبجدي وإنما على تقارب الشكل بين الحروف وذلك لتسهيل عملية التعليم.

وصفوة القول إن هذه الكتابات هي تذكارات بأسلوب رسائل سريعة. أما عن علوم الصفائيين ومعارفهم وآدابهم فلم نجد شيئاً، وهذا لا يعني طبعاً أنها غير موجودة، لكن هذا دليل على أنهم يتمتعون بذاكرة ممتازة تحفظ جميع ما توصلوا إليه، فهذه القبائل كان لها دورها الحضاري الكبير في المنطقة، وسنقوم مستقبلاً بالقاء المزيد من الأضواء على تاريخهم وثقافتهم ومكانتهم من خلال متابعة نقوشهم ورسومهم، وذلك من قبل البعثة السورية – البريطانية التي أشرت إليها خلال البحث، أرجو ذلك وشكراً.

المصادر والمراجع:

-أ. ولفنسون تاريخ اللغات السامية، 1980.

-مجموعة بحوث أثرية بإشراف ج، م دانتزر، سورية الجنوبية حوران.

-د. علي أبو عساف، الحوليات الاثرية السورية 1973.

-د. محمود محمد الروسان، القبائل الثمودية والصفودية دراسة مقارنة (تتمة المرجع).

-مجموعة النقوش المنسوخة من قبل منى المؤذن ومايكل ماكدونالد عام 1995و 1996 مع التقارير الأولية.

 

1- Corpus Lnscriptionum Semiticarium tomus1

2-D . enno littmann : syria – publication of the princeton university archaeological Expeditions to Syria 1904 -5 and 1909, Division iv.

3-M. Macdonald , M. Muazzin et nehme, nehme, les inscriptions safitique de syrie, cent quarante après leur dècouve the craib , 1996, pages 435-494.

 الأبجدية الصفائية

      



([1]) ورد في تاج العروس العرب بالضم خلاف العجم، والأعراب منهم بالفتح سكان البادية، والعرب العاربة: هم الخلص منهم وأخذ من لفظه فأكد به كقولك ليل لا يل والعرب المستعربة أو مستعربة دخلاء، قال أبو الخطاب بن دحية المعروف بذي النسبين (العرب أقسام الأول عاربه وعرباء وهم الخلص وهم تسع قبائل من ولد ارم بن سام بن نوح وهي عاد وثمود وأميم وعبيل وطسم وجديس وعمليق وجرهم ووبار ومنهم تعلم اسماعيل عليه السلام العربية، والقسم الثاني المستعربة وهم بنو اسمعيل ولد معن بن عدنان بن أود."

([2]) وكان أعضاء البعثة السورية في موسم عام 1995، السيد حسين زين الدين والسيد غازي علولو والأنسة دينا بكور، أما البعثة البريطانية فكانت مؤلفة من الدكتورة ليلى نعمة والطبوغرافي السيد رينيه سوبان.

          -الموسم الثاني في عام 1969 كان الفريق السوري مكوناً من السيد حسين زين الدين والآنسة ريم الصالح، أما الفريق البريطاني فهومؤلف من الدكتورة ليلى نعمة والدكتورة جيرالدين كينغ.

([3]) لقد تم تزويدي بمجموعة من صور النقوش الصفائية المكتشفة في خربة الامباشي والتي قدمها لي مشكوراً الاستاذ أحمد طرقجي الذي عمل بالتنقيب في هذا الموقع، وسأقوم بنشر هذه المجموعة مستقبلاً إن شاء الله، والنص يحمل الرقم 84.

([4]) سينشر هذا النص إن شاء الله في الحوليات الأثرية السورية وهو يحمل الرقم 321MU وهو من نصوص موقع العيساوي.

([5]) راجع كتاب سورية الجنوبية حوران، مقال "د. ميليك بعنوان النقوش والكتابات الصفائية ص279.

([6]) النص يحمل الرقم 42 من موسم عام 1995م.

([7]) النص يحمل الرقم 319MU

([8]) ورد اسم هذه الاله في النص رقم 290 MU

([9]) النص يحمل الرقم 149MU

([10]) هذا يدل على العلاقات التجارية بين هذه المنطقة وأواسط أسيا.

([11]) صورة الفيل نادرة وقد وجدت في العيساوى 166MU

([12]) تم اكتشاف هذه الأبجدية من قبلي في موسم 1995 وهي تحمل الرقم 13MU

([13]) تم اكتشاف الأبجدية الثانية من قبل جير الدين كينغ في موسم 1996

http://178.238.232.238/~awu//trath/71-72/turath71-72-017.htm