علم الدلالة والعلاقات الدلالية

———————————————
علم الدلالة والعلاقات الدلالية
 

 

علم الدلالة والعلاقات الدلالية

 

1-تعريف علم الدلالة

 

لعلم الدلالة أسماء عديدة في الفرنسية و الإنجليزية ،لكن أشهرها و أكثرها استعمالا هو مصطلح sémantique   في الفرنسية ، و مقابله semantics    في الإنجليزية.ومن المصطلحات التي استعملت للدلالة على هذا العلم و لم تكتب لها الغلبة نجد مثلا sematology   و semanteme و semasiology و semology (1)   .

أما في العربية فقد اختلف الدارسون في تحديد المصطلح الذي يقابلون به مصطلح semantique ،فظهرت تسميات كثيرة لهذا العلم منها  : علم المعنى، السيمانتيك ، علم الدلالة سواء بفتح الدال أو كسرها ،الدلاليات،الدلالية.

*****

وعلم الدلالة عند معظم اللغويين هو "العلم الذي يدرس المعنى أو ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى أو ذلك الفرع الذي يدرس   الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرا على حمل المعنى " (2)

وهناك تعريفات أخرى لهذا العلم منها تعريف جون ليونز John  lyons   الذي يعرفه بأنه علم دراسة المعنى،و بيار جيرو الذي يعرفه بأنه علم دراسة معاني الكلمات ،أما ليرا   lérat     فيرى أن علم علم الدلالة هو العلم الذي يدرس معاني الكلمات و الجمل و الملفوظات .

و تجدر الإشارة هنا إلى تسجيل ملاحظة على هذه التعريفات ،فالتعريف الأول تعريف فضفاض وواسع،و يمكننا إن اعتمدناه أن ندخل   أعمال الفلاسفة و علماء النفس و كل من يهتم بالمعنى، في ما يسمى علم الدلالة،ذلك أن المعنى أو دراسته ليست حكرا على اللغويين دون غيرهم.  

أما التعريف الثاني فجاء أكثر   تحديدا و أكثر صلة باللسانيات ،فهو يحصر مجال علم الدلالة في دراسة معنى الكلمة ،التي هي من اختصاص اللغوي أكثر من غيره.

أما التعريف الثالث فلا يقصر علم الدلالة في دراسة الوحدات المعجمية أي المنفردة، بل كذلك يدرس معاني الوحدات المركبة، ويدرس اللغة أثناء استعمالها، وهو بهذا أكثر شمول من سابقيه.

و إذا اعتمدنا هذه التعريفات جميعها سنخلص إلى أن علم الدلالة هو دراسة معاني الوحدات اللسانية ،و هذه الوحدات قد تكون كلمات أو جمل أو ملفوظات . ونشير هنا إلى أن دراسة المعنى بدأت بدراسته على مستوى الألفاظ المفردة،لكن تغير الأمر بعد ذلك وأصبحت تشمل دراسة التراكيب ،يقول جون ليونز "لقد كان علماء اللغة حتى وقت قريب يثيرون اهتماما كبيرا لوصف معاني الكلمات المستقلة   أكثر من اهتمامهم بتحديد تفاصيل كيفية  اشتقاق معنى الجملة من معاني الكلمات المكونة لها …إلا أن الموقف تغير على نحو ملحوظ   خلال السنوات الماضية" (1) ،وما هذا التغير الذي يشير إليه "ليونز" إلا اهتمام اللغويين بالتراكيب، فهم أدركوا أن الألفاظ المفردة قاصرة عن بيان المعنى و تحديده بشكل دقيق إلا إذ اندرجت داخل تركيب معين.

و علم الدلالة بالإضافة إلى هذا و ذاك فرع من فروع علم اللغة و مستوى من مستويات التحليل اللساني،شأنه في ذلك شأن الأصوات و التركيب و الصرف.

*****

و إذا كان موضوع علم الدلالة من خلال تعريفه هو "أي شيء يقوم بدور العلامة أو الرمز" (2) فالحق أن هذا العلم يركز على اللغة   من بين أنظمة العلامات الأخرى و مع ذلك قد يدخل في دائرة بحثه بعض العلامات   غير اللغوية ،ليست كمباحث أساسية ،و لكن فقط كمساعدات في تحديد المعنى ،كالتنغيم و الحركات الإيمائية في اللغة المنطوقة ، و أدوات الترقيم ،من نقط وعلامات الإستفهام، و غيرها في اللغة المكتوبة ،فتنغيم الجملة الإستفاهمية يختلف عن تنغيم جملة التعجب ،وليست أدوات الترقيم في اللغة المكتوبة أقل شأنا ،و يكفي لإبراز أهمية الترقيم أن نذكر تلك القصة المتداولة، والتي تقول أن رجلا كان متهما و كان ينتظر أمر القاضي ،فأرسل القاضي حكمه مكتوبا جاء فيه"العفو. مستحيل الإعدام "،لكن كاتب القاضي نقل مكان نقطة الوقف من مكانها الأول إلى الذي يليه فأصبحت الجملة على الشكل التالي"العفو مستحيل.الإعدام" فتغير المعنى وأعدم الرجل بسبب النقطة.

 

2- المعنى و بعض نظرياته

إذا كان علم الدلالة كما قلنا هو العلم الذي يدرس المعنى. فما هو المعنى؟   لقد طرح هذا السؤال منذ القديم وكانت الإجابة تفتقر إلى تحديد واضح وكاف ، بالإضافة إلى تعددها و تباينها بتعدد وتباين وجهات النظر و منطلقات البحث و حاجات الباحثين،ورغم ما قيل جوابا عن السؤال أعلاه فإن مفهوم المعنى يظل صعب التحديد وذلك لما يتميز به من غموض متزايد،حتى أن ستيفن أولمان أكد أنه"ليس هناك تعريف وحيد لمثل هذه المصطلحات المعقدة ، يمكن قبوله على مستوى عالمي" (1) كما أن الأستاذين أوجدن Ogden    و ريشارزد Richarsd ، قاما بتجميع أكثر من ستة عشر تعريفا للمعنى،وقام مارتيني كذلك بتجميع سبعة تعاريف .

لقد تعددت مفاهيم المعنى بتعدد المقاربات و وجهات نظر الباحثين،فتكونت بذلك مجموعة من النظريات الدلالية التي حاولت الإجابة عن السؤال أعلاه.وقبل أن نتطرق تطرقا سريعا إلى بعض أهم ملامح هذه النظريات سنوضح بعض أنواع المعنى.

لقد قسم العلماء المعنى إلى عدة أقسام ،أشهرها :

·        المعنى الأساسي  : ويسمى  أيضا المعنى الأولي أو المركزي أو التصوري أو المفهومي أو الإدراكي، وقد عرفه نيدا N ida  بأنه المعنى المتصل بالوحدة المعجمية حينما ترد في أقل سياق ،أي حينما ترد منفردة (2)

·        المعنى الإضافي  : و يسمى أيضا المعنى العرضي أو الثانوي أو التضمني،وهو زائد على المعنى الأساسي،ويتغير بتغير الثقافة أو الزمن أوالخبرة. فمثلا كلمة يهودي معناها الأساسي هو الشخص الذي ينتمي للديانة اليهودية،أما معناها الإضافي فيتمثل في مجموعة من المعاني المرتبطة بهذه الكلمة، مثل الطمع و البخل و الحقد و الخديعة .

·        المعنى الأسلوبي  : "هو ذلك النوع من المعنى الذي تحملة قطعة من اللغة بالنسبة للظروف الاجتماعية لمستعملها و المنطقة الجغرافية التي تنتمي إليها" (1)

·        المعنى النفسي  : " وهو يشير إلى ما يتضمنه    اللفظ من دلالة عند الفرد" (2)

·        المعنى الإيحائي  : "وهو ذلك النوع من المعنى الذي يتعلق بكلمات ذات مقدرة خاصة على الإيحاء نظرا لشفافيتها " (3)  

هذه هي أشهرأنواع المعنى ،و الأن سنتحدث عن بعض نظرياته :

·        النظرية الإشارية  : اعتمادا على أبحاث صاحب المحاضرات ميز أصحاب هذه النظرية بين أركان المعنى و عناصره،ولقد منح الأستاذان أوجدن وريتشاردز هذه النظرية صفة العلمية، وأوضحاها في مثلثهما الشهير الذي ميزا فيه عناصر الدلالة.

إن المعنى عند أصحاب هذه النظرية هو ما تشير إليه الكلمة ، فمعنى كلمة تفاحة مثلا هو ما تشير إليه هذه الكلمة في العالم الخارجي (المشار إليه)،من هنا تعرضت هذه النظرية لمجموعة من الانتقادات منها   أنها تدرس اللغة خارج إطارها،و أنها تفرض على المتكلم-ليقف على معنى الكلمة-أن يكون على معرفة بكل شيء في العالم الخارجي ،و هذا ليس في استطاعته.كما أنها تقتصر في دراستها على الكلمات التي تملك إحالات في العالم الخارجي،فإن كان لكلمة تفاحة مرجع فإن حروف المعاني مثلا ليس لها مراجع،هذا بالإضافة إلى أن معنى الشيء غير ذاته،فمعنى التفاحة ليس هو التفاحة التي في الواقع لأنها تؤكل و معناها لا يؤكل.

·        النظرية التصورية  : يمكن إرجاع جذورها إلى القرن السابع عشر مع الفيلسوف جون لوك John luke  الذي اعتبر الأفكار صورا موجودة في الذهن.إن الكلمات حسب هذه النظرية تشير إلى الأفكار الموجودة في الذهن، وهذه الأفكار هي معناها فهي إذن"ترتكز على الأفكار أو التصورات الموجودة في عقول المتكلمين بقصد تحديد معنى الكلمة" (1)

"ويمكن صياغة المبدأ العام الذي ترتكز عليه هذه النظرية كالتالي  : يكون للعبارة معنى إذا و فقط إذا ارتبطت بفكرة ما" (2)

و رغم أن هذه النظرية شكلت الأساس لعدد من النظريات فإنها لم تسلم من انتقادات عدة منها أن" التخيل الذهني متغير و اعتباطي   و يختلف سواء في طبيعته أو في نوعه من شخص إلى آخر" (3) بل نجد الاختلاف حسب الظروف عند نفس الشخص،فنفس الكلمة قد تدل على فكرة معينة في وقت معين و تدل على أخرى في وقت آخر. ومن الانتقادات التي وجهت كذلك لهذه النظرية   أن الأفكار قد تكون جيدة أو سيئة أو ماكرة…إلخ(أي لها قيم) ، و معنى اللفظ لا يمكن أن تكون له هذه الخصائص" (4) ،كما أنه قد لا يوجد صور ذهنية معينة يمكنها أن تفسر معنى بعض الكلمات من قبيل "كيف"أو"رغم"أو"كي"…

·        النظرية السلوكية : أعطت هذة النظرية اهتماما للجانب الممكن ملاحظته وأغفلت الأفكار و كل ما هو عقلي غير قابل للملاحظة،فبومفيلد رائد هذه النظرية يرى أن المعنى" يتألف من ملامح الإثارة و ردود الفعل القابلة للملاحظة" (5)،فاللغة عنده مجموعة استجابات لمثيرات معينة،ومعنى العبارة هو" الحافز الذي يدعو إلى التلفظ بها و/أو الاستجابة   التي يستدعيها من المستمع" (6)

إن تفسير المعنى على هذا النحو تفسير ميكانيكي يربط المعنى بالموقف الذي أنتج فيه اللفظ . فدلالة صيغة لغوية ما، إنما هي المقام الذي يفصح فيه المتكلم عن هذه الدلالة   والرد اللغوي أو السلوكي الذي يصدر عن المخاطب .

·        نظرية السياق : يعتبر الأستاذ فيرث رائد هذه النظرية . وقد ألح على ضرورة تسييق المفردة للحصول على دلالتها الحقيقية،و يقول مارتيني أنه خارج السياق لاتتوفر الكلمة على المعنى .فالمعنى إذن لا نبحث عنه إلا في إطار سياقه اللغوي، وظروف إنتاجه،من هنا قسم العلماء السياق إلى أربعة أنواع : السياق اللغوي،و السياق العاطفي،و سياق الموقف، و السياق الثقافي .وقد وقفنا على هذه الأنواع فيما سبق.وعموما يمكن اعتبار منهج هذه النظرية من "المناهج الأكثر موضوعية،ومقاربة للدلالة،ذلك أنه يقدم نمودجا فعليا لتحديد دلالة الصيغ اللغوية" (1).

·         نظرية الحقول الدلالية : لقد تبلورت هذه النظرية على يد مجموعة من العلماء كإسبن Ispen (1924)   و jolles (1934) و Prozig (1934) و Trier  (1934) الذي درس الألفاظ الفكرية في اللغة الألمانية الوسيطة (2). إن معنى الكلمة عند أصحاب هذه النظرية لا يتحدد إلا ضمن مجموعة معاني الكلمات التي تتصل بها دلاليا فهو"محصلة علاقاتها بالكلمات الأخرى في داخل الحقل المعجمي" (3).والحقل المعجمي أو الدلالي هو مجموعة الكلمات المرتبطة دلاليا،والتي توضع عادة تحت لفظ عام يجمعها،كألفاظ القرابة،و الألوان،وهو أيضا قطاع متكامل من المادة اللغوية يعبر عن مجال معين من  الخبرة كما يقول أولمان، أو مجموعة جزئية لمفردات اللغة كما يقول ليونز. وقد قسم العلماء الحقول الدلالية إلى أنواع،ومنهم أولمان الذي قسمها إلى ثلاثة أنواع : الحقول المحسوسة  المتصلة ،و الحقول المحسوسة ذات العناصر المنفصلة،و الحقول التجريدية (1) .و تجمع المفردات داخل الحقل المعجمي علاقات عدة منها ،الترادف و الإشتمال و التضاد و التنافر و علاقة الجزء بالكل .و سنقف بتفصيل على أهم هذه العلاقات في الفصل الثاني.

·        النظرية التحليلية : تهتم هذه النظرية بتحليل الكلمات إلى مكونات وعناصر ، فمعنى الكلمة طبقاً لهذه النظرية هو "طاقم الملامح أو الخصائص التمييزية"، وكلما زادت الملامح لشيء ما قل عدد أفراده، والعكس صحيح كذلك، وعلى هذا يمكن تضييق المعنى وتوسيعه عن طريق إضافة ملامح أو حذف ملامح" (2) . إن هذه الخصائص أو الملامح هي ما يفرق بين الكلمات،فمثلا كلمة " رجل " تملك الملامح التالية : اسم-حي-إنسان-ذكر-بالغ،أما كلمة " امرأة " فتملك الملامح التالية : اسم-حي-إنسان-أنثى-بالغ.فنجد أن رجل تختلف عن امرأة في ملمح واحد هو ملمح الجنس.إذن ينبني معنى الكلمات حسب هذه النظرية على مكوناته أو ملامحه التمييزية.

·        نظرية الوضعية المنطقية في المعنى : ينطلق تصور أصحاب هذه النظرية للمعنى من أفكار مجموعة من الباحثين أهمهم:  العالم "أتونيراث" (A/ NEURATH) ، وهمبل (Hempel) ، و"كارنب (Carnap) "، و"الفرد جولر أير (A.J.Ayer) "، و"فردريك   وايزمان (F. Waisman) "،و مورتس شليك المؤسس الاول الذي ذهب الى " أن معنى قضية ما ،هو طريقة تحقيقها وذلك بتوفر شروط للتحقيق تكون على اثرها قضية صادقة " (3) .ان التحقق عند شليك هو مطابقة معنى الجملة للواقع

 ،فإن تحققت فهي صادقة وإلا فهي كاذبة. " فتحديد معنى الجملة هو تحديد القواعد التى تنظم استعمال تلك الجملة ، وهو نفسه تحديد الطريقة التي نتحقق بواسطتها من صدق او كذب تلك الجملة/شليك 1936 . وبعبارة اخرى،فمعنى القضية هو طريقة التحقق منها من حيث الصدق او الكذب " (1) ،بهذا المعنى فإن هذه النظرية لايمكن تطبيقها على الجمل الإنشائية،بل فقط على القضايا أي الجمل الخبرية في النحو ،فقضية مثل " الثلج ابيض " يمكن أن تخضع لمعيار الصدق أو الكذب أي يمكن التحقق منها ،أما جملة أمرية ما  أو استفهامية أو طلبية … فلا يمكن أن توصف من خلال مفهوم التحقق. من هنا فإن أصحاب هذه النظرية قد وقعوا في سلطة النظرة الحسية للأشياء ، فخلطوا البحث في المعنى بصدق الجملة .وقد ذهب " أير " إلى أن تحقيق الجملة لايعني تحديدا تاما لمعناها بل هو مجرد تدعيم له ،قد يطابقه الواقع أو يخالفه .وفي نفس إطار هذه النظرية ،رأى " وايزمان " أنه ينبغي البحث عن مرادف يشرح معنى الجملة ،وإذا كان هذا المرادف يقوم بدوره في تحديد المعنى ، فإنه بالمقابل قد يضيف معنى زائدا على المعنى الأصلي . وقريبا من تصور " أير " نجد   جورج مور يؤكد أن تصور معنى الكلمة هو الاتيان بتصورات أخرى تكافئه منطقيا .

·        النظرية البراجماتية :تقترب هذه النظرية من نظرية الوضعية المنطقية وذلك لاشتراكهما في الملاحظة الحسية . يرى تشارلز بيرس رائد هذه النظرية أن تصورنا لشئ ما يتألف من تصورنا لأثاره العملية ، فمعنى الكهرباء مثلا هو ماتحدثه   وما تنتجه من فعل، فالطابع الوظيفي والبراجماتي هو الذي يحدد تصورنا حول الشئ   من هنا رأى بيرس أن التصورات التي لاتنتج عنها أثار عملية لامعنى لها . (2)

3-تاريخ علم الدلالة

من المعروف أن علم الدلالة علم حديث ،ظهر في أواخر القرن التاسع عشر،ولكن هذا لا يعني مطلقا أن التفكير الإنساني في مجال اللغة ، في العصور القديمة يخلو تماما من أي محاولات أو دراسات تهتم بالدلالة ،بل على العكس من ذلك نجد أن العصر القديم يزخر بمجموعة من الأعمال و الأبحاث التي تعد من صميم البحث الدلالي ،ذلك أن الإهتمام باللغة عموما و بالدلالة خصوصا بدأ منذ أن حصل للإنسان وعي لغوي.و من تلك الأبحاث و الدراسات ما نجده عند فلاسفة اليونان و اللغويين الهنود و العلماء العرب.

أ-عند اليونان  : لقد تعرض فلاسفة اليونان في بحوثهم و مناقشاتهم لموضوعات تخص الدلالة باعتبارها قضية ذات أهمية بالغة في التفكير الإنساني ،وتعتبر قضية العلاقة بين اللفظ و معناه من أهم   القضايا الدلالية التي دار حولها نقاش الفلاسفة،و قد   افترقوا إزاء هذه القضية إلى فريقين  :  

يرى الفريق الأول-و أشهرهم أفلاطون-أن العلاقة بين اللفظ و معناه علاقة طبيعية مبررة ،ذلك لأن "للألفاظ معنى لازما متصلا بطبيعتها،أي أنها تعكس -إما بلفظها المعبر و إما ببنية اشتقاقها-الواقع الذي تعبر عنه" (1) .

أما الفريق الثاني بزعامة أرسطو فيرى أن العلاقة بين اللفظ و معناه ،علاقة اصطلاحية غير طبيعية لأن"للألفاظ اصطلاحا   ناجما عن اتفاق و عن تراض بين البشر" (2).كما ميز أرسطو بين الكلام الخارجي و الكلام الداخلي الموجود في العقل ،ويعد هذا التمييز "أساس معظم نظريات المعنى في العالم   الغربي خلال العصور الوسطى " (3).

و في القرن الخامس الميلادي اهتم برقلس proklos "بالتغير الدلالي ،و حاول أن يربطه بالتغير الحضاري ،و لاحظ أن التغير الدلالي يتخذ   عدة أشكال منها المجاز و توسيع المعنى و تخصيصه "­ (4).

ب-عند الهنود  : إن قضية الدلالة نالت اهتماما كبيرا عند الهنود ،فقد اهتموا بالقضايا الدلالية في اللغة الهندية(السنسكريتية) في وقت مبكر ،خاصة و أن لغتهم هي السبيل لفهم كتابهم الديني(الفيدا)،و الحقيقة أن الهنود "ناقشوا معظم القضايا التي يعتبرها علم اللغة الحديث من مباحث علم الدلالة" (1).

ومن   أهم القضايا و المباحث الدلالية التي عالجها الهنود هناك  :

- نشأة اللغة  : فمنهم من قال أن اللغة هبة إلاهية و منهم من قال أنها من إنتاج   و اختراع البشر .

- علاقة الكلمة بمدلولها  : إن هذه القضية تعرض لها اللغويون الهنود و انقسموا إزاءها إلى فريقين، فريق يرى أن هناك علاقة طبيعية تربط الكلمة بمدلولها، و فريق يرى أن هذه العلاقة اصطلاحية و ليست طبيعية.

- أقسام الدلالة  :   بعد أن درس الهنود الأصناف المختلفة للأشياء التي تشكل دلالات الكلمة ، اهتدوا إلى وجود أربعة أقسام للدلالات تبعا لعدد الأصناف الموجودة في الكون  :

                        – قسم يدل على مدلول شامل و عام مثل   رجل

                        – قسم يدل على كيفية مثل طويل

                        – قسم يدل على حدث مثل جاء

                         - قسم يدل على ذات مثل محمد (2)

*أهمية السياق  :   لقد أعطى الهنود أهمية بالغة للسياق اللغوي، فهم يرون أنه"لا معنى للكلمة المنفردة إلا في العبارة".

ج-عند العرب  : من الملاحظ أن مؤرخي اللسانيات أغفلوا تلك المساهمات الرائدة للعلماء العرب في مجال البحث اللغوي ،و لولا هذه الغفلة أو الثغرة -كما يسميها الدكتور عبد السلام المسدي-"لكانت اللسانيات المعاصرة على غير ما هي   عليه اليوم،بل لعلها تكون قد أدركت ما قد لا تدركه إلا بعد أمد" (3)ويعتبر عامل الدين من أسباب هذه الغفلة ومنها أيضا أن نظرية العرب اللغوية لم تكن واضحة المعالم بشكل دقيق ، وإنما وردت موزعة  و مبثوثة   في خبايا التراث الحضاري العربي بمختلف أصنافه و مشاربه .

و الخلاصة أن الأمم اللاتينية استلمت "مشعل الحضارة الإنسانية من العرب ، في كل ميادين المعرفة تقريبا إلا في التفكير اللغوي " (1). و إذا كان مؤرخو اللسانيات كما قلنا قد أغفلوا مساهمات العرب الجليلة في البحث اللساني و منه البحث الدلالي ،فإن التاريخ على العموم حفظ بأمانة تلك المساهمات التي كان لبعضها السبق في مجال اللسانيات ،فكم من رأي قال به أحد القدماء العرب لا نجده في نظريات العالم الغربي إلا في العصر الحديث.

و يعتبر مبحث المعنى أو الدلالة، من المباحث  اللغوية التي حظيت بمكانة متميزة في التفكير العربي،والملاحظ أن العلوم اللغوية عامة تأثرت بعلوم الدين و خضعت لتوجيهاتها ،فالأعمال اللغوية و الدلالية الأولى كانت بوازع الدين ، ومنها تتبع معاني الغريب في القرآن الكريم و الحديث الشريف ،و البحث في مجاز القرآن ،ومن ذلك أيضا ضبط المصحف بالشكل،فهذا يعد في حقيقته عملا دلاليا لأن تغيير الضبط يؤدي إلى تغيير وظيفة الكلمة ،و بالتالي إلى تغيير المعنى (2) وكانت هذه الأعمال عامة تهدف   إلى فهم القرآن الكريم فهما صحيحا و الوعي بتعاليمه.

و من أولى الأعمال الدلالية كذلك عند العرب إنشاء الرسائل الدلالية و التي كانت بمثابة نواة لظهور العمل المعجمي المنظم خاصة مع الخليل ابن أحمد الفراهيدي في معجمه العين.

و عموما نجد أن الدراسات اللغوية و الدلالية عند العرب تفاعلت مع الدراسات الفقهية و الدراسات الفلسفية و المنطقية،   و بهذا أصبح من الصعب أن نحصر البحث الدلالي في حقل معين، فهو نتيجة " للتحاور بين المنطق و علوم المناظرة و أصول الفقه و التفسير و النقد الأدبي و البيان" (3). من أجل هذا سنحاول أن نقف بشكل عام   على مساهمات كل من اللغويين و البلاغيين و الأصوليين و الفلاسفة في مجال البحث الدلالي  :

1-    مساهمة اللغويين   : لقد اهتم اللغويون بالدلالة اهتماما كبيرا،فابن فارس في معجمه المقاييس حاول"ربط المعاني الجزئية للمادة بمعنى عام يجمعها" (1)و الزمخشري في معجمه أساس البلاغة فرق بين المعاني الحقيقية و المعاني المجازية ،كما ربط ابن جني تقلبات المادة الممكنة بمعنى واحد ، و الحقيقة أن ابن جني من خلال ما قدمه للبحث اللغوي يعد من زمرة أعظم العلماء الذين ساهموا مساهمة جليلة في هذا الميدان ،فهو قد طرق أبوابا   لا عهد للناس بها،و من ذلك حديثه عن أصول الاشتقاق و مناسبة الألفاظ للمعاني و منها أيضا تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ،أي تقارب الدلالة لتقارب حروف اللفظ ،فابن جني يرى أن الألفاظ المتقاربة صوتيا تكون متقاربة في الدلالة و مثاله تؤزهم في قوله تعالى "ألم تر أنا أرسنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا " (2) يقول ابن جني "تؤزهم أزا  : أي تزعجهم و تقلقهم ،فهذا في معنى تهزهم هزا و الهمزة أخت الهاء ،فتقارب اللفظين لتقارب المعنيين" (3)

2-    مساهمة البلاغيين   : تمثلت بشكل واضح في دراستهم للحقيقة و المجاز و دراسة كثير من الأساليب البلاغية،وقد وصلت مساهماتهم ذروتها مع نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني بالإضافة إلى مجموعة من أرائه، سواء في كتابه أسرار البلاغة أو كتابه دلائل الإعجاز.

كما أن الجاحظ طرق في كتابيه البيان و التبيين و الحيوان عدة مباحث لها ارتباط وثيق بمبحث الدلالة،يقول في البيان والتبيين"لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه،و لايكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك"­ (4) . و قد تحدث عن تساوي القدر بين اللفظ و المعنى،يقول في هذا الصدد  : 

"و إنما الألفاظ على أقدار المعاني فكثيرها لكثيرها وقليلها لقليلها و شريفها لشريفها وسخيفها لسخيفها و المعاني البائنة بصورها و جهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة و الجهات الملتبسة" (1) .

وقد تحدث الجاحظ عن أصناف الدلالات و جمعها في خمسة أصناف،يقول"و جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ و غير لفظ ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد،أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال التي تسمى نصبة…..ولعل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها وحيلة مخالفة لحيلة أختها وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة ثم عن حقائقها في التفسير" (2)

ثم إن البلاغة عند الجاحظ تهدف إلى حسن الإبلاغ بوسائل مختلفة"ذات نسق تنظيمي محكم وهو بذلك يؤسس لمفاهيم لسانية و دلالية تتوخى الشمولية في التناول ، و منطلقاتها شروط التوصيل الدلالة كما يقصد إليها المتكلم ،مع وعي دقيق بأوضاع المستمع" (3) و يلخص الجاحظ كل هذا بقوله"و على قدر وضوح الدلالة و صواب الإشارة و حسن الإختصار و دقة المدخل يكون إطار المعنى " (4) .

3-أهل الأصول و الفلاسفة  : كان هم الأصوليين في دراسة المعنى هو استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية ،فكان اهتمامهم بالمباحث اللغوية ومنها الدلالية ناتج من طبيعة حقلهم الدلالي الذي يتطلب منهم الإلمام بجميع نواحي اللغة تقريبا،و هكذا نجدهم قد تعرضوا لعدد من المباحث الدلالية   في مؤلفاتهم منها،العلاقة بين اللفظ و المعنى و مبحث الحقيقة و المجاز و الاشتراك اللفظي و الترادف و العام و الخاص ،إلى غير ذلك من المباحث التي تعد من صميم البحث الدلالي.

فالإمام الشافعي في كتابه الرسالة أشار إلى طرق تخصيص الدلالة و تعميمها باعتبار القرائن اللفظية و العقلية ،يقول موضحا احتمال   مجيء اللفظ عاما أو خاصا  : "و رسول الله صلى الله عليه وسلم عربي اللسان و الدار،فقد يقول القول عاما يريد به العام و عاما يريد به الخاص" (1).كما حاول الشافعي من خلال كتابه المذكور أن يضع قواعد لفهم النص القرآني و تحديد دلالته المقصودة ، وقد أشار ذلك إلى أن اتفاق العبارات لا يعني اتفاق المدلولات ،كما نجد إشارات في رسالته تبين دور السياق في تحديد معنى اللفظ ،حتى أنه وضع بابا سماه"الصنف الذي يبين سياقه معناه" (2)

أما الإمام أبو حامد الغزالي فقد وضع عدة أسس لفهم معاني النص الشرعي ،و هذه الأسس و إن اختصت بالنص الشرعي فإنها يمكن أن "تطبق أيضا في معاني أي نص   غير شرعي ما دام مصوغاً في لغة عربية " (3) ، و قد تحدث الغزالي عن طرق تقسيم الدلالة فأجملها بقوله "و اللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته و منظومه أو بفحواه و مفهومه أو بمعناه ومعقوله وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا ، فهذه ثلاثة فنون.المنظوم و المفهوم و المعقول"­ (4)

- المنطوق  : ما دل   عليه اللفظ في محل النطق ،أي يكون الحكم للمذكور و حالا من أحواله ،فدلالة المنطوق هي دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام و نطق به .

- المفهوم  : دلالة المفهوم هي دلالة اللفظ على حكم   لم يذكر في الكلامو لم ينطق به ،و نميز في دلالة المفهوم بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.

- المعقول  : دلالة المعقول هي كل دلالة تستفاد من الخطاب عن طريق الاجتهاد العقلي في ضوء الكليات الشرعية.

و هذه هي طرق الدلالة عند المتكلمين من الأصوليين ،أما الحنفية فطرق الدلالة تنحصر عندهم في دلالة العبارة و دلالة الإشارة و دلالة النص و دلالة الاقتضاء،ولا داعي لتفصيل القول في هذه الطرق .

و كما كانت مساهمة أهل الأصول جليلة و أصيلة في مجال الدلالة ،فإن مساهمة الفلاسفة

لا تقل أصالة و دقة عن مساهمة الأصوليين،فالفارابي مثلا يسجل له اهتمامه بالألفاظ و دلالتها خصوصا على مستوى الصيغة الإفرادية،أو ما يسمى حديثا بالدراسة المعجمية ،يقول الفارابي"الألفاظ الدالة منها مفردة تدل على معان مفردة   ومنها مركبة تدل على معان مفردة…والألفاظ الدالة على المعاني المفردة ثلاثة أجناس  : اسم و كلمة(فعل) وأداة(حرف) ، و هذه الأجناس الثلاثة تشترك في أن كل واحد منها دال على معنى مفرد" (1) وعموما يمكن أن نجمل تعريف الفارابي للبحث الدلالي "بأنه الدراسة التي تنظم و تتناول الألفاظ و مدلولاتها ،و تتبع الخطاب و التعبير لتقنينه و تقعيده" (2)

و إلى جانب الفارابي هناك فلاسفة أغنوا البحث الدلالي بمساهماتهم ومنهم ابن سينا و ابن رشد و القاضي عبد الجبار،و غيرهم.

و عموما بحث العلماء العرب   باختلاف مشاربهم في الدلالة و أجمعوا إن شئنا القول على أنها هي "كون الشيء   الجرجاني

….

أما فيما يخص تقسيمها فهناك توافق و إجماع على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام  : عقلية و طبيعية و وضعية.

أما الدلالة العقلية فهي"دلالة يجد العقل بين الدال و المدلول علاقة ذاتية ينتقل لأجلها منه إليه" (3) و مثالها دلالة الدخان على النار.

أما الدلالة الطبيعية فهي" دلالة يجد العقل بين الدال و المدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه" (4)  فمثلا نعرف عندما نسمع أحدا يقول"أه" أنه يتألم، فهي دلت دلالة طبيعية على الألم.

أما الدلالة الوضعية فهي الدلالة التي تنشأ عن طريق الاصطلاح والاتفاق بين أفراد الجماعة اللسانية بمعنى"جعل   شيء بإزاء شيء آخر بحيث إذا فهم الأول فهم الثاني" (5)

 و تنقسم هذه الدلالة إلى دلالة لفظية و غير لفظية كالإشارات و الخطوط و النقوش ، أما اللفظية فهي تنقسم هي   الأخرى إلى ثلاثة أقسام  : دلالة مطابقة و دلالة تضمن و دلالة التزام.

وهكذا تكتمل لدينا الصورة تقريبا، بوقوفنا ولو بشكل موجز على أهم الميادين المعرفية التي تناولت موضوع الدلالة في الحضارة العربية.إذ بات من الواضح أن مساهمة العرب في مجال البحث الدلالي ليست بالمساهمة السطحية و غير الدقيقة،بل على العكس من ذلك هي مساهمة عميقة و دقيقة و فعالة في هذا المجال قديما و حديثا،و إن هذه المساهمة لتستحق أن تفرد لها الكتب و تخصص لها الدراسات .

نشأة علم الدلالة الحديث : إن البحث في قضية الدلالة، قديم قدم الوجود الإنساني ، فمنذ أن حصل للإنسان وعي لغوي كما سبق الذكر وهو يبحث في علم الدلالة ، فكانت النتيجة مجموعة من   الأبحاث والدراسات القيمة التي تمس موضوع الدلالة ، لكن هذه الأبحاث لا تجعلنا نعتقد أن علم الدلالة – كعلم قائم بذاته – قديم هو الأخر ، ذلك أنه علم حديث وقد ظهرت أولياته وبوادره خلال القرن التاسع عشر في أعمال مجموعة من الباحثين أهمهم (1) :

·        ماكس مولر   Max Mullar  الذي صرح في كتابين له أن الكلام   والفكر متطابقان تماما (2) ­

·        رايزغ      KALL Raiziz   الذي نشر سنة 1839 كتابا عنون جزءه الثني ب sémasiologie  لكن علم الدلالة عنده ليس علم قائم بذاته و إنما هو إلى جانب التركيب والمورفولوجيا جزءا مكونا للنحو .

وإذا كانت هذه العمال التي أشرنا إليها مجرد أوليات فإن ظهور هذا العلم كدراسة علمية للدلالة وكعلم مستقل بذاته يعود في رأي معظم اللغويين ومؤرخي هذا العلم إلى الفرنسي ميشال بريال Michel Breal 1883 مقاله الشهير  Essai de sémantique  ، وكان أول من استعمل مصطلح Sémantique  للدلالة على علم خاص لدراسة المعنى وعرفه بالقوانين التي تسهر على تحول المعنى ، فموضوع علم الدلالة حسب بريال، هو البحث في التحولات التي تطرأ على معاني الكلمات، ومحاولة اكتشاف القوانين المتحكمة في هذه التحولات .

وفي سنة 1887 أصدر بريال كتاب( Essai de sémantique )وهو   تطوير للمقالة السابقة ، يقول في مقدمته: "إن الدراسة التي ندعو إليها القارئ هي نوع حديث للغاية بحيث لم تسم بعد، نعم، لقد اهتم معظم اللسانيين بجسم وشكل الكلمات، وما انتبهوا قط إلى القوانين التي تنتظم تغير المعاني، وانتقاء العبارات الجديدة والوقوف على تاريخ ميلادها ووفاتها، وبما أن هذه الدراسة تستحق اسماً خاصاً بها، فإننا نطلق عليها اسم "سيمانتيك" للدلالة على علم المعاني" . (1) .

وهكذا نشأ علم الدلالة وأصبح له كيانه الخاص كفرع من فروع اللسانيات ، وقد عرف هذا العلم في هذه المرحلة بما يسمى بعلم الدلالة التطوري أو التاريخي وهي المرحلة الأولى لمسار علم الدلالة عند اللسانيين ،حيث  شغل العلماء في هذه المرحلة بالأساس موضوع تغير المعنى و صور هذا التغير،و قد أجمعوا على أن لتغير المعنى أسباب عديدة يمكن حصرها في الأسباب اللغوية و التاريخية   والاجتماعية و الثقافية و النفسية و العقلية، وقد توصلوا بعد الدراسة إلى مجموعة من طرق و أشكال التغير الدلالي أهمها  : تخصيص أو تضييق الدلالة و تعميمها أو توسيعها و رقيها أو انحطاطها،إلى غير ذلك.

وقد توالى التأليف في مجال الدلالة بعد بريال بهدف تطوير الدرس الدلالي ، فالعالم السويدي Adolf Noreen  (1854-1925) خصص في كتابه " لغتنا " قدرا مهما لدارسة المعنى ، أما العلم نيروب   Kristof Myrop  فقد خصص مجلدا كاملا للتطور الدلالي من كتابه   " دراسة تاريخية لنحو اللغة الفرنسية " ، كما أن Gustaf stern  نشر دراسة عن المعنى وتطوره .أما صاحب المحاضرات السويسري فردناند ديسوسير فقد طرق عدة مباحث تعد من صميم البحث الدلالي، إذ خصص فصلا في كتابه للدلالة   تحدث فيه عن الدليل الغوي ومجموعة مسائل تتعلق بهذا الدليل كمسألة اعتباطية الدليل وخطية الدال والتحول والثبات….

وفي سنة 1923   ظهر كتاب " معنى المعنى" للأستاذين   أوجدن Ogden  وريتشارد Richard   وهو   كتاب غاية في الأهمية ، انتشر انتشارا كبير في الأوساط المعرفية عامة واللغوية على وجه الخصوص ، وقد حاول الأستاذان أن يضعا من خلاله نظرية للعلامات والرموز ، كما أنهم قدموا فيه ستة عشر تعريفا للمعنى وهذه التعريفات تمثل فقط أشهر التعريفات ، ذلك أنهم استثنوا كل التعريفات الفرعية للمعنى .

و إذا كان بريال قد دشن المرحلة الأولى من مراحل علم الدلالة أي المرحلة التاريخية فإن كتاب دي سوسير فتح الباب أمام مجموعة من الدارسين والباحثين الذين ساهموا كل بنصيبه في ميلاد المرحلة الثانية و هي مرحلة علم الدلالة البنيوي.

وفي أمريكا تم تسليم المعنى إلى غير اللغويين ، يقول جورج مونان «تجب الإشارة إلى أن اللسانيات البنيوية الأكثر تقدما قد حاولت ، ومنذ ثلاثين سنة ، أن تعمل تطبيقيا   ونظريا دون الرجوع إلى الدلالات Significations  وكنتيجة طبيعية لذلك تم إقصاء الدلالية   نظريا وتطبيقيا   من اللسانيات وسلم إلى علم النفس ( béhaviourisme ) والأنتروبولوجيا   الثقافية (المدرسة الأمريكية ) و المنطق (راسل ، كارناب …) وفي الواقع أحس اللسانيون بأن الدلالية تستعصي على كل بنية تم تطبيقها إلى حدود السنوات الأخيرة   » (1)   ، يتماشى هذا الموقف للسانيين البنيويين عامة مع موقف بلومفيلد في أمريكا   الذي خصص في كتابه " اللغة "   فصلا للدلالة، ليبين أن تحليل الدلالة تستعصي  على الدراسة العلمية ، فلا يمكن   أن تعالج الدلالة في إطار اللسانيات كما تعالج الأصوات ، فدراسة المعنى في نظر بلومفيلد تعتبر أضعف نقطة في الدراسة اللغوية  .

وإذا كان هذا هو ظاهر الأمر فيما يخص موقف بلومفيلد من المعنى ، فإن حقيقته غير ذلك ، فهذا العالم لم يخرج المعنى   من دائرة البحث اللساني كما فهم من كلامه ، فالذي وقع هو أن بعض الباحثين حملوا كلامه أكثر مما يحتمل وذهبوا به بعيدا عن قصد صاحبه ، والسبب أنهم خلطوا بين رأيه ورأي مريديه وأتباعه ، ومنهم من اختلط عليه الأمر فيما يخص المعنى الذي يرفضه بلومفيلد ، فهو لا يرفض   المعنى عامة ، وإنما المعنى عند أصحاب النظريتين الإشارية   والتصورية (1).

فالإشارية تربط المعنى بالموجودات الخارجية ، وهذا أمر مرفوض عنده ، لأنه يرى أنه لكي نعطي تعريفا دقيقا للمعنى حسب هذه النظرية علينا أن نكون على علم دقيق بكل شيء في عالم المتكلم ، وهذا طبعا ليس في مقدرة المعرفة الإنسانية .

أما التصورية فهي تربط المعنى بالأفكار الموجودة في عقول المتكلمين والسامعين ،و   بلومفيلد – كما هو معروف – عليه يركز على ما يمكن ملاحظته   ويشكك فيما دون ذلك من المصطلحات والمفاهيم الذهنية من قبيل : فكر- وعي –   تصور …

فهو إذن لا يهاجم المعنى عامة والدليل أنه قدم نظرية لدراسة المعنىنظرية هي النظرية السلوكية، ويكفي لتبرئة الرجل مما ينسب إليه أن ندرج هذا الخطاب المؤرخ ب 29 يناير 1945 ، أرسله إلى صديق له : «من المؤلم أن يكون الشائع أنني – أو أن مجموعة من اللغويين أنا من بينهم – لا أعطي اهتماما للمعنى ، أو أنني أهمله   أو أقوم   بدراسة اللغة دون المعنى . ببساطة كأن اللغة أصوات عديمة المعنى …. إنه ليس أمرا شخصيا فقط   هو الذي أشرت إليه ، وإنما هو حكم لو سمح بتطبيقه فسوف يعوق تقدم علمنا   بوضع تضاد متوهم بين الدارسين الذين يهتمون بالمعنى ، والآخرين الذين يتجاهلونه أو يهملونه . الفريق الأخير و كما أعلم – غير موجود » (2).

إذا كان العلماء في أمريكا خلال المرحلة البنيوية لعلم الدلالة قد أهملوا المعنى نسبيا ،فإن هذا الأمر قد تغير خلال المرحلة الثالثة من مراحل هذا العلم ،و هي المرحلة التوليدية ،التي انتصر فيها للمعنى بشكل واضح.

 

 

http://forum.kooora.com/f.aspx?t=18762328

 

كتبهاحاطب نهار، في 30 May 2012 16:22 PM———————————————
 

الدلالة النحوية

الدلالة النحويّة
هاني علي الهندي


من المعروف أنَّ نظام الجملة العربيّة يحكمه ترتيب خاص ، لو اختلَّ هذا الترتيب لأصبح من العسير تفسير فهم المراد من الجملة، هذا الترتيب أطلق عليه علماء اللغة الدلالة النحويّة، وهو علم يبحث في بناء الجملة ويقوم برصد التغيير الذي يطرأ على أواخر الكلمات التي تتخذ كل منها موقعاً حسب قوانين اللغة. وقد أولى علماء اللغة القدامى اهتماماتهم في هذه المسألة فراحوا يدرسون ويبحثون في القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة والشعر العربي القديم حتى توصّلوا إلى الوظائف النحويّة والدلاليّة للكلمات، وفي ذلك أشار ابن خلدون في مقدِّمته إلى أهميّة النحو الذي به نتبيِّن أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الإفادة. وفي هذا الصدد أكّد الجرجاني(37) أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإن الأغراض كامنة فيها.
وبعد الدراسة والبحث خلصوا إلى أن الإعراب كما أورده ابن جنّي هو" الإبانة عن المعاني بالألفاظ، وقال: ألا ترى أنك إذا سمعت، أكرم سعيد أباه، وشكر سعيدًا أبوه علمت أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام سِرجاً واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه" فالإعراب إنما جيء به دالاً على اختلاف المعاني، وهو يقوم بدور أساسي في تحديد الوظائف النحويّة للكلمات من خلال الحركات التي تفرِّق بين الكلمة والأُخرى. فالحركات الإعرابيّة التي تظهر على أواخر الكلمات هي التي تدلُّ على المعنى المقصود وتفرِّق بين الكلمات برفع هذه ونصب تلك.
كما اهتمَّ العرب بنظريّة العامل في النحو، فقالوا : الكلمة الواحدة قد تأتي فاعلاً أو مفعولاً أو مجروراً، فتنتقل من معنى نحوي إلى معنى نحوي آخر حسب العامل في التركيب، فكل كلمة تؤدي وظيفة معيّنة في الجملة من ناحية المعنى ومن ناحية العمل النحوي، فالكلمات ترتبط ارتباطاً خاصّاً ولها في بعضها تأثير خاص، ومن أجل ذلك لابدَّ من "أن يكون للكلمة حالة خاصَّة، لأنَّ المتلقي لن يفهم معني الكلام العربي إلا إذا استطاع تحديد حالة طل كلمة "، فالإعراب يلعب دوراً كبيراً في اختلاف الدلالة ؛ من هنا جاء اختلاف دلالة(ما) حسب اختلاف إعرابها في الجمل التالية: 1 ـ ما أجملَ السماءَ !
ما: اسم تعجّب مبني على السكون في محل رفع مبتدأ .
2 ـ ما أكلتُ اليوم ؟
ما: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب مفعول به للفعل أكل .
3 ـ يسبِّح لله ما في السَّموات وما في الأرض .
ما: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل للفعل يسبِّح .
ومع أهميّة الإعراب في علم للغة، إلا أن بعض العلماء يرون عدم حاجتنا إلى النحو، وأننا نستطيع الاستغناء عنه، وإذا فقدناه لن تخسر العربيّة شيئاً، في حين يرى الغالبيّة العظمى أن النحو سرٌ من أسرار هذه اللغة العظيمة ويمدها بروح وقوة وحيويّة، وهذا هو الصواب .
فالدلالة النحويّة كما لاحظنا تدخل في كل ما يربط بين كلمتين أو أكثر، إضافة إلى الجمل والأدوات الدالّة على معان نحويّة، وبذلك صار في اللغة العربيّة الإعراب الوظيفي أو الدلالي أو الإعراب الجمالي .

http://www.alfusha.net/t8648.html

التوسع الدلالي في استخدام أسماء الحيوان

 

‏ التوسع الدلالي في استخدام أسماء الحيوان: دراسة دلالية معجمية في حقول البدن والأوجاع ‏والسلوك والأشكال . د. سالم سليمان الخماش، منشور بمجلة كلية دار العلوم، جامعة الفيوم، ‏ج1، عدد 18، ص 186-262

 

 

http://salkhammash.kau.edu.sa/content.aspx?Site_ID=0003482&lng=AR&cid=19972

 

أسباب التغير الدلالي

 

أسباب التغير الدلالي

 

 

سالم الخماش

 

التغييرات تحدث في اللغة دائما لأنها نظام للتواصل بين الناس مرتبطة بأحوالهم وظروفهم الاجتماعية والثقافية والعقلية، وهذه الأحوال والظروف لا تسير على وتيرة واحدة. ومتى توفرت الأسباب حدث التغيير حسب طرق وأصناف معينة. لذا يجب التفريق بين أسباب التغير الدلالي وطرق التغير الدلالي. فالأسباب هي الظروف المهيئة للتغير بينما الطرق هي الوسائل والخطوط التي يسلكها التغير. وقد ميز العلماء عددا من أسباب التغير الدلالي:[1]

 

 

(أ) الأسباب التاريخية: وهي أسباب ناتجة عن تغير المجتمع أو الأشياء أو تغير النظرة إليها، ويمكن تمييز عدد من الأسباب التاريخية:

 

(1) تغير الشيء وبقاء اللفظ: فالشيء قد يتغير شكله أو وظيفته ولكن اسمه يبقى فيظهر اختلاف بين الشيء الأول الذي وضع له الاسم والشيء في الوقت الحاضر، ومن أمثلة ذلك:

 

الخاتَم، فهو لفظ مأخوذ من الجذر (ختم) الذي يعنى "طبع" ومنه الخِتام وهو الطِّينُ الذي يُخْتَم به علـى الكتاب، وسميت الحلقة التي تُلبس في الإصبع خاتما لأنه يطبع بها على الكتاب، ثم اتخذت حلية وزينة ولم يعد لها علاقة بالختم.

 

الدبابة، الدَّبابةُ: آلةٌ تُتَّـخَذُ من جُلودٍ وخَشَبٍ، يدخـلُ فـيها الرجالُ، ويُقَرِّبُونها من الـحِصْنِ الـمُـحاصَر لـيَنْقُبُوه، وتَقِـيَهُم ما يُرْمَوْنَ به من فوقهم. وفي الوقت الحاضر تغير شكل هذه الآلة وتطورت وأصبحت تُصنع من الفولاذ وتسير على جنازير وزُوّدت بمختلف الأسلحة النارية، ولم تعد وظيفتها تقريب الجنود من الحصون وإنما نراها تشارك في المعارك البرية.

 

الزند، خشبتان يستقدح بهما، ثم تغير الزند وأصبح يؤخذ من حجر الصوان والمرو، ثم بعد ذلك أصبح آلة قادحة تستخدم الكيروسين أو الغاز في انتاج النار.

 

البندق، قوس توضع بها كرات صغيرة يرمى بها، والآن تطلق الكلمة على سلاح ناري طاقة الدفع فيه البارود.

 

(2) تغير موقفنا من الشيء: إذا كان المعنى هو ما نملكه من أفكار وتصورات عن المشار إليه، فمتى تغيرت هذه الأفكار والمواقف تبعها تغير المعنى، من ذلك مثلا:

 

الخمر: كانت في الجاهلية رمزا للكرم والضيافة يتفاخر الناس باقتنائها ودفع المال لشراء دنانها ، والشعراء يصفون آنيتها ولون شرابها ، ولما جاء الإسلام حرم تعاطيها وأصبحت أم الخبائث، ومن شربها لحقه العار ووصف بالفسق وأصبح من الفجّار.

 

الثأر: كان أمر الثأر كبيرا لا يهنأ صاحبه حتى يستوفيه، ولكن بعد نشوء الحكومات ووجود القضاء لفض الخلافات والنزاعات، أوكل أمر الجناة والقتلة إلى سلطات قضائية ومؤسسات مدنية تتكفل بالقصاص واستيفاء الحقوق.

 

الميسر: وهو القمار، كان حلالا في الجاهلية وبعد أن حرمه الإسلام تغير موقف الناس منه ومن ثمّ تغير معناه، وكذلك الربا والقمار والأنصاب والأزلام.

 

tyle="margin: 0cm 0cm 0pt">(3) تغير معرفتنا بالشيء: ما نملكه من معرفة عن الشيء يسهم في بلورة معناه في أذهاننا، ومتى تطورت هذه المعرفة تبعها تطور وتغير في معنى الشيء، ومن أمثلة ذلك:

 

الذَّرّة: كان القدماء يظنون أنها أصغر جزء للمادة، لذلك يطلق عليها اليونان لفظ atom أي الجزء الذي لا يتجزأ، ولكن علم الفيزياء الحديث كشف أن هناك أجزاء أصغر من الذرة هي الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات.

 

الشمس: كان القدماء يظنون أنها اعظم جرم مضيء في الكون، وبعضهم كان يعبدها ظانا أنها إله؛ لذا كان يسمونها الإلهة،  ولكن علم الفلك الحديث طور معرفتنا بالشمس وبيّن أنها نجم بجانب نجوم أخرى تفوقها عظما في كون واسع.

 

القمر: كان هناك من يعتقد أنه إله، وكان قوم سبأ يعبدونه ويسجدون له. وعلم الفلك الحديث يبيّن لنا أنه ما هو إلا كويكب صغير يدور حول الأرض وسطحه خال من الشجر والماء والحياة.

 

 

 

(ب) الأسباب الاجتماعية والثقافية: المجتمعات الإنساية دائما في حالة تطور وتغير بسبب الاحتكاك بشعوب أخرى عن طريق الغزو العسكري أو الثقافي، وكذلك بسبب ما يجد من ثقافات وأفكار وما ينتشر من أديان ومذاهب وفلسفات، وقد تعرضت مفردات العربية إلى تغييرات كثيرة وواسعة بسبب مجيء الإسلام بدين جديد وثقافة دينية ودنيوية تختلف عما عرفوه في الجاهلية، يقول ابن فارس:

 

مما جاء به الإسلام – ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. والعرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثُمَّ زادت الشريعة شرائطَ وأوصافاً بِهَا سُمِيَ المؤمن بالإطلاق مؤمناً. وكذلك الإسلام والمسلم، إنّما عَرَفت منه إسلامَ الشيء ثُمَّ جاء فِي الشَّرع من أوصافه مَا جاء. وكذلك كَانَتْ لا تعرف من الكُفر إِلاَّ الغِطاء والسِّتْر. فأما المنافق فاسمٌ جاء بِهِ الإسلام لقوم أَبْطنوا غير مَا أظهروه، وَكَانَ الأصل من نافقاء اليَرْبوع. وَلَمْ يعرفوا فِي الفِسْق إِلاَّ قولهم: "فَسَقَتِ الرُّطبة" إذَا خرجت من قِشرها، وجاء الشرع بأن الفِسق الأفحاش فِي الخروج عن طاعة الله جلّ ثناؤه. ومما جاء فِي الشرع الصلاة وأصله فِي لغتهم: الدُّعاء، وكذلك الصيام أصله عندهم الإمساكُ، ثم زادت الشريعة النِّية، وحَظَرَت الأكلَ والمُباشَرَة وغير ذَلِكَ، وكذلك الحَجُّ، لَمْ يكن عندهم فِيهِ غير القصد.[2]

 

(ج) الحاجة إلى التسمية: اللغة وسيلة للتواصل قائمة على استخدام علامات لاستحضار الأشياء والأفكار. ومتى جد شيء احتاج إلى علامة تفصح عنه وتشير إليه. واللغة بها شيء من المحافظة؛ لذا قلما نجد لفظا وضع وضعا من غير سابق، والأكثر أن نجد اللفظ مشتقا من جذر يدور حول معان تشارك الشيء المراد تسميته في معناه، أو نجده مستعارا من معنى آخر يشبهه في وجه من الوجوه ومن أمثلة تغير دلالات الألفاظ بسبب النقل من معنى إلى آخر:

 

اصطلاحات العلوم والفنون:

 

رفع، نصب، جر، جزْم، تنازُع، اشتغال (نحو)

 

معتل، صحيح، سالم (صرف)

 

بيت، عمود، خبْن، وتد، سبب (عروض)

 

نافذة، ملف، مجلد، فأرة (حاسوب)

e="font-family: Arial;font-size: 14pt"> 

أسماء بعض أعضاء البدن:

 

ضفدع: عظم في جوف الحافر من الفرس.

 

الذباب "إنسان العين."

 

العصفور: "أصل منبت الناصية" و"عظم ناتئ في الجبين."

 

الحِدأة: "طائر من الجوارح،" والحِدأة من الفرس والإنسان: "أصل الأذن"، وقيل: الحدأة من الفرس "سالفة عنقه."

 

أجزاء الآلاات: أجزاء القوس.

 

رِجل: الجزء الأسفل من القوس.

 

يد: الجزء الأعلى من القوس.

 

كبِد: وسط القوس.

 

ظُفر: طرف السية.

 

(د) كثرة استعمال الكلمة: هناك كلمات يكثر استخدامها في مجالات كثيرة مما يؤدي إلى تغير معناها عن طريق التخصيص، مثل:

 

جذر: أصل النبات تحت الأرض.

 

جذر: الحروف الأصول في الكلمة.

 

جذر: رقم رياضي.

 

ومثل:

 

زراعة (نبات)

 

زراعة (طب)

 

زراعة (مختبر وبكتيريا)

 

ومثل:

 

عملية (عسكرية)

 

عملية (طب)

 

عملية (حساب)

 

عملية (اقتصاد)

 

 

 

(هـ) أسباب عقلية: من أسباب التغير الدلالي وجود علاقة بين شيء وآخر مما يؤدي إلى نقل اللفظ من شيء إلى آخر وقد تكون تلك العلاقة المشابهة أو غيرها.

 

علاقة المشابهة: تؤدي إلى استعارة لفظ من شيء إلى آخر، ومن أمثلتها:

 

عين: عضو الإيصار> بئر، قرص الشمس، ثقب الباب، السيد، الذهب.

 

فم: الثغر، فتحة القربة، فتحة القارورة.

 

رجل: رِجل القوس: سِيَتُها السفْلى، ورِجْلا السَّهم: حَرْفاه، ورِجْلُ البحر: خليجه.

 

عنق: عُنُق الدهر أَي قديم الدهر، وعُنُق الصيف والشتاء: أَوّلهما، وعُنُق الجبل: ما أَشرف منه، والأَعْناق: الرؤساء، وعُنُقٌ من النار: قطعة تخرج منها.

 

علاقات غير المشابهة: وهي ما يطلق عليها علاقات المجاز المرسل، مثل:

 

الجزئية: عين > جاسوس؛ رقبة > مملوك.

 

الحاليّة: حمة العقرب: سمها > إبرتها (محل)

 

الآلية: لسان > لغة.

 

المجاورة: خرطوم (أنف) > فم؛ خشم > فم.

 

(و) أسباب نفسية: ومن مظاهرها:

 

التفاؤل والتطير: وهو استخدام اللفظ الجميل للمعنى القبيح:

 

سليم: لم يصبه سوء > ملدوغ.

 

يسرى: اليد التي يسهل العمل بها > اليد الشمال، العسرى.

 

حُباب: محبوب > حية تدعى الشيطان.

 

بصير: قوي البصَر > الأعشى، ولذا كُني الشاعر المعروف الأعشى بأبي بصير.

 

كريمة: مكرمة > العين العوراء.

 

العافية: الصحة والسلامة > النار.

 

الخوف من العين: قد يؤدي الخوف من الإصابة بالعين إلى تسمية الشيء الجميل باسم قبيح، مثل: شوهاء: القبيحة > المرأة الجميلة.

 

المبالغة: قد يشعر الإنسان في بعض الأحوال أن الألفاظ العادية لا تفي بالتعبير عن انفعالاته فيعمد إلى استعمال الألفاظ الدالة على الخوف والرعب للتعبير عن جمال الأشياء، من ذلك:

 

رائع: جميل، مشتق من الروع وهو الخوف.

 

هولة: المرأة الجميلة، أُخذت من الهوْل وهو الخوف. وفي اللهجة المصرية يستخدم لفظ هايل بمعنى ممتاز.

 

رهيب: مخيف، تستعمل الن بمعنى جميل، ممتاز.

 

فظيع: شنيع، ويستخدم في الحاضر أحيانا بمعنى ممتاز.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

——————————————————————————–

 

[1]  راجع فريد حيدر، علم الدلالة، 87-97

 

[2]  ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة (بتصرف).

 

 

 

http://www.angelfire.com/tx4/lisan/lex_zam/dilalahessays/causes_of_change.htm

التوسع الدلالي في استخدام أسماء الحيوان

 

‏ التوسع الدلالي في استخدام أسماء الحيوان: دراسة دلالية معجمية في حقول البدن والأوجاع ‏والسلوك والأشكال . د. سالم سليمان الخماش، منشور بمجلة كلية دار العلوم، جامعة الفيوم، ‏ج1، عدد 18، ص 186-262

 

 

http://salkhammash.kau.edu.sa/content.aspx?Site_ID=0003482&lng=AR&cid=19972