الدلالة وجدل اللفظ والمعنى

 

بحث: الدلالة وجدل اللفظ والمعنى

مليكة سعدي

جدل اللفظ والمعنى:

 

تتكون الكلمة أو أية وحدة لغوية تكبرها من جانبين أساسيين مهمين لا ينفصل أحدهما عن الآخر هما: اللفظ والمعنى. ودراسة اللغة في حد ذاتها تعد في جانب كبير منها دراسة للعلاقة بين هذين الجانبين.

 

تعريف اللفظ:

 

اللفظ هو الحامل المادي والمقابل الحسي المنطوق للمعنى الذي هو فكرة ذهنية مجردة، وأهم ما يميزه أنه منطوق، وهذا ما أكد عليه أغلب النحاة في تعريفاتهم، فسيبويه يقصد باللفظ العلامة الإعرابية أو الإعراب[1] لأنه يرى أن الشكل اللفظي المتمثل في النصب يتبع معنى معينا ويوجه ويصحح عليه، كما أن الشكل اللفظي المتمثل في الرفع يتبع معنى معينا آخر ويوجه ويصحح عليه.

 

وعرف ابن مالك الكلمة بأنها "لفظ مستقل دال بالوضع تحقيقا أو تقديرا … والمراد هنا بالمستقل ما ليس بعض اسم كياء زيد، وتاء مسلمة، ولا بعض فعل كهمزة أعلم، وألف ضارب. فإن كل واحد من هذه المذكورات لفظ دال بالوضع وليس بكلمة لكونه غير مستقل"[2]. وإطلاق اللفظ على الكلمة هنا إنما هو من باب إطلاق المصدر على المفعول به.

 

وقال الشيخ خالد الأزهري: "واللفظ في الأصل مصدر لفظت الرحى الدقيق إذا رمته إلى الخارج، والمراد باللفظ هنا (أي في اصطلاح النحويين) الملفوظ به وهو الصوت من الفم المشتمل على بعض الحروف الهجائية تحقيقا كزيد، أو تقديرا كألفاظ الضمائر المستترة، وسمي الصوت لفظا لكونه يحدث بسبب رمي الهواء من داخل الرئة إلى خارجها، إطلاقا لاسم السبب على المسبب"[3].

 

وقال السيوطي: "ما خرج من الفم إن لم يشتمل على حرف فصوت، وإن اشتمل على حرف ولم يفد معنى فقول، فإن كان مفردا فكلمة، أو مركبا من اثنين ولم يفد نسبة مقصودة لذاتها فجملة، أو أفاد ذلك فكلام، أو من ثلاثة فكلم"[4].

 

وقال أبو البقاء الكفوي عن اللفظ: "هو في اللغة مصدر بمعنى الرمي، وهو بمعنى المفعول، فيتناول ما لم يكن صوتا، وما هو حرف واحد وأكثر مهملا أو مستعملا، صادرا من الفم أولا، لكن خص في عرف اللغة بما صدر من الفم من الصوت المعتمد على المخرج حرفا واحدا أو أكثر، مهملا أو مستعملا، فلا يقال لفظ الله، بل يقال كلمة الله. وفي اصطلاح النحاة ما من شأنه أن يصدر من الفم من الحرف، واحدا أو أكثر، أو تجري عليه أحكامه كالعطف والإبدال، فيندرج فيه حينئذ كلمات الله، وكذا الضمائر التي يجب استتارها. وهذا المعنى أعم من الأول. وأحسن تعاريفه على ما قيل: صوت معتمد على مقطع، حقيقة أو حكما، فالأول كزيد، والثاني كالضمير المستتر في (قم) المقدر بأنت "[5].

 

ونلاحظ من خلال هذه التعريفات أنها تتفق في مفهوم عام ثابت للفظ وهو انحصاره في المنطوق أو الملفوظ، كما أن مصطلح اللفظ يتصل بمصطلحات أخرى تحيط به وهي: القول والكلم والجملة والكلام والكلمة.

 

تعريف المعنى

 

مصطلح المعنى هو من أكثر المصطلحات التي اختلف في تعريفها ويرجع ذلك إلى اختلاف اهتمامات الدارسين له وتعدد ميادين بحوثهم، بالإضافة إلى كثرة المصطلحات المستعملة في هذا المجال والمرتبطة به.

 

ومصطلح المعنى في كلام النحويين لم يكن واحدا، ومن ذلك أنهم كانوا يقصدون به المعنى الصرفي، وأحيانا أخرى المعنى الدلالي بصفة عامة، وأحيانا ثالثة كانوا يقصدون به المعنى النحوي، أي وظيفة الكلمة في الجملة كالفاعلية والمفعولية والإضافة.

 

والواضح أن جل حديثهم الصريح عن المعنى كان بهذا القصد، ومن هذا قول ابن جني عن الإعراب إنه " الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت: أكرم سعيد أباه وشكر سعيدا أبوه، علمت برفع أحدها ونصب الآخر الفاعل من المفعول، ولو كان الكلام شرجا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه "[6].

 

ويتصل بحديث النحاة أيضا عن المعنى أننا نجد تقسيما مهما للدلالة عند ابن جني كذلك، يرى فيه أن الدلالات ثلاث: لفظية كدلالة (قام) بلفظه على مصدره، وصناعية كدلالة (قام) أيضا بصيغته على الزمن الماضي، ومعنوية كدلالة معنى هذا الفعل على ضرورة وجود فاعل له [7].

 

ومثل هذا التقسيم الدلالي له أهميته الواضحة في دراسة العلاقة بين اللفظ والمعنى من الناحية اللغوية والمعرفية في تراثنا.

 

ونظرا لأهمية اللفظ والمعنى عموما وارتباطهما بكثير من العلوم ومجالات المعرفة الإنسانية، لم تقتصر دراستهما قديما وحديثا –عند العرب وغيرهم- على مجال اللغة وحده الذي يعد أكثر ميادين العلوم اهتماما بهما[8]، بل إن كل المجالات المعرفية ذات الصلة بهذه القضية درست ما يخصها منها. ولذلك نجد أن قضية اللفظ والمعنى في تراثنا مسألة أساسية مشتركة في العلوم والدراسات العربية التي تتصل بالكلمة واللغة حيث إنها "هيمنت على تفكير اللغويين والنحاة وشغلت الفقهاء والمتكلمين، واستأثرت باهتمام البلاغيين والمشتغلين بالنقد، نقد الشعر والنثر، دع عنك المفسرين والشراح الذين تشكل العلاقة بين اللفظ والمعنى موضوع اهتمامهم العلني الصريح"[9].

 

وقد كان من إسهام اللغويين العرب في هذا المجال: وضع معاجم الألفاظ ومعاجم المعاني، ودراسة اتصال معاني الألفاظ المتحدة الأصول ومحاولة ربط بعضها ببعض فيما عرف باسم الاشتقاق الأصغر والاشتقاق الأكبر، وكذلك بحث المطابقة بين اللفظ ومعناه من حيث مناسبة كل منهما للآخر[10]، وتفسير العلاقة أيضا بين اللفظ والمعنى بأنها- وهذا رأي أكثرهم- عرفية اعتباطية.

 

وقد اقتضت جهود البلاغيين في هذا الشأن السير في ثلاث اتجاهات: دراسة الحقيقة والمجاز، وبحث خصائص التراكيب، ودراسة الظواهر البديعية اللفظية. وقد نتج عن هذه الجهود اكتشاف نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني ووضع ثلاثة علوم تمثل هذه الاتجاهات وهي: البيان والمعاني والبديع، وهذه العلوم يجمعها إطار مشترك هو" العلاقة بين الاختيار الأسلوبي باعتباره رمزا وبين المعنى"[11].

 

ويضاف إلى ذلك أن هذه القضية برزت بوضوح في تاريخ الأدب العربي وخاصة في القرن الثالث الهجري، وشغلت الأدباء والنقاد وظلت مناط البحث والجدل فترة طويلة . وقد انقسم هؤلاء أمامها فريقين، وكان الاتجاه السائد تفضيل اللفظ على المعنى حتى عرف النقد العربي بهذا[12].

 

أنواع الدلالات

 

الدلالة الصوتية

 

ليس للأصوات في ذاتها دلالات، لأن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية، فمهمة الأصوات أن تشكل الوحدات الدلالية الأخرى في المستويات التركيبية بدءا بالصرف وانتهاء بالجملة.

 

ويرى بعض الباحثين أن الدلالة الصرفية قد تستفاد من أصوات الكلمة نفسها، أي أن هناك علاقة طبيعية بين الدال والمدلول، فكلمة تنضخ تعبر عن فوران السائل بقوة وعنف، وهي إذا ما قورنت بنظيرتها تنضح التي تدل على تسرب السائل في تؤدة وبطء، فإن تلك المقارنة تكشف عن أن لصوت الخاء في الأولى دلالة صوتية قوية، إذ إنه أكسبها- في رأي أولئك الذين يقولون بوجود هذه المناسبة- تلك القوة والعنف[13].

 

لقد شغل بعض العرب القدماء كثيرا في بحث هذا المطلب ومنهم ابن جني (-392) الذي يقول بوجود تلك المناسبة الطبيعية بين الدال والمدلول، وقد خصص ابن جني في كتابه الخصائص فصلين في هذا المبحث، وهما باب في تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني وباب في إمساس أشباه الألفاظ أشباه المعاني[14]، وقد عد ابن جني مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث بابا عظيما واسعا، ونهجا عند عارفيه مأموما، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر بها عنها[15].

 

ومن ذلك عنده "بحث" فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض، والحاء لصلحها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب إذا غارت في الأرض، والثاء للنفث [16].

 

ومن المحدثين من تابع ابن جني وابن فارس في هذا الرأي، كمحمد المبارك الذي يرى أن المرء بمكنته أن يقول في غير تردد إن للحرف في العربية إيحاء خاصا، وهو إن لم يكن يدل دلالة قاطعة على المعنى، فإنه يدل دلالة اتجاه وإيحاء، ويثير في النفس جوا يهيء لقبول المعنى ويوجه إليه [17].

 

ويرى عبد الله العلايلي أن بمكنته أن يعين دلالات الحروف على اختلاف أصواتها، وهو لا يكاد يشك في أنه يمكن حلها وتحديد معانيها، ومن ثم يفهم العربية – كما يرى- فهما لا شية فيه ولا شبهة عليه[18].

 

غير أنه ليس مقبولا لدى جل علماء اللغة المحدثين ما يذهب إليه القائلون بوجود تلك المناسبة، فالكلمة الواحدة قد لا تعبر عن أي معنى أولا، والمعنى الواحد قد يعبر عنه بعدة كلمات مختلفة الأصوات ثانيا، والأصوات والمعاني تخضع لقانون التطور المستمر ثالثا، فقد تتطور الأصوات وتبقى المعاني سائدة، كما قد تتغير المعاني وتظل الأصوات على حالها، وهذه حجة تدحض زعم القائلين بوجود تلك المناسبة [19].

 

لكن هذا لا ينفي أن يبقى قدر من الكلم يومئ بتشكيله اللفظي إلى معناه، ولعله من تلك الألفاظ التي تعد صدى لأصوات الطبيعة كما يرى دي سوسير، ولعل بعضه مما اجترحه الإنسان في اختباره للمعاني والألفاظ، وتجريده لأطر الشكل باستبطان المعاني في سيرورة اللسان والإنسان كما نجد الآن في اقتران بعض الصيغ التي تجترحها العامة بمعان عامة تكاد تومئ إليها [20].

 

وقد يحدث أن يتبع المرء كلمة بكلمة أخرى تأكيدا وتقوية، ولا يخفى أن الصيغة التي ترد عليها الكلمتان واحدة، وقد يختفي المعنى من الكلمة الثانية، إذ إنها تشبه في تشكيلها الصوتي الكلمة التي عرف معناها وذاعت، ومن ذلك "حسن بسن"، وفيها يقول السيوطي:" ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم بسن، فقال: لا أدري ما هو"[21]، ولعل كلمة "بسن" توحي بتشكيلها الصوتي المشابه لكلمة حسن ما توحيه هذه الكلمة، وقد أشار القالي إلى أنه يجوز أن تكون النون في بسن زائدة فالأصل بس، وهو مصدر بسست السويقة أبست إذا لتته بسمن أو زيت، ثم حذفت إحدى السينين وزيد فيه النون، وبني على مثال حسن [22]

 

وقد تتجلى الدلالة الصوتية في التنغيم الذي لا يظهر بجلاء إلا في الجانب النطقي، فقد تكون هيئته هيئة استفهام، أو تعجب، أو إخبار، وكل هذه تؤثر في المعنى المتحصل في صاحبه [23].

 

الدلالة الصرفية

 

تتمثل هذه الدلالة فيما تؤديه الزيادات الصرفية من معان مضافا إليها معنى الجذر المعجمي، فلو قيل: مرض الطبيب الرجل، لكان المعنى المتعين من هذا الفعل مرض مؤتلفا من معنى الجذر مضافا إليه دلالة هذه الصيغة التي تفيد القيام على المرض في هذا المقام، ولو قيل "محلب" بكسر الميم، لكان المعنى المتعين من هذا اللفظ هو دلالة حلب مضافا إليها دلالة هذه الصيغة الصرفية التي تدل على القدح الذي يحلب فيه، وإذا ما قيل محلب فإن المعنى المستفاد بالإضافة إلى معنى الجذر دلالة صيغة مفعل التي تدل على المكان الذي يحتلب فيه[24].

 

وهكذا يتبين أن لهذه القوالب الصرفية دورا في تقديم جزء من المعنى، وقد يحدث في بعض الأحيان أن تختلف هذه القوالب الصرفية دون أن يكون هذا مفضيا إلى اختلاف في المعنى، ومن ذلك مجيء صيغة "فعل وأفعل بمعنى واحد في بعض الأحيان، فيقال: محضته النصح وأمحضته النصح، والمعنى واحد [25]. ونقول سلكته وأسلكته، قال الله عز وجل (ما سلككم في سفر)، وقال الهذلي :

حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشرد[26]

 

الدلالة النحوية

 

يدرس علم النحو من جانبين اثنين: جانب تركيب الجملة العربية، وجانب الإعراب، ومعرفة هذين الجانبين تفضي إلى المعرفة بالدلالة النحوية، إذ إن هندسة الجملة العربية تحتم ترتيبا خاصا وفق قواعد اللغة المعمول بها، وإذا اختلفت هذه الهندسة وكان الاختلاف مخلا بقواعد اللغة فإن السامع قد يضل عن مقاصد الكلام، فلو قال قائل: ضرب موسى عيسى لاقتضى هذا التركيب الجملي أن تكون الدلالة المستفادة منه أن موسى الفاعل، وعيسى المفعول به، ولو قال آخر : هن حواج بيتِ الله لكان المعنى المتعين من هذه الحركة الإعرابية أن النساء قد حججن . وإذا ما قيل : هن حواج بيتَ الله، فإن المعنى من هذه الحركة الإعرابية أن النساء يردن الحج ولمٌا يفعلن [27].

 

وتتضح جليا ثنائية اللفظ والمعنى بمفهومهما الواسع في تحليل النحاة في سائر الأبواب، وتسود- على وجه الخصوص- حديثهم عن مقدمات التأليف النحوي الثلاث، وهي: وحدات القول، والإعراب والبناء، والنكرة والمعرفة.

 

والقواعد التي تقوم على اللفظ والمعنى تتمثل فيما يلي:

 

ا- الحمل على المعنى والحمل على اللفظ.

 

ب- إصلاح اللفظ.

 

ج- الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى.

 

فأما الحمل على المعنى وعلى اللفظ، فالأول المشهور فيه أنه إعطاء الشيء الحكم اللفظي لما يشبهه في معناه.

 

وقد يتوجه معنى الحمل على اللفظ لما يقابل المفهوم السابق للحمل على المعنى فيكون المقصود به إعطاء الشيء حكم ما أشبهه في لفظه.

وهناك معنى آخر لكل من الحمل على المعنى والحمل على اللفظ، وهو أن يكون للشيء حكم من حيث ظاهر اللفظ وحكم آخر من حيث المعنى، فإذا روعي في الاستعمال حكم ظاهر اللفظ سمي هذا حملا على اللفظ، وإذا روعي حكم المعنى سمي هذا حملا على المعنى [28].

 

أما إصلاح اللفظ، فقد أفرده ابن جني بباب مستقل وجعله من قبيل تهيئة اللفظ من أجل العناية بالمعنى.

 

وأما الفرق بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى، فقد ذكر ابن جني هذه القاعدة أيضا في أكثر من موضع تصريحا أو ضمنا [29]، من ذلك قولهم : زيد قائم، ربما يظن أن زيدا هنا فاعل في الصنعة كما هو فاعل في المعنى، وليس كذلك لأن الفاعل من يقع بعد الفعل ويسند إليه.

البلاغة والدلالة وتبدل المعنى

المعنى عامل مشترك بين البلاغة والدلالة، خاصة في علمي البيان والبديع بشقيه المحسنات اللفظية، والمعنوية، ونقصد من هذا المعاني المركبة التي تعطي معنى يحسن السكوت عليه، ويدل على مراد المتكلم.

 

وهذه المعاني تطرأ عليها تبدلات تأخذ أشكالا عدة، كما أن لها أسبابا متنوعة تندرج تحت مسميات عديدة خاصة في الدراسات البلاغية. ومن الأشكال التي تأخذها عملية انحراف المعنى أو تبدله: الشكل المنطقي، والشكل الدلالي، والشكل البلاغي.

 

ففي الشكل المنطقي يرى علماء الدلالة أمثال: دار مستتر، وبريل، وبول، أنه يجب أن نصنف الأشباه والنظائر في إطار منطقي وذلك وفق تفاوت تقييد وانتشار أو انتقال المعنى[30].

 

أما في الشكل الدلالي فإن التحليل السيميائي يقترح تسمية جديدة، ومقاييس جديدة في التصنيف، واضعا في الاعتبار سمات القضية الدلالية، وأنها قائمة على الثنائية بين الدال والمدلول، والطبيعة النفسية التداعية لعلاقاتها بشكلها الثنائي القائم على التماثل والتجاور.

والبلاغة تؤثر في تبدلات المعنى الدلالي فهي أحد روافده الفنية، ولذا نشأت علاقة وطيدة بين البلاغة وعلم الدلالة.

 

ويتم تبدل المعنى الدلالي في البلاغة عن طريق عدة طرق وألوان بلاغية منها: فكرة المقال والمقام، والاستعارة، والكناية، والتورية، والتشبيه، والمجاز، وجميعها يتم فيها انزلاق المعنى أو تبدله بطريقة تدخل البلاغة في علم الدلالة، فمن يدرس موضوعات علم الدلالة، لا يمكن أن يغفل هذه الألوان البلاغية باعتبارها من العوامل المؤدية لتبدلات المعنى. كما أن من يعالج الألوان البلاغية لابد أن يتعامل معها من خلال منظور علم الدلالة، خاصة تلك الألوان القائمة على تبدلات المعنى بشرط أن يكون ملما بماهية المحدد الدلالي حتى يستطيع أن يصل إلى الدلالة السياقية المرادة من الصورة البيانية أو البديعية، حيث إن لكل كلمة معنيان، المعنى الأساسي المعجمي، والمعنى السياقي الذي تأخذه الكلمة حينما توضع في سياق يحدد معنى الجملة بأكملها، وفي هذه الحالة يكون السياق مسؤؤلا عن المعنى المحدد الذي يعطى للكلمة.

 

فمثلا كلمة عين عندما تسمع دون أن تكون في سياق جملة محددة فإن الذهن يفهم منها عضوا من أعضاء الإنسان، ومثلها كلمة عين، لكنهما إذا دخلا في سياق حدد المعنى المراد فنقول (يد الفأس) أو (عين الماء) ولذا فإن الكلمة المفردة كلمة معجمية محددة غير قابلة للاحتمال أو التأويل، وإذا دخلت في سياق وتفاعلت مع مستخدمها فإنها تكتسب معنى آخر يريده غير المعنى الأساسي المعجمي.

 

وقد تكون الكلمة على سبيل الحقيقة، أو على سبيل المجاز، فعلى سبيل المجاز العقلي قولنا "رجلا اللاعب تتحركان بسرعة في الملعب"، فالمجاز ناتج عن نسبة الحركة للرجلين في حين أن المحرك الحقيقي لهما هو اللاعب نفسه الذي يستعمل قوة جسدية وذهنية في هذه الحركة. أما قولنا "للاعب رجلان قويتان" فهو على سبيل الحقيقة.

 

فتبدل المعنى بهذه الطريقة هو الصورة التي توجد فيها الكلمة منسجمة مع صور أخرى لكلمات غيرها، كصور الأداء، والتفكير، والإنشاء، ومناهج الأسلوب المعروفة باسم تبدلات المعنى . ومن الألوان أو الأمثلة البلاغية التي تؤدي إلى تبدلات المعنى ما يلي:

 

أولا: المقام والمقال

لكل مقام أسلوبه الخاص كما أن له تراكيبه القائمة على ارتباط النحو والمعاني في شكل جمل، والمقام هو ذلك الموقف الذي يتطلب نوعا من الألفاظ تجاورت بطريقة معينة كي تؤدي المعنى المراد، كما تساهم في ذلك العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي ترافق الموقف وقت أداء المقال، ولذا يعتبر مركزا من مراكز علم الدلالة الوصفية، ويعتمد المعنى الدلالي على هاتين الدعامتين (المقام والمقال) اعتمادا كبيرا لما بينهما من علاقة توضح المقصود منهما.

والمعنى المقالي يتكون من معنيين، المعنى السياقي، والمعنى الأساسي، أما المعنى المقامي، فهو الذي يتكون من ظروف أداء المقال، وتلعب الاستعارة التمثيلية أحيانا دورا في المقام فقد يستعار لمقام ما مقال مشابه ذاع واشتهر كالأمثال والحكم التي تغني المتكلم عن تركيب مقال جديد، فهو يستخدمها عند وجود عنصر المشابهة بين الموقفين، وبذلك يصير المقال القديم جزءا من المقام الجديد.

 

وقد أولى القدماء هذه القضية أهمية كبيرة وأفردوا لها مباحث من دراساتهم كالجرجاني والجاحظ وغيرهم. والمعنى الدلالي يشتمل على ما قامت عليه البلاغة أو نادت به واتخذته قاعدة أساسية ألا وهو لكل مقام مقال.

 

ثانيا: المجاز

 

يتم تبدل المعنى عن طريق المجاز وهو عقلي أو مرسل أو لغوي، وللمجاز عند البلاغيين القدامى أهمية قصوى في الدرس الدلالي حيث هو: استخدام اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

 

أي إن اللفظ يكتسب بالمجاز معنى جديدا غير المعنى القديم المألوف له، وهو المعروف دلاليا بانزلاق المعنى، أما القرينة المانعة فهي المحدد الدلالي الذي يساعد في فهم المعنى الجديد وإلغاء المعنى القديم.

 

ثالثا: الاستعارة

 

وهي من المجاز اللغوي، إذ إنها تشبيه حذف أحد طرفيه، فالعلاقة فيها هي المشابهة بخلاف المجاز المرسل الذي تتعدد علاقاته حسب السياق. وتعد الاستعارة بنوعيها التصريحية والمكنية وسيلة من وسائل تبدل الدلالة، فالمسمى يأخذ اسما آخر غير الذي يستعمل له عادة مثل قول الشاعر يصف امرأة تبكي:

 

فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا وعضت على العناب بالبرد

 

وهي عبارة عن مجموعة من الاستعارات

 

التصريحية، حيث أطلق على الدموع والعيون والخدود والشفاه والأسنان أسماء اللؤلؤ والنرجس والورد والعناب والبرد. وبهذا تؤدي الاستعارة دورا في تسمية التصورات الجديدة التي ترتبط بأشياء ملموسة.

يضاف إلى عوامل تبدل المعنى الكناية والتورية، والتشبيه عند بعض الأمم التي لا تكاد تميز بين الدلالات الكلية والدلالات الخاصة.

 

ومما تقدم يتضح لنا العلاقة الوثيقة بين علمي البلاغة والدلالة، فكلاهما يأخذ من الآخر ويضيف إليه، فالعلاقة تبادلية قائمة على تبدلات المعنى وتغييره.

 

= = = = =

 

[1] انظر الأعلم الشنتمري: النكت في تفسير كتاب سيبويه، تحقيق رشيد بلحبيب، وزارة الأوقاف، المغرب، 1999، ج1، ص200

[2] ابن مالك: شرح التسهيل، تحقيق عبد الرحمان محمد بدوى المختون، دار هجر، القاهرة، 1990، ج1، ص3-4

 

[3] الشيخ خالد الأزهري: شرح التصريح على التوضيح، دار إحياء الكتب العربية، فيصل الحلبي، القاهرة، دت، ج1 ص 19،20

 

[4] السيوطي: الأشباه والنظائر في النحو، تحقيق عبد العال سالم مكرم، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1985، ج3 ص 5 .

 

[5] أبو البقاء الكفوي: الكليات، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1993، ص795

 

[6] ابن جني: الخصائص، ج1، ص36

 

[7] انظر الخصائص، ج3، ص100

 

[8] انظر جون لاينز: اللغة والمعنى والسياق، ترجمة عباس صادق الوهاب، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1،1987، ص16

 

[9] محمد عابد الجابري: اللفظ والمعنى في البيان العربي، فصول، المجلد السادس، العدد الأول، 1985، ص21

 

[10] انظر ابن جني: الخصائص، باب إمساس الألفاظ أشباه المعاني وباب قوة اللفظ لقوة المعنى، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3، 1986، ج2، ص154 و ج2ص267

 

[11] تمام حسان: الأصول، دراسة ابستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982، ص346.

 

[12]انظر ابن رشيق القيرواني: العمدة في صناعة الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط4،1972، ج1، ص124-127

 

[13] انظر محمد رضوان: نظرات في اللغة، مطابع الحقيقة، بنغازي، ط1،1976، ص396

 

[14] انظر ابن جني: الخصائص، دار الشؤون الثقافية، بغداد،1990، ج2، ص147/154

 

[15] المصدر نفسه، ص159

 

[16] انظر المصدر نفسه،ص165

 

[17] انظر محمد المبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دراسة تحليلية مقارنة للكلمة العربية وعرض لمنهج العربية الأصيل في التجديد والتوليد، دار الفكر، دمشق، ط2، 1964، ص261

 

[18] انظر عبد الله العلايلي، مقدمة لدرس لغة العرب وكيف نضع المعجم الجديد، المطبعة العصرية، القاهرة، دت، ص129

 

[19] انظر إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة،1922، 129

 

[20] مهدي أسعد عرار: جدل اللفظ والمعنى، دراسة في دلالة الكلمة العربية، دار وائل للنشر والتوزيع، ط1،2002، ص24

 

[21] السيوطي، جلال الدين: المزهر في علم اللغة وأنواعها، تحقيق أحمد جاد المولى وآخرين، دار الفكر، القاهرة، دت،ج1،ص415

 

[22] انظر القالي، أبو علي إسماعيل: الأمالي، تحقيق محمد عبد الجواد، دار الكتب العلمية، بيروت، دت، ج2،ص217

 

[23] مهدي أسعد عرار، ص25

 

[24] ابن فارس، أبو الحسن أحمد :الصاحبي في فقه اللغة العربية و مسائلها وسنن العرب في كلامها، تحقيق عمر فاروق الطباع، مكتبة المعارف، بيروت، ط1،1993

 

[25] انظر ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم: أدب الكاتب، شرح علي فاعور، دار الكتب العلمية، لبنان،ط1،1988،ص283

 

[26] انظر المصدر نفسه، والبيت لعبد مناف بن ربع الحربي الهذلي.

 

[27] ذكر هذا المثال ابن فارس في الصاحبي.

 

[28] انظر عبد السلام السيد حامد: الشكل والدلالة، دراسة نحوية للفظ والمعنى، دار غريب للطباعة والنشر، 2002، ص31

 

[29] انظر الخصائص، ج1ص280و ج3ص258و ص263.

 

[30] عبد الواحد حسن الشيخ: العلاقات الدلالية والتراث البلاغي العربي، مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، ط1، 1999، ص11.

 

علم الدلالة والعلاقات الدلالية

 

علم الدلالة والعلاقات الدلالية

 

1-تعريف علم الدلالة

 

لعلم الدلالة أسماء عديدة في الفرنسية و الإنجليزية ،لكن أشهرها و أكثرها استعمالا هو مصطلح sémantique   في الفرنسية ، و مقابله semantics    في الإنجليزية.ومن المصطلحات التي استعملت للدلالة على هذا العلم و لم تكتب لها الغلبة نجد مثلا sematology   و semanteme و semasiology و semology (1)   .

أما في العربية فقد اختلف الدارسون في تحديد المصطلح الذي يقابلون به مصطلح semantique ،فظهرت تسميات كثيرة لهذا العلم منها  : علم المعنى، السيمانتيك ، علم الدلالة سواء بفتح الدال أو كسرها ،الدلاليات،الدلالية.

*****

وعلم الدلالة عند معظم اللغويين هو "العلم الذي يدرس المعنى أو ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى أو ذلك الفرع الذي يدرس   الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرا على حمل المعنى " (2)

وهناك تعريفات أخرى لهذا العلم منها تعريف جون ليونز John  lyons   الذي يعرفه بأنه علم دراسة المعنى،و بيار جيرو الذي يعرفه بأنه علم دراسة معاني الكلمات ،أما ليرا   lérat     فيرى أن علم علم الدلالة هو العلم الذي يدرس معاني الكلمات و الجمل و الملفوظات .

و تجدر الإشارة هنا إلى تسجيل ملاحظة على هذه التعريفات ،فالتعريف الأول تعريف فضفاض وواسع،و يمكننا إن اعتمدناه أن ندخل   أعمال الفلاسفة و علماء النفس و كل من يهتم بالمعنى، في ما يسمى علم الدلالة،ذلك أن المعنى أو دراسته ليست حكرا على اللغويين دون غيرهم.  

أما التعريف الثاني فجاء أكثر   تحديدا و أكثر صلة باللسانيات ،فهو يحصر مجال علم الدلالة في دراسة معنى الكلمة ،التي هي من اختصاص اللغوي أكثر من غيره.

أما التعريف الثالث فلا يقصر علم الدلالة في دراسة الوحدات المعجمية أي المنفردة، بل كذلك يدرس معاني الوحدات المركبة، ويدرس اللغة أثناء استعمالها، وهو بهذا أكثر شمول من سابقيه.

و إذا اعتمدنا هذه التعريفات جميعها سنخلص إلى أن علم الدلالة هو دراسة معاني الوحدات اللسانية ،و هذه الوحدات قد تكون كلمات أو جمل أو ملفوظات . ونشير هنا إلى أن دراسة المعنى بدأت بدراسته على مستوى الألفاظ المفردة،لكن تغير الأمر بعد ذلك وأصبحت تشمل دراسة التراكيب ،يقول جون ليونز "لقد كان علماء اللغة حتى وقت قريب يثيرون اهتماما كبيرا لوصف معاني الكلمات المستقلة   أكثر من اهتمامهم بتحديد تفاصيل كيفية  اشتقاق معنى الجملة من معاني الكلمات المكونة لها …إلا أن الموقف تغير على نحو ملحوظ   خلال السنوات الماضية" (1) ،وما هذا التغير الذي يشير إليه "ليونز" إلا اهتمام اللغويين بالتراكيب، فهم أدركوا أن الألفاظ المفردة قاصرة عن بيان المعنى و تحديده بشكل دقيق إلا إذ اندرجت داخل تركيب معين.

و علم الدلالة بالإضافة إلى هذا و ذاك فرع من فروع علم اللغة و مستوى من مستويات التحليل اللساني،شأنه في ذلك شأن الأصوات و التركيب و الصرف.

*****

و إذا كان موضوع علم الدلالة من خلال تعريفه هو "أي شيء يقوم بدور العلامة أو الرمز" (2) فالحق أن هذا العلم يركز على اللغة   من بين أنظمة العلامات الأخرى و مع ذلك قد يدخل في دائرة بحثه بعض العلامات   غير اللغوية ،ليست كمباحث أساسية ،و لكن فقط كمساعدات في تحديد المعنى ،كالتنغيم و الحركات الإيمائية في اللغة المنطوقة ، و أدوات الترقيم ،من نقط وعلامات الإستفهام، و غيرها في اللغة المكتوبة ،فتنغيم الجملة الإستفاهمية يختلف عن تنغيم جملة التعجب ،وليست أدوات الترقيم في اللغة المكتوبة أقل شأنا ،و يكفي لإبراز أهمية الترقيم أن نذكر تلك القصة المتداولة، والتي تقول أن رجلا كان متهما و كان ينتظر أمر القاضي ،فأرسل القاضي حكمه مكتوبا جاء فيه"العفو. مستحيل الإعدام "،لكن كاتب القاضي نقل مكان نقطة الوقف من مكانها الأول إلى الذي يليه فأصبحت الجملة على الشكل التالي"العفو مستحيل.الإعدام" فتغير المعنى وأعدم الرجل بسبب النقطة.

 

2- المعنى و بعض نظرياته

إذا كان علم الدلالة كما قلنا هو العلم الذي يدرس المعنى. فما هو المعنى؟   لقد طرح هذا السؤال منذ القديم وكانت الإجابة تفتقر إلى تحديد واضح وكاف ، بالإضافة إلى تعددها و تباينها بتعدد وتباين وجهات النظر و منطلقات البحث و حاجات الباحثين،ورغم ما قيل جوابا عن السؤال أعلاه فإن مفهوم المعنى يظل صعب التحديد وذلك لما يتميز به من غموض متزايد،حتى أن ستيفن أولمان أكد أنه"ليس هناك تعريف وحيد لمثل هذه المصطلحات المعقدة ، يمكن قبوله على مستوى عالمي" (1) كما أن الأستاذين أوجدن Ogden    و ريشارزد Richarsd ، قاما بتجميع أكثر من ستة عشر تعريفا للمعنى،وقام مارتيني كذلك بتجميع سبعة تعاريف .

لقد تعددت مفاهيم المعنى بتعدد المقاربات و وجهات نظر الباحثين،فتكونت بذلك مجموعة من النظريات الدلالية التي حاولت الإجابة عن السؤال أعلاه.وقبل أن نتطرق تطرقا سريعا إلى بعض أهم ملامح هذه النظريات سنوضح بعض أنواع المعنى.

لقد قسم العلماء المعنى إلى عدة أقسام ،أشهرها :

·        المعنى الأساسي  : ويسمى  أيضا المعنى الأولي أو المركزي أو التصوري أو المفهومي أو الإدراكي، وقد عرفه نيدا N ida  بأنه المعنى المتصل بالوحدة المعجمية حينما ترد في أقل سياق ،أي حينما ترد منفردة (2)

·        المعنى الإضافي  : و يسمى أيضا المعنى العرضي أو الثانوي أو التضمني،وهو زائد على المعنى الأساسي،ويتغير بتغير الثقافة أو الزمن أوالخبرة. فمثلا كلمة يهودي معناها الأساسي هو الشخص الذي ينتمي للديانة اليهودية،أما معناها الإضافي فيتمثل في مجموعة من المعاني المرتبطة بهذه الكلمة، مثل الطمع و البخل و الحقد و الخديعة .

·        المعنى الأسلوبي  : "هو ذلك النوع من المعنى الذي تحملة قطعة من اللغة بالنسبة للظروف الاجتماعية لمستعملها و المنطقة الجغرافية التي تنتمي إليها" (1)

·        المعنى النفسي  : " وهو يشير إلى ما يتضمنه    اللفظ من دلالة عند الفرد" (2)

·        المعنى الإيحائي  : "وهو ذلك النوع من المعنى الذي يتعلق بكلمات ذات مقدرة خاصة على الإيحاء نظرا لشفافيتها " (3)  

هذه هي أشهرأنواع المعنى ،و الأن سنتحدث عن بعض نظرياته :

·        النظرية الإشارية  : اعتمادا على أبحاث صاحب المحاضرات ميز أصحاب هذه النظرية بين أركان المعنى و عناصره،ولقد منح الأستاذان أوجدن وريتشاردز هذه النظرية صفة العلمية، وأوضحاها في مثلثهما الشهير الذي ميزا فيه عناصر الدلالة.

إن المعنى عند أصحاب هذه النظرية هو ما تشير إليه الكلمة ، فمعنى كلمة تفاحة مثلا هو ما تشير إليه هذه الكلمة في العالم الخارجي (المشار إليه)،من هنا تعرضت هذه النظرية لمجموعة من الانتقادات منها   أنها تدرس اللغة خارج إطارها،و أنها تفرض على المتكلم-ليقف على معنى الكلمة-أن يكون على معرفة بكل شيء في العالم الخارجي ،و هذا ليس في استطاعته.كما أنها تقتصر في دراستها على الكلمات التي تملك إحالات في العالم الخارجي،فإن كان لكلمة تفاحة مرجع فإن حروف المعاني مثلا ليس لها مراجع،هذا بالإضافة إلى أن معنى الشيء غير ذاته،فمعنى التفاحة ليس هو التفاحة التي في الواقع لأنها تؤكل و معناها لا يؤكل.

·        النظرية التصورية  : يمكن إرجاع جذورها إلى القرن السابع عشر مع الفيلسوف جون لوك John luke  الذي اعتبر الأفكار صورا موجودة في الذهن.إن الكلمات حسب هذه النظرية تشير إلى الأفكار الموجودة في الذهن، وهذه الأفكار هي معناها فهي إذن"ترتكز على الأفكار أو التصورات الموجودة في عقول المتكلمين بقصد تحديد معنى الكلمة" (1)

"ويمكن صياغة المبدأ العام الذي ترتكز عليه هذه النظرية كالتالي  : يكون للعبارة معنى إذا و فقط إذا ارتبطت بفكرة ما" (2)

و رغم أن هذه النظرية شكلت الأساس لعدد من النظريات فإنها لم تسلم من انتقادات عدة منها أن" التخيل الذهني متغير و اعتباطي   و يختلف سواء في طبيعته أو في نوعه من شخص إلى آخر" (3) بل نجد الاختلاف حسب الظروف عند نفس الشخص،فنفس الكلمة قد تدل على فكرة معينة في وقت معين و تدل على أخرى في وقت آخر. ومن الانتقادات التي وجهت كذلك لهذه النظرية   أن الأفكار قد تكون جيدة أو سيئة أو ماكرة…إلخ(أي لها قيم) ، و معنى اللفظ لا يمكن أن تكون له هذه الخصائص" (4) ،كما أنه قد لا يوجد صور ذهنية معينة يمكنها أن تفسر معنى بعض الكلمات من قبيل "كيف"أو"رغم"أو"كي"…

·        النظرية السلوكية : أعطت هذة النظرية اهتماما للجانب الممكن ملاحظته وأغفلت الأفكار و كل ما هو عقلي غير قابل للملاحظة،فبومفيلد رائد هذه النظرية يرى أن المعنى" يتألف من ملامح الإثارة و ردود الفعل القابلة للملاحظة" (5)،فاللغة عنده مجموعة استجابات لمثيرات معينة،ومعنى العبارة هو" الحافز الذي يدعو إلى التلفظ بها و/أو الاستجابة   التي يستدعيها من المستمع" (6)

إن تفسير المعنى على هذا النحو تفسير ميكانيكي يربط المعنى بالموقف الذي أنتج فيه اللفظ . فدلالة صيغة لغوية ما، إنما هي المقام الذي يفصح فيه المتكلم عن هذه الدلالة   والرد اللغوي أو السلوكي الذي يصدر عن المخاطب .

·        نظرية السياق : يعتبر الأستاذ فيرث رائد هذه النظرية . وقد ألح على ضرورة تسييق المفردة للحصول على دلالتها الحقيقية،و يقول مارتيني أنه خارج السياق لاتتوفر الكلمة على المعنى .فالمعنى إذن لا نبحث عنه إلا في إطار سياقه اللغوي، وظروف إنتاجه،من هنا قسم العلماء السياق إلى أربعة أنواع : السياق اللغوي،و السياق العاطفي،و سياق الموقف، و السياق الثقافي .وقد وقفنا على هذه الأنواع فيما سبق.وعموما يمكن اعتبار منهج هذه النظرية من "المناهج الأكثر موضوعية،ومقاربة للدلالة،ذلك أنه يقدم نمودجا فعليا لتحديد دلالة الصيغ اللغوية" (1).

·         نظرية الحقول الدلالية : لقد تبلورت هذه النظرية على يد مجموعة من العلماء كإسبن Ispen (1924)   و jolles (1934) و Prozig (1934) و Trier  (1934) الذي درس الألفاظ الفكرية في اللغة الألمانية الوسيطة (2). إن معنى الكلمة عند أصحاب هذه النظرية لا يتحدد إلا ضمن مجموعة معاني الكلمات التي تتصل بها دلاليا فهو"محصلة علاقاتها بالكلمات الأخرى في داخل الحقل المعجمي" (3).والحقل المعجمي أو الدلالي هو مجموعة الكلمات المرتبطة دلاليا،والتي توضع عادة تحت لفظ عام يجمعها،كألفاظ القرابة،و الألوان،وهو أيضا قطاع متكامل من المادة اللغوية يعبر عن مجال معين من  الخبرة كما يقول أولمان، أو مجموعة جزئية لمفردات اللغة كما يقول ليونز. وقد قسم العلماء الحقول الدلالية إلى أنواع،ومنهم أولمان الذي قسمها إلى ثلاثة أنواع : الحقول المحسوسة  المتصلة ،و الحقول المحسوسة ذات العناصر المنفصلة،و الحقول التجريدية (1) .و تجمع المفردات داخل الحقل المعجمي علاقات عدة منها ،الترادف و الإشتمال و التضاد و التنافر و علاقة الجزء بالكل .و سنقف بتفصيل على أهم هذه العلاقات في الفصل الثاني.

·        النظرية التحليلية : تهتم هذه النظرية بتحليل الكلمات إلى مكونات وعناصر ، فمعنى الكلمة طبقاً لهذه النظرية هو "طاقم الملامح أو الخصائص التمييزية"، وكلما زادت الملامح لشيء ما قل عدد أفراده، والعكس صحيح كذلك، وعلى هذا يمكن تضييق المعنى وتوسيعه عن طريق إضافة ملامح أو حذف ملامح" (2) . إن هذه الخصائص أو الملامح هي ما يفرق بين الكلمات،فمثلا كلمة " رجل " تملك الملامح التالية : اسم-حي-إنسان-ذكر-بالغ،أما كلمة " امرأة " فتملك الملامح التالية : اسم-حي-إنسان-أنثى-بالغ.فنجد أن رجل تختلف عن امرأة في ملمح واحد هو ملمح الجنس.إذن ينبني معنى الكلمات حسب هذه النظرية على مكوناته أو ملامحه التمييزية.

·        نظرية الوضعية المنطقية في المعنى : ينطلق تصور أصحاب هذه النظرية للمعنى من أفكار مجموعة من الباحثين أهمهم:  العالم "أتونيراث" (A/ NEURATH) ، وهمبل (Hempel) ، و"كارنب (Carnap) "، و"الفرد جولر أير (A.J.Ayer) "، و"فردريك   وايزمان (F. Waisman) "،و مورتس شليك المؤسس الاول الذي ذهب الى " أن معنى قضية ما ،هو طريقة تحقيقها وذلك بتوفر شروط للتحقيق تكون على اثرها قضية صادقة " (3) .ان التحقق عند شليك هو مطابقة معنى الجملة للواقع

 ،فإن تحققت فهي صادقة وإلا فهي كاذبة. " فتحديد معنى الجملة هو تحديد القواعد التى تنظم استعمال تلك الجملة ، وهو نفسه تحديد الطريقة التي نتحقق بواسطتها من صدق او كذب تلك الجملة/شليك 1936 . وبعبارة اخرى،فمعنى القضية هو طريقة التحقق منها من حيث الصدق او الكذب " (1) ،بهذا المعنى فإن هذه النظرية لايمكن تطبيقها على الجمل الإنشائية،بل فقط على القضايا أي الجمل الخبرية في النحو ،فقضية مثل " الثلج ابيض " يمكن أن تخضع لمعيار الصدق أو الكذب أي يمكن التحقق منها ،أما جملة أمرية ما  أو استفهامية أو طلبية … فلا يمكن أن توصف من خلال مفهوم التحقق. من هنا فإن أصحاب هذه النظرية قد وقعوا في سلطة النظرة الحسية للأشياء ، فخلطوا البحث في المعنى بصدق الجملة .وقد ذهب " أير " إلى أن تحقيق الجملة لايعني تحديدا تاما لمعناها بل هو مجرد تدعيم له ،قد يطابقه الواقع أو يخالفه .وفي نفس إطار هذه النظرية ،رأى " وايزمان " أنه ينبغي البحث عن مرادف يشرح معنى الجملة ،وإذا كان هذا المرادف يقوم بدوره في تحديد المعنى ، فإنه بالمقابل قد يضيف معنى زائدا على المعنى الأصلي . وقريبا من تصور " أير " نجد   جورج مور يؤكد أن تصور معنى الكلمة هو الاتيان بتصورات أخرى تكافئه منطقيا .

·        النظرية البراجماتية :تقترب هذه النظرية من نظرية الوضعية المنطقية وذلك لاشتراكهما في الملاحظة الحسية . يرى تشارلز بيرس رائد هذه النظرية أن تصورنا لشئ ما يتألف من تصورنا لأثاره العملية ، فمعنى الكهرباء مثلا هو ماتحدثه   وما تنتجه من فعل، فالطابع الوظيفي والبراجماتي هو الذي يحدد تصورنا حول الشئ   من هنا رأى بيرس أن التصورات التي لاتنتج عنها أثار عملية لامعنى لها . (2)

3-تاريخ علم الدلالة

من المعروف أن علم الدلالة علم حديث ،ظهر في أواخر القرن التاسع عشر،ولكن هذا لا يعني مطلقا أن التفكير الإنساني في مجال اللغة ، في العصور القديمة يخلو تماما من أي محاولات أو دراسات تهتم بالدلالة ،بل على العكس من ذلك نجد أن العصر القديم يزخر بمجموعة من الأعمال و الأبحاث التي تعد من صميم البحث الدلالي ،ذلك أن الإهتمام باللغة عموما و بالدلالة خصوصا بدأ منذ أن حصل للإنسان وعي لغوي.و من تلك الأبحاث و الدراسات ما نجده عند فلاسفة اليونان و اللغويين الهنود و العلماء العرب.

أ-عند اليونان  : لقد تعرض فلاسفة اليونان في بحوثهم و مناقشاتهم لموضوعات تخص الدلالة باعتبارها قضية ذات أهمية بالغة في التفكير الإنساني ،وتعتبر قضية العلاقة بين اللفظ و معناه من أهم   القضايا الدلالية التي دار حولها نقاش الفلاسفة،و قد   افترقوا إزاء هذه القضية إلى فريقين  :  

يرى الفريق الأول-و أشهرهم أفلاطون-أن العلاقة بين اللفظ و معناه علاقة طبيعية مبررة ،ذلك لأن "للألفاظ معنى لازما متصلا بطبيعتها،أي أنها تعكس -إما بلفظها المعبر و إما ببنية اشتقاقها-الواقع الذي تعبر عنه" (1) .

أما الفريق الثاني بزعامة أرسطو فيرى أن العلاقة بين اللفظ و معناه ،علاقة اصطلاحية غير طبيعية لأن"للألفاظ اصطلاحا   ناجما عن اتفاق و عن تراض بين البشر" (2).كما ميز أرسطو بين الكلام الخارجي و الكلام الداخلي الموجود في العقل ،ويعد هذا التمييز "أساس معظم نظريات المعنى في العالم   الغربي خلال العصور الوسطى " (3).

و في القرن الخامس الميلادي اهتم برقلس proklos "بالتغير الدلالي ،و حاول أن يربطه بالتغير الحضاري ،و لاحظ أن التغير الدلالي يتخذ   عدة أشكال منها المجاز و توسيع المعنى و تخصيصه "­ (4).

ب-عند الهنود  : إن قضية الدلالة نالت اهتماما كبيرا عند الهنود ،فقد اهتموا بالقضايا الدلالية في اللغة الهندية(السنسكريتية) في وقت مبكر ،خاصة و أن لغتهم هي السبيل لفهم كتابهم الديني(الفيدا)،و الحقيقة أن الهنود "ناقشوا معظم القضايا التي يعتبرها علم اللغة الحديث من مباحث علم الدلالة" (1).

ومن   أهم القضايا و المباحث الدلالية التي عالجها الهنود هناك  :

- نشأة اللغة  : فمنهم من قال أن اللغة هبة إلاهية و منهم من قال أنها من إنتاج   و اختراع البشر .

- علاقة الكلمة بمدلولها  : إن هذه القضية تعرض لها اللغويون الهنود و انقسموا إزاءها إلى فريقين، فريق يرى أن هناك علاقة طبيعية تربط الكلمة بمدلولها، و فريق يرى أن هذه العلاقة اصطلاحية و ليست طبيعية.

- أقسام الدلالة  :   بعد أن درس الهنود الأصناف المختلفة للأشياء التي تشكل دلالات الكلمة ، اهتدوا إلى وجود أربعة أقسام للدلالات تبعا لعدد الأصناف الموجودة في الكون  :

                        – قسم يدل على مدلول شامل و عام مثل   رجل

                        – قسم يدل على كيفية مثل طويل

                        – قسم يدل على حدث مثل جاء

                         - قسم يدل على ذات مثل محمد (2)

*أهمية السياق  :   لقد أعطى الهنود أهمية بالغة للسياق اللغوي، فهم يرون أنه"لا معنى للكلمة المنفردة إلا في العبارة".

ج-عند العرب  : من الملاحظ أن مؤرخي اللسانيات أغفلوا تلك المساهمات الرائدة للعلماء العرب في مجال البحث اللغوي ،و لولا هذه الغفلة أو الثغرة -كما يسميها الدكتور عبد السلام المسدي-"لكانت اللسانيات المعاصرة على غير ما هي   عليه اليوم،بل لعلها تكون قد أدركت ما قد لا تدركه إلا بعد أمد" (3)ويعتبر عامل الدين من أسباب هذه الغفلة ومنها أيضا أن نظرية العرب اللغوية لم تكن واضحة المعالم بشكل دقيق ، وإنما وردت موزعة  و مبثوثة   في خبايا التراث الحضاري العربي بمختلف أصنافه و مشاربه .

و الخلاصة أن الأمم اللاتينية استلمت "مشعل الحضارة الإنسانية من العرب ، في كل ميادين المعرفة تقريبا إلا في التفكير اللغوي " (1). و إذا كان مؤرخو اللسانيات كما قلنا قد أغفلوا مساهمات العرب الجليلة في البحث اللساني و منه البحث الدلالي ،فإن التاريخ على العموم حفظ بأمانة تلك المساهمات التي كان لبعضها السبق في مجال اللسانيات ،فكم من رأي قال به أحد القدماء العرب لا نجده في نظريات العالم الغربي إلا في العصر الحديث.

و يعتبر مبحث المعنى أو الدلالة، من المباحث  اللغوية التي حظيت بمكانة متميزة في التفكير العربي،والملاحظ أن العلوم اللغوية عامة تأثرت بعلوم الدين و خضعت لتوجيهاتها ،فالأعمال اللغوية و الدلالية الأولى كانت بوازع الدين ، ومنها تتبع معاني الغريب في القرآن الكريم و الحديث الشريف ،و البحث في مجاز القرآن ،ومن ذلك أيضا ضبط المصحف بالشكل،فهذا يعد في حقيقته عملا دلاليا لأن تغيير الضبط يؤدي إلى تغيير وظيفة الكلمة ،و بالتالي إلى تغيير المعنى (2) وكانت هذه الأعمال عامة تهدف   إلى فهم القرآن الكريم فهما صحيحا و الوعي بتعاليمه.

و من أولى الأعمال الدلالية كذلك عند العرب إنشاء الرسائل الدلالية و التي كانت بمثابة نواة لظهور العمل المعجمي المنظم خاصة مع الخليل ابن أحمد الفراهيدي في معجمه العين.

و عموما نجد أن الدراسات اللغوية و الدلالية عند العرب تفاعلت مع الدراسات الفقهية و الدراسات الفلسفية و المنطقية،   و بهذا أصبح من الصعب أن نحصر البحث الدلالي في حقل معين، فهو نتيجة " للتحاور بين المنطق و علوم المناظرة و أصول الفقه و التفسير و النقد الأدبي و البيان" (3). من أجل هذا سنحاول أن نقف بشكل عام   على مساهمات كل من اللغويين و البلاغيين و الأصوليين و الفلاسفة في مجال البحث الدلالي  :

1-    مساهمة اللغويين   : لقد اهتم اللغويون بالدلالة اهتماما كبيرا،فابن فارس في معجمه المقاييس حاول"ربط المعاني الجزئية للمادة بمعنى عام يجمعها" (1)و الزمخشري في معجمه أساس البلاغة فرق بين المعاني الحقيقية و المعاني المجازية ،كما ربط ابن جني تقلبات المادة الممكنة بمعنى واحد ، و الحقيقة أن ابن جني من خلال ما قدمه للبحث اللغوي يعد من زمرة أعظم العلماء الذين ساهموا مساهمة جليلة في هذا الميدان ،فهو قد طرق أبوابا   لا عهد للناس بها،و من ذلك حديثه عن أصول الاشتقاق و مناسبة الألفاظ للمعاني و منها أيضا تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني ،أي تقارب الدلالة لتقارب حروف اللفظ ،فابن جني يرى أن الألفاظ المتقاربة صوتيا تكون متقاربة في الدلالة و مثاله تؤزهم في قوله تعالى "ألم تر أنا أرسنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا " (2) يقول ابن جني "تؤزهم أزا  : أي تزعجهم و تقلقهم ،فهذا في معنى تهزهم هزا و الهمزة أخت الهاء ،فتقارب اللفظين لتقارب المعنيين" (3)

2-    مساهمة البلاغيين   : تمثلت بشكل واضح في دراستهم للحقيقة و المجاز و دراسة كثير من الأساليب البلاغية،وقد وصلت مساهماتهم ذروتها مع نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني بالإضافة إلى مجموعة من أرائه، سواء في كتابه أسرار البلاغة أو كتابه دلائل الإعجاز.

كما أن الجاحظ طرق في كتابيه البيان و التبيين و الحيوان عدة مباحث لها ارتباط وثيق بمبحث الدلالة،يقول في البيان والتبيين"لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه،و لايكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك"­ (4) . و قد تحدث عن تساوي القدر بين اللفظ و المعنى،يقول في هذا الصدد  : 

"و إنما الألفاظ على أقدار المعاني فكثيرها لكثيرها وقليلها لقليلها و شريفها لشريفها وسخيفها لسخيفها و المعاني البائنة بصورها و جهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة و الجهات الملتبسة" (1) .

وقد تحدث الجاحظ عن أصناف الدلالات و جمعها في خمسة أصناف،يقول"و جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ و غير لفظ ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد،أولها اللفظ ثم الإشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال التي تسمى نصبة…..ولعل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة عن صورة صاحبتها وحيلة مخالفة لحيلة أختها وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة ثم عن حقائقها في التفسير" (2)

ثم إن البلاغة عند الجاحظ تهدف إلى حسن الإبلاغ بوسائل مختلفة"ذات نسق تنظيمي محكم وهو بذلك يؤسس لمفاهيم لسانية و دلالية تتوخى الشمولية في التناول ، و منطلقاتها شروط التوصيل الدلالة كما يقصد إليها المتكلم ،مع وعي دقيق بأوضاع المستمع" (3) و يلخص الجاحظ كل هذا بقوله"و على قدر وضوح الدلالة و صواب الإشارة و حسن الإختصار و دقة المدخل يكون إطار المعنى " (4) .

3-أهل الأصول و الفلاسفة  : كان هم الأصوليين في دراسة المعنى هو استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية ،فكان اهتمامهم بالمباحث اللغوية ومنها الدلالية ناتج من طبيعة حقلهم الدلالي الذي يتطلب منهم الإلمام بجميع نواحي اللغة تقريبا،و هكذا نجدهم قد تعرضوا لعدد من المباحث الدلالية   في مؤلفاتهم منها،العلاقة بين اللفظ و المعنى و مبحث الحقيقة و المجاز و الاشتراك اللفظي و الترادف و العام و الخاص ،إلى غير ذلك من المباحث التي تعد من صميم البحث الدلالي.

فالإمام الشافعي في كتابه الرسالة أشار إلى طرق تخصيص الدلالة و تعميمها باعتبار القرائن اللفظية و العقلية ،يقول موضحا احتمال   مجيء اللفظ عاما أو خاصا  : "و رسول الله صلى الله عليه وسلم عربي اللسان و الدار،فقد يقول القول عاما يريد به العام و عاما يريد به الخاص" (1).كما حاول الشافعي من خلال كتابه المذكور أن يضع قواعد لفهم النص القرآني و تحديد دلالته المقصودة ، وقد أشار ذلك إلى أن اتفاق العبارات لا يعني اتفاق المدلولات ،كما نجد إشارات في رسالته تبين دور السياق في تحديد معنى اللفظ ،حتى أنه وضع بابا سماه"الصنف الذي يبين سياقه معناه" (2)

أما الإمام أبو حامد الغزالي فقد وضع عدة أسس لفهم معاني النص الشرعي ،و هذه الأسس و إن اختصت بالنص الشرعي فإنها يمكن أن "تطبق أيضا في معاني أي نص   غير شرعي ما دام مصوغاً في لغة عربية " (3) ، و قد تحدث الغزالي عن طرق تقسيم الدلالة فأجملها بقوله "و اللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته و منظومه أو بفحواه و مفهومه أو بمعناه ومعقوله وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا ، فهذه ثلاثة فنون.المنظوم و المفهوم و المعقول"­ (4)

- المنطوق  : ما دل   عليه اللفظ في محل النطق ،أي يكون الحكم للمذكور و حالا من أحواله ،فدلالة المنطوق هي دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام و نطق به .

- المفهوم  : دلالة المفهوم هي دلالة اللفظ على حكم   لم يذكر في الكلامو لم ينطق به ،و نميز في دلالة المفهوم بين مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.

- المعقول  : دلالة المعقول هي كل دلالة تستفاد من الخطاب عن طريق الاجتهاد العقلي في ضوء الكليات الشرعية.

و هذه هي طرق الدلالة عند المتكلمين من الأصوليين ،أما الحنفية فطرق الدلالة تنحصر عندهم في دلالة العبارة و دلالة الإشارة و دلالة النص و دلالة الاقتضاء،ولا داعي لتفصيل القول في هذه الطرق .

و كما كانت مساهمة أهل الأصول جليلة و أصيلة في مجال الدلالة ،فإن مساهمة الفلاسفة

لا تقل أصالة و دقة عن مساهمة الأصوليين،فالفارابي مثلا يسجل له اهتمامه بالألفاظ و دلالتها خصوصا على مستوى الصيغة الإفرادية،أو ما يسمى حديثا بالدراسة المعجمية ،يقول الفارابي"الألفاظ الدالة منها مفردة تدل على معان مفردة   ومنها مركبة تدل على معان مفردة…والألفاظ الدالة على المعاني المفردة ثلاثة أجناس  : اسم و كلمة(فعل) وأداة(حرف) ، و هذه الأجناس الثلاثة تشترك في أن كل واحد منها دال على معنى مفرد" (1) وعموما يمكن أن نجمل تعريف الفارابي للبحث الدلالي "بأنه الدراسة التي تنظم و تتناول الألفاظ و مدلولاتها ،و تتبع الخطاب و التعبير لتقنينه و تقعيده" (2)

و إلى جانب الفارابي هناك فلاسفة أغنوا البحث الدلالي بمساهماتهم ومنهم ابن سينا و ابن رشد و القاضي عبد الجبار،و غيرهم.

و عموما بحث العلماء العرب   باختلاف مشاربهم في الدلالة و أجمعوا إن شئنا القول على أنها هي "كون الشيء   الجرجاني

….

أما فيما يخص تقسيمها فهناك توافق و إجماع على تقسيمها إلى ثلاثة أقسام  : عقلية و طبيعية و وضعية.

أما الدلالة العقلية فهي"دلالة يجد العقل بين الدال و المدلول علاقة ذاتية ينتقل لأجلها منه إليه" (3) و مثالها دلالة الدخان على النار.

أما الدلالة الطبيعية فهي" دلالة يجد العقل بين الدال و المدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه" (4)  فمثلا نعرف عندما نسمع أحدا يقول"أه" أنه يتألم، فهي دلت دلالة طبيعية على الألم.

أما الدلالة الوضعية فهي الدلالة التي تنشأ عن طريق الاصطلاح والاتفاق بين أفراد الجماعة اللسانية بمعنى"جعل   شيء بإزاء شيء آخر بحيث إذا فهم الأول فهم الثاني" (5)

 و تنقسم هذه الدلالة إلى دلالة لفظية و غير لفظية كالإشارات و الخطوط و النقوش ، أما اللفظية فهي تنقسم هي   الأخرى إلى ثلاثة أقسام  : دلالة مطابقة و دلالة تضمن و دلالة التزام.

وهكذا تكتمل لدينا الصورة تقريبا، بوقوفنا ولو بشكل موجز على أهم الميادين المعرفية التي تناولت موضوع الدلالة في الحضارة العربية.إذ بات من الواضح أن مساهمة العرب في مجال البحث الدلالي ليست بالمساهمة السطحية و غير الدقيقة،بل على العكس من ذلك هي مساهمة عميقة و دقيقة و فعالة في هذا المجال قديما و حديثا،و إن هذه المساهمة لتستحق أن تفرد لها الكتب و تخصص لها الدراسات .

نشأة علم الدلالة الحديث : إن البحث في قضية الدلالة، قديم قدم الوجود الإنساني ، فمنذ أن حصل للإنسان وعي لغوي كما سبق الذكر وهو يبحث في علم الدلالة ، فكانت النتيجة مجموعة من   الأبحاث والدراسات القيمة التي تمس موضوع الدلالة ، لكن هذه الأبحاث لا تجعلنا نعتقد أن علم الدلالة – كعلم قائم بذاته – قديم هو الأخر ، ذلك أنه علم حديث وقد ظهرت أولياته وبوادره خلال القرن التاسع عشر في أعمال مجموعة من الباحثين أهمهم (1) :

·        ماكس مولر   Max Mullar  الذي صرح في كتابين له أن الكلام   والفكر متطابقان تماما (2) ­

·        رايزغ      KALL Raiziz   الذي نشر سنة 1839 كتابا عنون جزءه الثني ب sémasiologie  لكن علم الدلالة عنده ليس علم قائم بذاته و إنما هو إلى جانب التركيب والمورفولوجيا جزءا مكونا للنحو .

وإذا كانت هذه العمال التي أشرنا إليها مجرد أوليات فإن ظهور هذا العلم كدراسة علمية للدلالة وكعلم مستقل بذاته يعود في رأي معظم اللغويين ومؤرخي هذا العلم إلى الفرنسي ميشال بريال Michel Breal 1883 مقاله الشهير  Essai de sémantique  ، وكان أول من استعمل مصطلح Sémantique  للدلالة على علم خاص لدراسة المعنى وعرفه بالقوانين التي تسهر على تحول المعنى ، فموضوع علم الدلالة حسب بريال، هو البحث في التحولات التي تطرأ على معاني الكلمات، ومحاولة اكتشاف القوانين المتحكمة في هذه التحولات .

وفي سنة 1887 أصدر بريال كتاب( Essai de sémantique )وهو   تطوير للمقالة السابقة ، يقول في مقدمته: "إن الدراسة التي ندعو إليها القارئ هي نوع حديث للغاية بحيث لم تسم بعد، نعم، لقد اهتم معظم اللسانيين بجسم وشكل الكلمات، وما انتبهوا قط إلى القوانين التي تنتظم تغير المعاني، وانتقاء العبارات الجديدة والوقوف على تاريخ ميلادها ووفاتها، وبما أن هذه الدراسة تستحق اسماً خاصاً بها، فإننا نطلق عليها اسم "سيمانتيك" للدلالة على علم المعاني" . (1) .

وهكذا نشأ علم الدلالة وأصبح له كيانه الخاص كفرع من فروع اللسانيات ، وقد عرف هذا العلم في هذه المرحلة بما يسمى بعلم الدلالة التطوري أو التاريخي وهي المرحلة الأولى لمسار علم الدلالة عند اللسانيين ،حيث  شغل العلماء في هذه المرحلة بالأساس موضوع تغير المعنى و صور هذا التغير،و قد أجمعوا على أن لتغير المعنى أسباب عديدة يمكن حصرها في الأسباب اللغوية و التاريخية   والاجتماعية و الثقافية و النفسية و العقلية، وقد توصلوا بعد الدراسة إلى مجموعة من طرق و أشكال التغير الدلالي أهمها  : تخصيص أو تضييق الدلالة و تعميمها أو توسيعها و رقيها أو انحطاطها،إلى غير ذلك.

وقد توالى التأليف في مجال الدلالة بعد بريال بهدف تطوير الدرس الدلالي ، فالعالم السويدي Adolf Noreen  (1854-1925) خصص في كتابه " لغتنا " قدرا مهما لدارسة المعنى ، أما العلم نيروب   Kristof Myrop  فقد خصص مجلدا كاملا للتطور الدلالي من كتابه   " دراسة تاريخية لنحو اللغة الفرنسية " ، كما أن Gustaf stern  نشر دراسة عن المعنى وتطوره .أما صاحب المحاضرات السويسري فردناند ديسوسير فقد طرق عدة مباحث تعد من صميم البحث الدلالي، إذ خصص فصلا في كتابه للدلالة   تحدث فيه عن الدليل الغوي ومجموعة مسائل تتعلق بهذا الدليل كمسألة اعتباطية الدليل وخطية الدال والتحول والثبات….

وفي سنة 1923   ظهر كتاب " معنى المعنى" للأستاذين   أوجدن Ogden  وريتشارد Richard   وهو   كتاب غاية في الأهمية ، انتشر انتشارا كبير في الأوساط المعرفية عامة واللغوية على وجه الخصوص ، وقد حاول الأستاذان أن يضعا من خلاله نظرية للعلامات والرموز ، كما أنهم قدموا فيه ستة عشر تعريفا للمعنى وهذه التعريفات تمثل فقط أشهر التعريفات ، ذلك أنهم استثنوا كل التعريفات الفرعية للمعنى .

و إذا كان بريال قد دشن المرحلة الأولى من مراحل علم الدلالة أي المرحلة التاريخية فإن كتاب دي سوسير فتح الباب أمام مجموعة من الدارسين والباحثين الذين ساهموا كل بنصيبه في ميلاد المرحلة الثانية و هي مرحلة علم الدلالة البنيوي.

وفي أمريكا تم تسليم المعنى إلى غير اللغويين ، يقول جورج مونان «تجب الإشارة إلى أن اللسانيات البنيوية الأكثر تقدما قد حاولت ، ومنذ ثلاثين سنة ، أن تعمل تطبيقيا   ونظريا دون الرجوع إلى الدلالات Significations  وكنتيجة طبيعية لذلك تم إقصاء الدلالية   نظريا وتطبيقيا   من اللسانيات وسلم إلى علم النفس ( béhaviourisme ) والأنتروبولوجيا   الثقافية (المدرسة الأمريكية ) و المنطق (راسل ، كارناب …) وفي الواقع أحس اللسانيون بأن الدلالية تستعصي على كل بنية تم تطبيقها إلى حدود السنوات الأخيرة   » (1)   ، يتماشى هذا الموقف للسانيين البنيويين عامة مع موقف بلومفيلد في أمريكا   الذي خصص في كتابه " اللغة "   فصلا للدلالة، ليبين أن تحليل الدلالة تستعصي  على الدراسة العلمية ، فلا يمكن   أن تعالج الدلالة في إطار اللسانيات كما تعالج الأصوات ، فدراسة المعنى في نظر بلومفيلد تعتبر أضعف نقطة في الدراسة اللغوية  .

وإذا كان هذا هو ظاهر الأمر فيما يخص موقف بلومفيلد من المعنى ، فإن حقيقته غير ذلك ، فهذا العالم لم يخرج المعنى   من دائرة البحث اللساني كما فهم من كلامه ، فالذي وقع هو أن بعض الباحثين حملوا كلامه أكثر مما يحتمل وذهبوا به بعيدا عن قصد صاحبه ، والسبب أنهم خلطوا بين رأيه ورأي مريديه وأتباعه ، ومنهم من اختلط عليه الأمر فيما يخص المعنى الذي يرفضه بلومفيلد ، فهو لا يرفض   المعنى عامة ، وإنما المعنى عند أصحاب النظريتين الإشارية   والتصورية (1).

فالإشارية تربط المعنى بالموجودات الخارجية ، وهذا أمر مرفوض عنده ، لأنه يرى أنه لكي نعطي تعريفا دقيقا للمعنى حسب هذه النظرية علينا أن نكون على علم دقيق بكل شيء في عالم المتكلم ، وهذا طبعا ليس في مقدرة المعرفة الإنسانية .

أما التصورية فهي تربط المعنى بالأفكار الموجودة في عقول المتكلمين والسامعين ،و   بلومفيلد – كما هو معروف – عليه يركز على ما يمكن ملاحظته   ويشكك فيما دون ذلك من المصطلحات والمفاهيم الذهنية من قبيل : فكر- وعي –   تصور …

فهو إذن لا يهاجم المعنى عامة والدليل أنه قدم نظرية لدراسة المعنىنظرية هي النظرية السلوكية، ويكفي لتبرئة الرجل مما ينسب إليه أن ندرج هذا الخطاب المؤرخ ب 29 يناير 1945 ، أرسله إلى صديق له : «من المؤلم أن يكون الشائع أنني – أو أن مجموعة من اللغويين أنا من بينهم – لا أعطي اهتماما للمعنى ، أو أنني أهمله   أو أقوم   بدراسة اللغة دون المعنى . ببساطة كأن اللغة أصوات عديمة المعنى …. إنه ليس أمرا شخصيا فقط   هو الذي أشرت إليه ، وإنما هو حكم لو سمح بتطبيقه فسوف يعوق تقدم علمنا   بوضع تضاد متوهم بين الدارسين الذين يهتمون بالمعنى ، والآخرين الذين يتجاهلونه أو يهملونه . الفريق الأخير و كما أعلم – غير موجود » (2).

إذا كان العلماء في أمريكا خلال المرحلة البنيوية لعلم الدلالة قد أهملوا المعنى نسبيا ،فإن هذا الأمر قد تغير خلال المرحلة الثالثة من مراحل هذا العلم ،و هي المرحلة التوليدية ،التي انتصر فيها للمعنى بشكل واضح.

 

 

http://forum.kooora.com/f.aspx?t=18762328

 

اسألة لمادة المعجم والدلالة

 

اسألة لمادة المعجم والدلالة

(جامعة الملك عبدالعزيز)

 

نموذج (أ)

 

السؤال الأول: بيّن مع الأمثلة:

(أ) أنواع المشار إليه ذي الطبيعة غير اللغوية.

(ب) تعريف المعنى الإيحائي وخصائصه.

 

السؤال الثاني: عرف مع الأمثلة:

(أ) 1- الألوفون. 2- مورفيم الصيغة.

(ب) المعنى الرصفي وتأثيره في معاني الكلمات.

 

السؤال الثالث: هات أمثلة مشروحة لـ:

(أ)- حقلين مختلفين للقرابة.

(ب)- الخروج المسوغ على قاعدة الأسلوب، والخروج غير المسوغ على قاعدة الكيفية من قواعد غرايس Grice.

 

السؤال الرابع: بيّن مع الأمثلة المشروحة:

(أ)- حالتين مختلفتين لتغير المعنى لأسباب تاريخية.

(ب)- تغير الدلالة بسبب نقل الألفاظ لعلاقة المعاني.

 

السؤال الخامس: هات ما يلي مع الأمثلة المشروحة:

(أ)- تغير المعنى لأسباب نفسية.

(ب)- تغير المعنى بسبب رقي الدلالة (أربعة أمثلة).

 

 

**********************

اسألة لمادة المعجم والدلالة

( جامعة الجوف)

 

السؤال الأول: بين باختصار إسهام ُلغويين من العرب في البحوث الدلالية.

السؤال الثاني: بين المعنى الأسلوبي ممثلا له.

السؤال الثالث:

ا) تكلم عن السياق اللغوي مع ضرب الأمثلة.

ب) هات أمثلة لعلاقتي الرتبة والمجموعات الدورية من العلاقات المتنافرة في

السؤال الرابع: بين ما يلي:

ا) آراء الأصوليين في وقوع الاشتراك اللفظي في اللغة.

ب) اللهجات سبب من أسباب الترادف.

السؤال الخامس: هات مثالين مشروحين لما يلي:

ا) تطور المعنى بسبب توسيع الخاص.

ب) التعريف الاشتمالي.

نموذج (ب)

السؤال الأول: وضح:

أ) الجوانب اللغوية التي نحتاجها لتحديد معنى حدث كلامي.

ب) جهود عالمين لغويين في البحث الدلالي.

السؤال الثاني: تكلم عن:

أ) المعنى الإيحائي مبينا تأثيرين له.

ب) اعتراضين من الاعتراضات التي وجهت إلى النظرية السلوكية.

السؤال الثالث: بين:

أ) تعريف الحقل الدلالي ذاكرا مثالين للحقول الدلالية المشهورة.

ب) نوعين من علاقات مجموعات التنافر.

السؤال الرابع: هات أمثلة مشروحة:

أ) لتغييرات دلالية سببها تعميم (توسيع) المعنى

ب) تغير دلالي بسبب المجاورة

السؤال الخامس: هات مثالين مشروحين:

أ) لترادف بسبب التغيير الصوتي

ب) لتغيير دلالي بسبب انتقال الدلالة (مثالين)

السؤال السادس: وضح مع الأمثلة:

أ) التأصيل الاشتقاقي مبينا مظاهره وفائدته

ب) التعريف الاشتمالي.

نموذج (ج)

السؤل الأول:

(أ) ماهي الجوانب اللغوية التي يجب ملاحظتها لتحديد معنى الحدث الكلامي

(ب) بين مساهمات البلاغيين في علم الدلالة

السؤال الثاني: بين مع الأمثلة ما يلي:

(أ) المعنى الإضافي

(ب) اثنتين من الانتقادات التي وجت إلى النظرية الإشارية

السؤال الثالث: هات أمثلة للعلاقات التالية داخل الحقل الدلالي:

(أ) الجزء بالكل (ج) التضاد المتدرج

(ب) الاشتمال (د) تنافر في المجموعات الدورية

السؤال الرابع: هات أمثلة لما يلي:

(أ) ترادف سببه الاقتراض من لغات أخرى

(ب) تغييرات دلالية سببها تخصيص العام

السؤال الخامس: هات أمثلة لما يلي:

(ا) اشتراك لفظي سببه التغيير الصوتي

(ب) لحن للعامة سببه انتقال مجال الدلالة بسبب المشابهة

د.نموذج (أ)

السؤال الأول: بين مع الأمثلة:

(أ) أنواع المشار إليه ذي الطبيعة غير اللغوية.

(ب) تعريف المعنى الإيحائي وخصائصه.

السؤال الثاني: عرف مع الأمثلة:

(أ) ١- الألوفون. ٢- مورفيم الصيغة.

(ب) المعنى الرصفي وتأثيره في معاني الكلمات.

السؤال الثالث: هات أمثلة مشروحة ل:

(أ)- حقلين مختلفين للقرابة.

(ب)- الخروج المسوغ على قاعدة الأسلوب، والخروج غير المسوغ على قاعدة

.Grice الكيفية من قواعد غرايس

السؤال الرابع: بين مع الأمثلة المشروحة:

(أ)- حالتين مختلفتين لتغير المعنى لأسباب تاريخية.

(ب)- تغير الدلالة بسبب نقل الألفاظ لعلاقة المعاني.

السؤال الخامس: هات ما يلي مع الأمثلة المشروحة:

(أ)- تغير المعنى لأسباب نفسية.

(ب)- تغير المعنى بسبب رقي الدلالة (أربعة أمثلة

نموذج (ب)

السؤل الأول: وضح مع الأمثلة:

١- السياق اللغوي كأحد عناصر نظرية المعنى السياقية.

٢- المعنى الرصفي وتأثيره في معاني الكلمات.

السؤال الثاني: بين مع الأمثلة:

١- اثنتين من الانتقادات التي وجهت إلى النظرية السلوكية.

.Grice ٣- (أ) الخروج المسوغ على قاعدة الكمية من قواعد غرايس

(ب) الخروج غير المسوغ على قاعدة العلاقة.

السؤال الثالث: هات حالتين مختلفتين مع الأمثلة لكل مما يلي:

١- تغير المعنى لأسباب تاريخية.

٢- تغير المعنى لنقل الألفاظ بسبب التجاور المكاني.

السؤال الرابع: بين ما يلي:

١- المكونات الدلالية ل: عانس، جدي، خالة.

٢- تغير المعنى بسبب التخصيص (أربعة أمثلة).

السؤال الخامس

١- هات حقلين مختلفين للقرابة

٢- تكلم عن تغير المعنى لأسباب نفسية

(ج)

السؤل الأول:

(أ) تكلم عن اثنتين من مساهمات ابن فارس في علم الدلالة

(ب وضح اثنتين من الانتقادات الموجهة إلى النظرية السلوكية في المعنى

السؤال الثاني:

(أ) عرف المعنى الرصفي موضحا أمثلته وتأثيره في تغير الدلالة.

(ب) هات زوجين من الأمثلة مبينا اختلاف كل منهما في المعنى النظمي (البلاغي)

السؤال الثالث:

(أ) تكلم عن حالة واحدة من حالات تغير المعنى بسبب تشابه الألفاظ.

(ب) من طرق تغير المعنى المجاز باعتبار ما سيكون. بين ذلك بإيراد أربعة أمثلة.

السؤال الرابع:

من طرق تغير الدلالة تعميم المعنى. بين ذلك بذكر خمسة أمثلة مشروحة.

السؤال الخامس:

(ا) عرف الحقول الدلالية، ذاكرا عناصر حقلين دلاليين.

(ب) هات جدولين مختلفين لحقلي القرابة.

بحوث ومراجع في علم الدلالة

انظر في التعريف بعلم الدلالة بعض المراجع المتوفّرة، مثل:

- علم الدلالة بين النظر والتطبيق، أحمد نعيم الكراعين، المؤسسة الجامعية للدراسات-مجد-بيروت
- علم الدلالة عند العرب، عادل فاخوري، دار الطّليعة، بيروت
- علم الدلالة العربي بين النظرية والتطبيق، د.فايز الدّاية، دار الفكر-دمشق/دار الفكر المعاصر-بيروت، 1985
- علم الدلالة، بيير غيرو، ترجمة انطوان ابو زيد، منشورات عويدات، بيروت
- – علم الدلالة، بيير جيرو، ترجمة د.منذر عياشي، دار طلاس، بيروت 1992
- علم الدلالة، كلود جرمان، ترجمة نور الهدى لوشن، دار الفاضل-دمشق
- مقدمة الى علم الدلالة الالسني، هربرت بركلي، ترجمة قاسم المقداد، منشورات وزارة الثقافة-دمشق، 1990
- مدخل الى علم الدلالة، فرانك بالمِر، تعريب خالد محمود جمعة، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع-الكويت/ 1997
- علم الدلالة في الكتب العربية، دراسة لغوية في كتب التراث، أحمد حماد، دار القلم للنشر والتوزيع-دبي، 1986
- علم الدلالة السمانتيكية والبراجماتية في اللغة العربية، شاهر الحسن، دار الفكر، عمّان، 2002

مراجع في علم الدلالة

 

 

أنّ هناكَ صنفاً من المراجع يستحقّ بجدارةٍ أن يُدرَجَ في ميدان اللسانيات، أي أن يُعدّ مستوى من المستوياتِ التّحليلية في اللسانيات المعاصِرة

لأنّه يعرضُ للدّلالة باعتبارِها مستوى مركزيا في التحليل اللساني يتحكّم في باقي المستويات، أو باعتبارِها مستوى ثانويا مشتقا من مستوى مركزيّ أعلى هو المستوى التّركيبي

 

ويمكن أن نشيرَ إلى بعض النّماذج في هذا السياق مثل:

- دلالة اللغة وتصميمها [جاكندوف، شومسكي، فندلر] ترجمة: محمد غاليم، محمد الرحالي، عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، ط.1/2007م

- التوليد الدلالي فى البلاغة والمعجم، تأليف: محمد غاليم، تاريخ النشر 1987م. 

 

إحياء التراث والإفادَة من اللسانيات الحديثة

لتطوير الدّرس اللغوي العربي

 

منتدى مجالس الفصحى:

www.alfusha.net

 

 

 

 

 

 

 

"علم الدلالة" هو أحد فروع علم اللغة (أو اللغويات، أو اللسانيات) وهو من أهم هذه الفروع وأعقدها وأمتعها في آن واحد، وهو يبحث في المعنى الذي هو الوظيفة الرئيسية للغة.

تطور موضوع علم الدلالة عبر تاريخه الحديث. ففي بدايته كان محط اهتمامه هو البحث في أصل معاني الكلمات وطرق تطور تلك المعاني. وهذا المفهوم التصق بتعريف هذا العلم عند عدد من الدارسين، وقد كان هذا العلم مرتبطا في إطار الثقافة العربية والإسلامية قديماً بعلم المنطق والفلسفة إضافة لعلوم البلاغة، وفي الثقافة الغربية فقد ارتبط قديماً بعلوم البلاغة ولم ينفصل عنها إلا بعد أن جاء العالم اللغوي «ميشيل بريال». وقد أجمعت كل الدراسات في تعريفه على أنه دراسة لمعنى الكلمات، أو دراسة المعنى اللغوي على صعيد المفردات والتراكيب.

 

 

إلى جانب ما تفضل به الإخوة يسعدني أن أحيل الباحث على المراجع الآتية:

Clefs pour la sémantique: Georges mounin -seghers- 1975.

-La coreference: syntaxe ou sémantique: Gille Fouconnier- Paris

- Du sens: Essais semiotiques. E. d seuil A. J. GREIMAS

- Questions de sémantique: N. CHOMSKY. Trad Bernard cerquiglini

Sémantique linguistique: J.Lyons. trad: J.Durand Larousse 1990

-مدخل إلى الدلالة الحديثة عبد المجيد جحفة توبقال 2000

Théorie globale des descriptions linguistiques: Katz et Postal trad: Pollok

أما عن علم الدلالة فيمكن القول أن أصل تسمية La sémantique يعود إلى ميشال بريل Michel Breal) الذي جعله مقابلا لعلم الأصوات Phonétique. وقد كانت محاولته تلح على الإرتباط الوثيق بين المعنى واللغة، وإعلانا للقطيعة التي مكنت من التأشير على التحول الذي مس تاريخ العلاقات بين الفكر واللغة، ليصبح المعنى مكونا لغويا منذ سنة 1883م حين صدور مقال م.بريل M.Breal "القوانين الفكرية للغة"، وهو المقال الذي انتزع المعنى من الفلسفة والمنطق بعد أن ساد الإعتقاد بأن "نماذج الوصف أو التنظير للمعاني، معظمها مستعار من علوم أخرى سواء كانت فروعا للسانيات أو علوما أخرى كالبيولوجيا، والأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا" وقد تم توسيع هذا المقال وإصداره ضمن كتاب "محاولة في الدلالة" المنشور سنة 1897 والذي يقول عنه صاحبه "أرجو إذن من القارئ أن يعتبر هذا الكتاب مجرد مدخل بسيط إلى العلم الذي اقترحت تسميته بعلم الدلالة"(17) ومع ذلك فإن بريل M.Breal لم يتحدث عن القضايا الدلالية إلا في القسم الثاني منه الذي تناول بعض الظواهر المتعلقة بإشكال المعنى، كالتعدد الدلالي وتوسيع المعنى، والإستعارة وتقييد المعنى… أما بقية الفصول فتعددت ظواهرها، وغلبت فيها النزعة المقارنة على الدراسة.

 

بعد ذلك تعددت التعاريف التي تناولت المعنى كموضوع لعلم الدلالة الذي يعرفه لاينز Lyons بقوله «الدلالة هي دراسة المعنى» وهو بذلك يختلف عن تعريف بيير جيرو Pierre Guiraud الذي قيد المعنى بالألفاظ إذ قال "الدلالة هي دراسة معنى الألفاظ"والإثنان معا يختلفان عن التعريف الذي وضعه P.Lerot وهو يضيف للألفاظ، الجمل والملفوظات"(21). وهو التعريف الذي يعرف بالدلالة الشاملة لأنها تمتد إلى كل ظواهر المعنى، وتعين القواعد العامة التي تحدد التأويل الدلالي للملفوظات(22).

 

 

 

 

 

وعلم الدلالة هو حاصل تداخل العلوم وتساندها تنظيرا وممارسة، وهو في الوقت نفسه حاصل تطوره الذاتي منهجا وتصورا، إلا أنه لا يزال في حالة تطور. وقد عرفت اللسانيات ومناهج البحث الدلالي تطورا هائلا ومنه تعددت آفاق البحث ومناهجه في أميركا وأوروبا.

وهناك بحوث جليلة بذلت في سبيل تطوير الدرس الدلالي واستقلاله، من ذلك ماكتبه نيروب (Nyrop) عام 1913 م ، وما تعرّض له دي سوسير (De Saussure)، وما عمّقه دارسون تالون كفيرث(Firth ) و أولمان ( Ullman) و ليونز ( Lyons) و بالمير (Palmer) وغريماس (Greimas ) و غيرو (Guiraud) وغيرهم حتى أيامنا هذه ؛ مع الاعتراف بأنّ نشأة المصطلح الحديث (Sémantique) كانت من الفرنسية ومنها انطلقت إلى اللغات الأخرى بسرعة بالغة…

 

 

كلمة semantique تستعمل للدلالة على العلم الذي يدرس المعنى مهما تعددت جهات النظر إلى هذا المعنى،كما تستعمل صفة كأن أقول :حقل دلالي champ semantique أو مقولة دلالية categorie semantique أما استعمال مصطلح الدلالة غير مقترن بلفظة علم فذلك لايغير من المضمون شيئا،بصرف النظر عن بعض السياقات التي يرد فيها مصطلح الدلالة مرادفا للمعنى.وهو كما يبدو لي فيه كثير من التجاوز.وباستشارة المراجع المذكورة أعلاه وكذا كتابات القدامى وخاصة كتاب كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي يزول الإشكال الاصطلاحي.

والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

http://www.lissaniat.net/viewtopic.php?p=9923&sid=af7ddfddb8ef2e85087c14214a00b251

 

 

علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي – منقور عبد الجليل

 

علم الدلالـة أصوله ومباحثه في التراث العربي – منقور عبد الجليل – دراسة – من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2001

 

الباب الأول :مدخل نظري لعلم الدلالة مــدخل عام
الفصل الأول: علم الدلالة: النشأة والماهية
أولاً- نشأة علم الدلالة 1-نشأة علم الدلالة: المسار التطوري التاريخي:
ثانياً- ماهية الدلالة بين القديم والحديث
ثانياً: الدلالة في تعريفات العلماء المحدثين: (المصطلح والأبعاد) أو (الماهية والمشروع):
الفصل الثاني: مباحث علم الدلالة الحديث
المبحث الرابع: التطور الدلالي
الفصل الثالث: النظريات الدلالية الحديثة
الباب الثاني :الدلالـــة عند الآمــدي الفصل الأول: جهود العرب القدامى في الدراسات الدلالية
3-الجهود الدلالية عند ابن جني: (320هـ-392هـ)
الفصل الثاني: العلامة اللسانية عند الآمدي 1-مدخل عام
3-اعتباطية الدليل اللساني:
الفصل الثالث: الخـــطاب الإبلاغـــــــي
الفصل الرابع: الحقيقة والمجاز عند الآمدي
1-المصادر والمراجع العربية
المراجع الاجنبية

 

 

الدلالة عند اللغويين العرب

 

الدلالة عند اللغويين العرب

 

د.أيوب جرجيس العطية  من كتاب( اللغة العربية  1-4 ) لطلاب كلية الشريعة والقانون المطبوع في اليمن سنة 2006م

 

يجد المتتبع لقضايا الدلالة في التراث اللغوي العربي أن تناول المسائل الدلالية قد سار في اتجاهين :-

أحدهما :- اتجاه نظري تمثله الدراسات النظرية للعلاقات الدلالية بين المفردات ، حيث ظهر في وقت مبكر دراسات حول التضاد و الترادف و المشترك اللفظي وحول الحقيقة و المجاز و الخاص و العام في معاني الألفاظ . وأما الاشتقاق وهو الوسيلة الرئيسة لتوليد الألفاظ في اللغة العربية لتواكب مستحدث المعاني و الأفكار ، فكان وما يزال ينال الاهتمام في معظم المصنفات و الدراسات اللغوية قديماً وحديثاً . وإذا نظرنا في أمهات الكتب اللغوية كالخصائص لابن جني و الصاحبي في فقه اللغة لابن فارس وفقه اللغة وسر العربية للثعالبي ، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها للسيوطي ([1]) سنجد أن هذه القضايا قد شغلت مساحات واسعة في هذه المصنفات .

والآخر :- اتجاه تطبيقي ويتمثل في الأعمال المعجمية التي أصبحت تمثل تياراً لغوياً قوياً في الدرس اللغوي العربي ، حيث بدأت على شكل رسائل لغوية في غريب القرآن و الحديث ويغلب عليها التفسير اللغوي لألفاظها . وكتب الحيوان و النبات و اللهجات و الكتب التي تعني ببيان معاني الألفاظ الفقهية فضلا عن إلى معانيها اللغوية وكتب الدخيل و المعرب و النوادر ([2]) .

وقد تطورت فكرة الرسائل اللغوية على يد الخليل كما ظهرت في معجمه الشهير ( العين ) ثم توالى التأليف المعجمي بعد ذلك كما يظهر في اتجاهاته المختلفة .

وفيما يلي تعريف موجز بجهود علماء اللغة في تلك المسائل الدلالية .

 

أولاً :- تعدد المعنى

لقد بحث اللغويون مسألة تعدد المعنى ومشكلات العلاقات الدلالية بين الألفاظ بحثاً مستفيضاً ، وقسموا ألفاظ اللغة من حيث دلالتهُُُُا إلى أنواع هي :-

1-    المتباين : وهو أكثر اللغة ، وذلك أن يدل اللفظ الواحد على معنى   واحد .

2-    المشترك اللفظي : وهو أن يدل اللفظ الواحد على أكثر من معنى .

3-    المترادف : وهو أن يدل أكثر من لفظ على معنى واحد .

4-    التضاد : وهو أن يدل اللفظ الواحد على معنيين متناقضين .

وما يدخل تحت تعدد المعنى ويمثل مشكلة لغوية هو المترادف ، والمشترك اللفظي و التضاد .

 

أ- الترادف :-

ويعرفه العلماء بأنه ( الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد ) ([3]) ومن أمثلة   ذلك : الخلقة و السجية و الطبيعة و الغريزة و السليقة .

ومنه في أسماء العسل . الضَّرَب ، الشوب ، الورس ، الشَّهْد ، الشِّراب ، الغرب ،        والمزج ، والسلاف و الرحيق ….. الخ ([4]) .

وهذه الظاهرة بحثها اللغويون العرب ووقفوا منها موقفين متضادين فريق يؤيد وجودها في اللغة وفريق ينكره .

أما الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الترادف في اللغة فهي :-

 

1- اختلاف اللغات و اللهجات :-

فقد دخل اللغة العربية بعد الإسلام كثير من الكلمات الأجنبية بسبب الحاجة إلى ذلك فيحدث الترادف نتيجة استعمال الكلمة الأجنبية إلى جانب نظيرتها العربية التي تحمل الدلالة نفسها ومن ذلك مثلاً الألفاظ الآتية : الحرير مع السندس و الاستبرق ، اليم مع البحر ، الفردوس مع الجنة ، الصراط مع الطريق و السبيل .

كما أن اللهجات قد تتلاقى في استعمال ألفاظ مختلفة لمعنى واحد فيحدث نتيجة لذلك الترادف ، ومن ذلك المدية في قبيلة و السكين في قبيلة أخرى ووثب في قبيلة وقفز في قبيلة أخرى .

ولكن الرواة حينما سجلوا ألفاظ اللغة لم يشيروا إلى اختلاف اللهجات في استعمالها وإنما جمعوها في صعيد المترادفات .

2- المجاز :-

فقد تستعمل الكلمات استعمالاً مجازياً ثم تمر الأيام على تلك المجازات ويكثر استعمالها ، فتنسى الناحية المجازية فيها وتصبح معانيها حقيقية .

ومن أمثلة ذلك ترادف كلمتي الوغى و الحرب ، والوغى في الأصل اختلاط الأصوات في الحرب ثم تنوسي أصل الدلالة وأصبحت الوغى بمعنى الحرب .

3- اختلاط الأسماء و الصفات :-

فكثير من الكلمات كانت في الأصل صفات للمسمى الواحد في الأحوال المختلفة ، ولكن هذه الصفات تنوسيت على مر السنين وأصبحت الصفات تستعمل بمعنى الاسم وكأنها متردافات .

ومن ذلك مثلاً : السيف وهو الاسم ثم المهند و المشرفي ، واليماني ، والعضب ، والصفيحة ، والخشيب … الخ ، فهذه صفات تشتمل على فوارق معنوية في الأصل ولكنها بمرور الزمن استعملت وكأنها ترادف لفظ السيف .

 

ب- المشترك اللفظي :-

يقصد بالمشترك اللفظي أن يدل اللفظ على معنيين أو أكثر على التساوي .

ومن أمثلته ( العين ) فإن لها معاني كثيرة منها : الباصرة ، وعين الجيش الذي ينظر لهم ، والعين : النفس ، وهو أن يعين الرجل بمعنى أن ينظر إليه فيصيبه بعين ، والعين : الجاسوس ، والعين : الدينار وغير ذلك من المعاني الكثيرة  .

وقد ألف القدماء فيه كتباً كثيرة ومن ذلك : كتاب الوجوه و النظائر لمقاتل بن سليمان البلخي ( 150هـ) . و الوجوه و النظائر لهارون بن موسى الأزدي ( 170هـ) وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرد ، وكتاب المنجد في اللغة لكراع ، كما ألف في ذلك الأصمعي و اليزيدي وآخرون .

 

أما الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الاشتراك في اللغة فهي :-

1- اختلاف اللغات و اللهجات :-

فاللغة قد تستمد ألفاظاً من لغات أجنبية عنها ، وذلك على جانب ألفاظ أخرى موجودة فيها قد تتحد معها في الصيغة فينتج عن ذلك الاشتراك اللفظي ، ومثال ذلك كلمة ( الحُبّ ) بمعنى ( الوداد ) و الحِبُّ بمعنى الجَرّة الكبيرة التي يجعل فيها الماء ، والمعنى الأول من العربية و الثاني من الفارسية . وكذلك لفظ ( سور ) بمعنى حائط المدينة و الضيافة و المعنى الأول عربي و الثاني فارسي .

واختلاف اللهجات قد تكون سببا في وجود الاشتراك اللفظي فكلمة ( السيد ) تعني الذئب في لهجة طيء وعند هذيل تعني الأسد . وكلمة ( الألفت ) عند تميم تعني الأعسر وعند قيس تعني الأحمق . ومثل هذه الكلمات التي تنتمي إلى لهجات مختلفة ( تتشابه في نطقها ) وتتحد في معناها تعد سببا من أسباب وقوع الاشتراك اللفظي .

2- الاشتمال المجازي :-

أي انتقال الكلمة من الحقيقة إلى المجاز مثل كلمة ( العين ) التي هي في الأصل العضو المبصر ثم انتقلت إلى معان أخرى مجازية فأصبحت تدل على الجاسوس وعلى البئر ، وعين الميزان وثقب الإبرة … الخ .

ج- التضاد :-

يقصد بالتضاد استعمال اللفظ بمعنيين متضادين وهذه ظاهرة موجودة في جميع اللغات وذلك في العربية كـ(الجون ) للأبيض و الأسود ( و القرء ) للطهر و الحيض ( و الصريم ) لليل و الصبح ( و الند ) للمثل و الضد و ( الناهل ) للعطشان و الريان ….. الخ ([5]) .

أما العوامل التي تؤدي إلى نشأة هذه الظاهرة في اللغة فإنها تتشابه مع بقية العوامل الأخرى في ظاهرتي الترادف و المشترك و هي :-

اختلاف اللهجات حيث يستعمل اللفظ بمعنى في إحدى اللهجات وتستعمله لهجة أخرى بمعنى آخر .

ومن ذلك المجاز و التطور الصوتي  و الأسباب النفسية الاجتماعية التي يراعى فيها المخاطب كأن يطلق لفظ القافلة على الجماعة المسافرة ، و المفازة على الصحراء ، وعاقل على المجنون ، والأبيض على الأسود …. الخ

 

ثانياً :- الدلالة في المعجم

المعجم هو قائمة من الكلمات تشتمل على جميع ما يستعمله المجتمع اللغوي من مفردات .

ثالثاً :- التغير الدلالي

وقد تنبه اللغويون و الأصوليون لمسألة التطور في دلالات الألفاظ وأشاروا                  في ملحوظاتهم الدلالية إلى أن اللفظ قد تنتقل دلالته من الاتساع إلى الضيق أو العكس .

أو ينتقل المعنى عن طريق العلاقات المجازية فيعبر عنه بلفظ آخر بينه وبين اللفظ الأول سبب من الأسباب التي سموها بالعلاقات المجازية ، وأفاضوا في تفصيل أنواعها ، كما نبه اللغويون القدماء على هذه الظاهرة وأفاضوا في شرحها ، ويكشف عن ذلك ما عرضه السيوطي في الأبواب الثلاثة التي عقدها لمسألة التغير في المعنى وهي  :-

•العام و الخاص .

•الحقيقة و المجاز .

•الألفاظ الإسلامية .

وفي موضوع الحقيقة و المجاز يناقش اللغويون آثر المجاز في تطور دلالات الكلمات ، وقد بحث اللغويون في علاقات المجاز وهو أمر يكشف إدراكهم لقانون هام من قوانين تغير المعنى ، وهو ارتباط الحالة التي تنتقل إليها الكلمة بالحالة التي انتقلت منها .

ويتفاوت القدماء في حصر أنواع العلاقة بين محل الحقيقة و المجاز أي المدلول الأول للفظ و المدلول الثاني الذي انتقل إليه ، من ذلك :-

 

1- السببية : وهي إطلاق اسم السبب على المسبب ، أي العلة على المعلول كالتعبير عن العنب بالخمر في قوله تعالى : ] إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً  [.

2- المسببية : وهي إطلاق اسم المسبب على السبب ، كالتعبير عن المرض المهلك بالموت .

3- المشابهة : وهي تسمية الشيء باسم ما يشبهه في الصفة المعروفة ، كإطلاق الأسد على الشجاع أو إطلاق اسم الإنسان على الصورة المنقوشة في الحائط .

4- المضادة : وهي إطلاق اللفظ على ما يضاد ، كتسمية الصحراء المهلكة بالمفازة .

5- الكلية : وهو إطلاق اسم الكل على الجزء ، ويعد منه إطلاق العام على الخاص . ومثاله إطلاق الأصابع وغرادة بعضها في قوله تعالى : ]  يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [ (البقرة: من الآية19) .

6- الجزئية : وهي إطلاق اسم الجزء على الكل ، كإطلاق اسم الرقبة على العبد في قوله تعالى : ]  فَكُّ رَقَبَةٍ [ (البلد:13) .

7- الاستعداد : وهي أن يسمى الشيء المستعد لأمر باسم ذلك الأمر كتسمية الخمر وهي في الدن بالمسكر ، ويعبر عن هذه العلاقة بأنها إطلاق اسم الفعل على القوة أو تسمية باسم ما يئوب إليه .

8- المجاورة : وهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره ، كإطلاق ( الراوية ) على قربة الماء ، و الأصل في الراوية ( الدابة التي تحمل الماء ) .

ويشتمل التجوز في التراكيب الزيادة : كقوله تعالى : ] لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ (الشورى: من الآية11) ، الكاف زائدة ، والحذف كقوله تعالى : ]  وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [(يوسف: من الآية82) ، أي أهل القرية .

و المجاز في التركيب يسمى المجاز الإسنادي أو المجاز العقلي وذلك في مقابلة المجاز المفرد المعروف بالمجاز اللغوي .

وعلاقات المجاز العقلي هي : الملابسة ، وذلك بأن يسند الفعل إلى غير ما هو له أصالة كقوله تعالى عن فرعون ( يذبح أبناءهم ) فنسب الذبح إلى فرعون وهو فعل أعوانه لكونه آمرا به ، ومنها الزمانية و المكانية  و المصدرية .

ويشمل المجاز المفرد اللغوي ما عرف بالاستعارة و الكناية ، والاستعارة بدورها تنقسم إلى : التصريحية و المكنية .

وفي المجاز المفرد تنقل دلالة اللفظ الأصلي إلى لفظ آخر لعلاقة بينهما كقولنا ( الأسد ) للرجل الشجاع ، لعلاقة المشابهة .

 

وقد ذكر القدماء الأسباب التي تؤدي إلى وقوع المجاز وهي :-

1- ثقل لفظ الحقيقة لصعوبة نطقه على اللسان فلفظ ( الخفنقيق ) بمعنى الداهية أو المصيبة يعدل عنه لنقله إلى لفظ يكون سهلا على الناطق ، وبينه وبين معنى اللفظ السالف علاقة . وكلفظ ( الموت ) مثلاً يقال : وقع في الموت ، وهو يريدون مصيبة شديدة وهو سبب صوتي يؤثر بلا شك في هجر استعمال بعض الألفاظ . واستعمال ماله دلالة على معنى الكلمة نفسها ،  أو ما هو قريب منها ، فإذا استعمل القريب منها للدلالة على معناها فهو المجاز ، وهو بالتالي ذو أثر في التغير الدلالي وفي حياة بعض الألفاظ وموت أخرى .

2-  أن يكون معناها حقيراً ، فيعدل عن لفظ الحقيقة إلى لفظ مجازي كالتعبير بالغائط عن عملية التبرز أو قضاء الحاجة ، والأصل في الغائط  ( المكان المنخفض من الأرض ) .

3-  أن يتحقق باستعمال المجاز شيء من البديع لا يتحقق بلفظ الحقيقة كالمجانسة و المقابلة و السجع ووزن الشعر .

4-  أن يكون في المجاز تعظيم كقولك لمن تخاطبه معظماً : سلام على المجلس العالي ، فإن فيه تعظيماً بخلاف قولك سلام عليك .

وقد يكون في المجاز تقوية للمعنى كقولك : رأيت أسدا يقاتل ، ففيه من القوة ما ليس في قولك : رأيت رجلا يشبه الأسد في الشجاعة .

وقد حدد اللغويون المعالم التي يمكن في ضوئها الاهتداء إلى الفصل بين الحقيقة و المجاز ومعرفة الطرائق التي تعود إلى كون اللفظ المستعمل من الحقيقة أم من المجاز ، وواضح أن ما ورد من ملاحظات عن تطور الاستخدام الدلالي للألفاظ من الحقيقة إلى المجاز هو من صميم ما عرف في عالم المعنى بالتطور الدلالي .

أما الأمر الثالث في ملحوظات اللغويين القدماء عن التغير الدلالي فهو الذي أورده اللغويون عند الحديث عن تطور دلالات بعض الألفاظ الإسلامية ([6]) .

وقد كانت ملاحظات أبي حاتم الرازي حول مسالة تطور دلالات بعض الألفاظ من أكثر الملاحظات أهمية . فقد جمع الرازي في كتابة ( الزينة ) ما يزيد عن أربعمائة لفظ اشتملت على بعض الأسماء التي وردت في القرآن و الألفاظ التي اصطلح عليها المسلمون وذكر معانيها ومدلولاتها الجاهلية و الإسلامية واستشهد على ذلك بالشعر المعروف وأراد فيها ما روى علماء العربية ، وأهل التفسير في تفسير كل كلمة .

وحاول الرازي أن يفسر معاني الكلمات التي تغيرت مدلولاتها في العصر الإسلامي عما كانت في العصر الجاهلي ، وإن لم تكن مفهومة عند العرب قبل الإسلام ثم يسير إلى أن يشرحها كما وردت في القرآن و الحديث ويورد فيها آراء اللغويين و النحويين المتقدمين ، وأحياناً نراه لا يراعي هذا التسلسل الزمني ، بل يبدأ بمدلولها الإسلامي ويستشهد بالقرآن و الحديث قبل أن يحتج بالشعر و اللغة ، وكثيراً ما يفسر الكلمات تفسيراً لغوياً صرفاً يأتي باشتقاقاتها ومعانيها ، ولا يهدف فيه إلى معنييها الجاهلي والإسلامي .

وتجدر الإشارة إلى أن الرازي قد صنف كلماته فيما يشبه الحقول الدلالية ، وهي التي تجمع كلمات ذات قرابة ، وذلك لأنه بدأ بأسماء الله تعالى ثم بالقضاء ثم بالجنة وصفاتها و النار وصفاتها …. الخ وفيها عالج كلمات ذات قرابة ، مثل : النار ، الصراط ، الأعراف ، الثواب ، و العقاب ، الإثم و الوزر .

ومن ذلك اسم منافق لمن راءى بالإسلام واستتر بالكفر ، أخذ ذلك من النافقاء و القاصعاء و الداماء ( أسماء جحر اليربوع ) .

ومثل الشرك والكافر، ومثل التيمم ، قال تعالى : ]  فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [ (النساء: من الآية43) ، أي تحروا ذلك وتوخوه وقال تعالى : ]  فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [ (المائدة: من الآية6) ، فكثر في هذا الكلام حتى صار التيمم هو المسح نفسه ، وكذلك عادتهم وصنيعهم في الشيء إذا طالت صحبتهم وملابستهم له .

ومن ذلك النجو : وذلك أن الرجل إذا أراد قضاء الحاجة تستر بنجوة ، والنجو الارتفاع من الأرض ، قالوا من ذلك : ذهب ينجو . كما قالوا ذهب يتغوط ثم اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضوع النجو : قد استنجى .

ومن ذلك العذرة ، وإنما العذرة الفناء، والأفنية هي العذرات ولكنه لما طال إلقاؤهم النجو و الزبل في أفنيتهم سميت تلك الأشياء التي رموا بها باسم المكان التي رميت به وفي الحديث ( اتقوا عذراتكم) . وقال ابن الرقيات :

رحم الله أعظما دفنوها

 بسجستان طلحة الطلحاتِ

كان لا يحجب الصديق ولا

 يعتل بالبخل طيب العذرات

 

ولكنهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها .

من قضايا المعنى ( التطور الدلالي )

أشرنا إلى أن العرب قد أدركوا مسألة تغير المعنى وتدل ملاحظاتهم حول المجاز وكلمات مثل الصلاة و الحج والنفاق على أنهم قد تحدثوا عن جانب من هذه المسألة ولكن تلك الملاحظات الدلالية لم ينتظمها منهج معين .

وفي علم الدلالة الحديث نالت قضية تغير المعنى حظاً كبيراً من عناية اللغويين ، وقد بحث هؤلاء في صور تغير المعنى وأسباب ذلك التغير و العوامل التي تتدخل في حياة الألفاظ أو موتها .

 

أسباب تغير المعنى :-

ذكر بعض العلماء أن أسباب تغير المعنى ترجع إلى ثلاثة أسباب ، إمّا لغوية أو تاريخية أو اجتماعية . ولخص بعضهم  هذه الأسباب فيما يأتي :-

 

1- ظهور الحاجة :-

حينما يملك المجتمع اللغوي فكرة أو شيئاً يريد أن يتحدث عنه فإنه يمثله بمجموعة من الأصوات في معجم اللغة .

وقد يكون هذا التمثيل عن طريق الاقتراض من مصدر خارجي أو عن طريق وضع لفظ جديد على طريقة كلمات هذه اللغة ، وهذان النوعان ليس لهما صلة بتغير المعنى . ولكن هناك وسيلة ثالثة تعد من هذا الباب وهي أن يلجأ أبناء اللغة إلى الألفاظ القديمة ذات الدلالة المندثرة فيحيوا ([7]) بعضها ويطلقوه على مستحدثاتها ملتمسين في هذا أدنى ملابسة ، وهكذا نجد أنفسنا أمام كم هائل من الألفاظ القديمة في صورة جديدة الدلالة .

ومن أمثلة ذلك الكلمات : مدفع ، دبابة ، سيارة ، قاطرة ،  ثلاجة ، سخانة ،  مذياع ، ذبذبات ، تسجيل ، جرائد ، صحف ، وغير ذلك من الألفاظ التي أحياها الناس ، أو اشتقوها ، وخلعوا عليها دلالات جديدة تطلبتها حياتهم الجديدة ، وتتم هذه العملية عن طريق الهيئات و المجامع اللغوية ، أو قد يقوم بها بعض الأفراد الموهوبين في صناعة الكلام كالأدباء و الكتاب و الشعراء ، ثم تفرض تلك الألفاظ في وضعها الجديد على أفراد المجتمع بالتداول و التعامل بها .

2- التطور الاجتماعي و الثقافي :-

وهذا السبب يظهر في صور مختلفة ، منها :

 

أ‌- فقد يكون في شكل الانتقال من الدلالات الحسية إلى الدلالات التجريدية نتيجة لتطور العقل الإنساني ورقية .

وانتقال الدلالات من المجال المحسوس إلى المجال المجرد يتم عادة في صورة تدريجية ، ثم  قد تنزوي الدلالات المحسوسة وقد تندثر وقد تظل مستعملة جنباً مع الدلالات التجريدية لفترة تطول أو تقصر .

ب‌- وقد يكون في شكل اتفاق مجموعة فرعية ذات ثقافة مختلفة على استخدام ألفاظ معينة في دلالات تحددها تماشياً مع الأشياء و التجارب و المفاهيم المناسبة لمهنها وثقافتها ، وقد يؤدي هذا إلى نشوء لغة خاصة ، ولا شك أن شدة الاتصال بين أفراد هذه الجماعة ، وبينها وبين أفراد الجماعات الأخرى من المجتمع الكبير سيقضي على صعوبة إفهام الآخرين وتعاملهم مع المدلول الجديد .

وقد حدث هذا مثلاً بالنسبة للكلمات الدينية كالصلاة والحج و الزكاة و الوضوء و التيمم . ويمكن القول على وجه العموم : إنّ الاتجاه في مثل هذه الحالات يميل نحو التضييق في معنى الكلمة حين تنتقل من الاستعمال العام إلى المجالات المتخصصة .

ت‌- وقد يكون في شكل استمرار استخدام اللفظ ذي المدلول القديم وإطلاقه على مدلول حديث للإحساس باستمرار الوظيفة رغم الاختلاف في الشكل .

ومن ذلك كلمة ( بيت ) في العربية التي ما تزال تطلق على الشكل الحديث رغم تغيره عن القديم

 

3- المشاعر العاطفية و النفسية :-

تحظر اللغات استعمال لبعض الكلمات لما لها من إيحاءات مكروهة أو لدلالتها الصريحة على ما يستقبح ذكره ، وهو ما يعرف باللامساس Taboo ولا يؤدي اللامساس إلى تغير المعنى ولكن يحدث كثيراً أن المصطلح البديل يكون له          معنى قديم ، مما يؤدي إلى تغير دلالة اللفظ ، فكان اللامساس يؤدي إلى التلطف في العبير . وهو في الحقيقة إبدال الكلمة الحادة بكلمة أقل حدة وأكثر قَبولاً . وهذا التلطف هو السبب في تغير المعنى .

 

4- الانحراف اللغوي :-

قد ينحرف مستعمل الكلمة بالكلمة عن معناها إلى معنى قريب أو مشابه له فيعد من باب المجاز ، ويلقى قَبولاً من أبناء اللغة بسهولة، وقد يكون الانحراف نتيجة سوء الفهم أو الالتباس أو الغموض ، وحينئذٍ يتصدى له اللغويون بالتقويم و التصويب ، وغالباً ما يكون محل رفض منهم ، وحتى لو قبلته الجماعة اللغوية وجرى على ألسنتهم ([8]) .

ويحدث سوء الفهم حين يصادف المرء اللفظ الأول فيخمن معناه وقد ينتهي به التخمين إلى دلالة غريبة لا تكاد تمت إلى ما في ذهن المتكلم بأي صلة ، وحين يتكرر الانحراف من أكثر من شخص قد يؤدي هذا إلى تطور اللفظ تطوراً مفاجئاً يرثه الجيل الناشئ ويركن إليه .

ومن أمثلة ذلك كلمة ( الأرض ) التي تحمل دلالات عدة متباينة فهي الكوكب المعروف وهي الزكاة والرعدة ، ومثل ( الأسد ) الذي يعني الليث ويعني العنكبوت .

ويعد الأطفال كذلك أحد الأمثلة البارزة للانحراف اللغوي خصوصاً وأنهم يغلبون جانب الشكل على جانب الوظيفة ، فقد يطلق الطفل على الفأس و المطرقة لفظ ( قدوم ) . وقد يطلق على ( الكنبة ) لفظ سرير ….. وهكذا .

 

5- الانتقال المجازي :-

وعادة ما يتم بدون قصد، بهدف سد فجوة معجمية . وقد يحدث بمرور الوقت أن يشبع الاستعمال المجازي فيصبح للفظ معنيان ، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه .

 

6- الابتداع :-

ويعد الابتداع Innovation من الأسباب الداعية لتغير المعنى ، وكثيراً ما يقوم به أحد صنفين من الناس :-

 

أ‌- الموهوبون من أصحاب المهارة في الكلام كالشعراء و الأدباء، وحاجة الأديب إلى توضيح الدلالة، أو تقوية أثرها في الذهن هي التي تحمله على الالتجاء إلى الابتداع .

ب‌- المجامع اللغوية والهيئات العلمية حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرة أو مفهوم معين وبهذا تعطي الكلمة معنى جديداً يبدأ أول الأمر اصطلاحياً ثم يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك كلمة Root التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي .

 

أشكال تغير المعنى :-

حاول رجال القواعد وعلماء البلاغة جاهدين منذ أرسطو أن يخضعوا تغيرات المعنى لشيء من التنظيم و التعقيد، غير أنهم حصروا جهودهم قروناً طويلة في تصنيف المجازات لأسباب جمالية أو أسلوبية .

وحين انتقل الأمر إلى علماء اللغة حاولوا تنظيم البحث عن عمليات انتقال دون حساب لمضموناتها الأدبية .

 

وقد كانت الأنواع التي توصل غليها اللغويون هي :-

 

1- توسيع المعنى :-

يقع توسيع المعنى عندما يحدث الانتقال من معنى خاص إلى معنى عام ، ويعني ذلك أن يصبح عدد ما تشير إليه الكلمة أكثر من السابق ، أو يصبح مجال استعمالها أوسع من قبل . ومن أمثلة ذلك استعمال الطفل ( تفاحة ) لكل الأشياء المستديرة .

وكلمة Salary التي تعني مرتب الجندي فقط ، وقبل ذلك كانت تعني حصة الجندي من الملح .

وكلمة Picture كانت تطلق على اللوحة المرسومة ، والآن امتدت لتشمل الصور الفوتوغرافية .

 

2- تضييق المعنى :-

تضييق المعنى أو تخصيصه يعني تحويل الدلالة من المعنى الكلي إلى المعنى الجزئي أو تضيق مجالها ، وعرفه بعضهم بأنه تحديد معاني الكلمات وتقليلها .

 

ومن أمثلة ذلك كلمة ( حرامي ) هي في الحقيقة نسبة إلى الحرام ، ثم تخصصت دلالتها، واستعملت بمعنى (اللص) .

 

وكلمة (الحريم) كانت تطلق على كل محرم وأصبحت الآن تطلق على النساء وكلمة Poison الإنجليزية كانت تعني الجرعة من أي سائل و لكن الذي حدث هو أن الجرعات السامة دون غيرها هي التي استرعت الانتباه واستأثرت به لسبب أو لآخر ، وبهذا تحدد مدلول الكلمة مقصورا على أشياء تقل في عددها عما كانت عليه .

 

3- نقل المعنى :-

ويكون الانتقال عندما يتعادل المعنيان أو إذا كانا لا يختلفان من جهة العموم و الخصوص ، كما في حالة انتقال الكلمة من المحل إلى الحال أو من المسبب إلى السبب أو من العلاقة الدالة إلى الشيء المدلول عليه …. الخ أو العكس . وانتقال المعنى يتضمن طرائق شتى مثل الاستعارة وإطلاق البعض على الكل ، وهو المجاز المرسل بشكل عام .

وعلى هذا يكون الفرق بين هذا النوع و النوعين السابقين ، كون المعنى القديم أوسع أو أضيق من المعنى الجديد في النوعين السابقين ، وكونه مساوياً في النوع الحالي .

ومن أمثلة نقل المعنى الكلمة (شنب) التي كانت في القديم تطلق على جمال الثغر وصفاء الأسنان وهي في الاستعمال الحديث بمعنى الشارب ، وكلمة ( السفرة ) كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر وهي في الاستعمال الحديث المائدة وما عليها من الطعام، وكان طول اليد يعرف بالسخاء فأصبح يوصف به السارق .

ومن أشكال انتقال المعنى ما يعرف باسم (انحطاط المعنى) أو (ابتذاله)، وعكسه (رقي المعنى) وقد يتردد معنى الكلمة بين الرقي و الانحطاط في سلم الاستعمال الاجتماعي ، بل تصعد الكلمة الواحدة إلى القمة وتهبط إلى الحضيض في وقت واحد .

 

والأمثلة على ذلك ما يلي :-

1- اللقب ( أفندي ) : المأخوذ من التركية كان له خلال القرن التاسع عشرالميلادي مركز هام ومكان مرموق ثم انحط قدرة على توالي الأيام ، وصار الآن ذا قدر تافه ، ومثل هذا كلمة ( حاجب ) التي آلت إلى المعنى التافه الذي تدل عليه الآن .

 

2- كلمة ( رسول ) : كان معناها الشخص الذي يرسل في مهمة ما ، ثم صار لها هذه الدلالة السامية التي نعرفها اليوم .

 

وكلمة ( Knight ) التي كانت في القرون الوسطى تعبر عن مركز مرموق وكانت قبل ذلك تعني ( ولد خادم ) .

 

4- المبالغة :-

عُدَّ بعض اللغويين المبالغة من أشكال تغير المعنى ، وعدها مسئولة عن تلك الشعارات المذهبية والاصطلاحات الخادعة التي تستغلها أجهزة الدعاية حتى أنها لا تلبث أن تؤدي إلى عكس المقصود منها .

كما في قولك هو سعيد بشكل مخيف ، ورائع بكل بساطة ، ومثل هذه التعبيرات سرعان ما تفقد جدتها وقوة التعبير عنها حتى تصبح مبتذلة بالية ، ثم تخلفها وتحل محلها تعبيرات أخرى .

 

نظرية السياق :-

وهذه النظرية تقوم على أساس أن معنى الكلمة هو ( استعمالها في اللغة ) أو الطريقة التي تستعمل بها أو الدور الذي تؤدية ، ولهذا لا ينكشف المعنى إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية أي وضعها في سياقات مختلفة ويقوم أصحاب هذه النظرية في شرح وجهة نظرهم معظم الوحدات الدلالية تقع في مجاورة وحدات أخرى ، أو، معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها .

وعلى هذا الأساس فدراسة معاني الكلمات تتطلب تحليلا للسياقات و المواقف التي ترد فيها حتى ما كان منها غير لغوي ، ومعنى الكلمة على هذا يتعدد تبعاً لتعدد السياقات التي تقع فيها أو بعبارة أخرى تبعاً لتوزيعها اللغوي .

 

أما السياق اللغوي فيمكن التمثيل له بكلمة ( حسن ) في العربية ، التي تقع في سياقات متنوعة وصفا لــ :-

 

1-          أشخاص ( رجل ، امرأة ، ولد ….. ) .

2-          أشياء مؤقتة ( وقت ، يوم ، حفلة ، رحلة …. ) .

3-          مقادير ( ملح ، دقيق ، هواء ، ماء …. ) .

فإذا وردت في سياق لغوي مع كلمة ( رجل ) كانت تعني الناحية الخلقية ، وإذا وردت وصفا لطبيب مثلا كانت تعني التفوق في الأداء وليس الناحية الأخلاقية ؛ وإذا وردت وصفا للمقادير كان معناها الصفاء و النقاوة .

كما يمكن التمثيل للسياق اللغوي بكلمة ( يد ) التي ترد في سياقات متنوعة  منها :-

1-          أعطيته مالا عن ظهر يد .

2-          هم يد على من سواهم .

3-          يد الفأس .

4-          يد الدهر .

5-          يد الطائر .

6-          بعته يدا بيد .

7-          يد الريح .

8-          ثوب قصير اليد .

9-          فلان طويل ليد .

10-     سقط في يده .

11-     حتى يعطوا الجزية عن يد .

12-     إن بين يدي الساعة أهوالا .

وأما السياق العاطفي فيحدد درجة القوة و الضعف في الانفعال مما يقتضي تأكيدا أو مبالغة أو اعتدالا . فكلمة Love في الإنجليزية غير كلمة Like رغم اشتراكهما في أصل المعنى . وكلمة ( يكره ) العربية غير كلمة ( يبغض ) رغم اشتراكهما في أصل المعنى .

و أما سياق الموقف ، فيعني الموقف الخارجي الذي يمكن أن تقع فيه الكلمة ، مثل استعمال كلمة ( يرحم ) في مقام تشميت العاطس ( يرحمك الله ) ( البدء بالفعل ) ، وفي مقام الترحم بعد الموت ( الله يرحمه ) ( البدء بالاسم ) فالأولى تعني طلب الرحمة في الدنيا و الثانية طلب الرحمة في الآخرة ، وقد دل على هذا سياق الموقف إضافة إلى السياق اللغوي المتمثل في التقديم و التأخير .

و أما السياق الثقافي فيقتضي تحديد المحيط الثقافي أو الاجتماعي الذي يمكن أن تستخدم فيه الكلمة ، فكلمة ( عقيلته ) تعد في العربية المعاصرة علامة على الطبقة الاجتماعية المتميزة بالنسبة لكلمة ( زوجته ) مثلاً ، وكلمة ( جذر ) لها معنى عند المزارع ، ومعنى ثان عند اللغوي ، ومعنى ثالث عند عالم الرياضيات .

وقد كان للعملاء العرب جهود في العناية بدلالة السياق على المستويين النظري و العملي إذ أشاروا إلى أهمية السياق ووظفوه في دراسة النصوص وتحليلها .

 

ويتّضح ذلك عند المفسرين والأصوليين ، فقد اشترطوا فيمن يتصدّى لتفسير القرآن الكريم وتأويله شروطاً لها علاقة بالسياق اللغوي و الحالي وهي العلم بأسباب النزول و الناسخ و المنسوخ ، وعلى المفسر أن يراعي السياق اللغوي فسيتحضر النص القرآني عند تفسير بعضه .ومعنى أسباب النزول في ملابسات النص وكل ما يحيط به وهي من أهم مكونات سياق الحل . ومعرفة السياق تقتضي المعرفة بألفاظ العربية ودلالالتها وهذه المعرفة ضرورية للمفسر و إلا فلا يحلّ له الإقدام على تفسير كتاب الله .

وأما الأصوليون فكانوا أسبق من غيرهم في التصريح بمصطلح السياق وتحديد مفهومة . وقد استثمروا دلالة السياق في استنباط الأحكام الشرعية وجعلوها أصلاً مهماً في فهم النصوص الشرعية .

مثال يوضح ضرورة اعتداد ( المقام ) في تحديد المعني الدلالي . من المعلوم أن                   ( يا ) من حروف النداء وأن كلمة ( سلام ) اسم من أسماء الله تعالى وهي كذلك ضد الحرب . فإذا أخذنا بالمعنى الوظيفي لأداة النداء و المعنى المعجمي لكلمة ( سلام ) حين ننادي ( يا سلام ) فإن المعنى الحرفي أو المقالي أو ظاهر النص أننا ننادي الله سبحانه وتعالى لا أكثر ولا أقل . ولكن هذه العبارة صالحة لأن تدخل في مقامات اجتماعية كثيرة جدا ومع كل مقام منها تختلف النغمة التي تصحب نطق العبارة فمن الممكن أن تقال هذه العبارة في مقام التأثر وفي مقام التشكيك وفي مقام السخط وفي مقام الطرب وفي مقام التوبيخ وفي مقام الإعجاب وفي مقام التلذذ وفي مقامات أخرى كثيرة غير ذلك ، وظاهر النص في عبارة ( السلام عليكم ) أنها تحية إسلامية يجاب عليها بأحسن منها أو مثلها . ولكن هذه العبارة بذاتها قد تتحول إلى معنى المغاضبة فقد يطول النقاش بينك وبين إنسان في موضوع ما ويتمسك كل منكما براية فحين تيأس من إقناع صاحبك . وتريد أن تعلن له عن انتهاء المقابلة بالمغاضبة تولية ظهرك منصرفا وتشير بيديك إشارة الذي ينبذ شيئاً وراء ظهره من فوق كتفه وتقول مع هذه الإشارة ( السلام عليكم ) وتذهب مغاضبا . فهذا المعنى لا يفهم من مجرد المعنى الوظيفي منفردا ولا المعجمي منفردا ولا هما معا ولكنه يتوقف النهاية على ( المقام ) الاجتماعي المعين . وقد تقال هذه العبارة بعينها فيفهم منها معنى الهزل في مقام يعين فيه ذلك .

 

نماذج من تحليل اللغويين العرب في كتب غريب الحديث

الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج و الطلاق في غريب الحديث

 

أ- الألفاظ الغريبة المتعلقة بالخطبة و الزواج :-

الدلالة ونوعها

اللفظ

 الدلالة الأصلية

 دلالة القصد

 الدلالة الشرعية

 

يُؤْدَم

 أدم الطعام وإصلاحه

 إيقاع الألفة و الوفاق

 السَماح شرعاً بمجالسة الخطيب لخطيبته قبل الزواج .

 

اغتربوا

 ـــــــــــــــــــــــــ

 تزوّجوا الغرائب

 الترغيب في زواج الغريبات ( غير الأقارب )

 

جدول يبين دلالات الألفاظ الغريبة المتعلقة بالخطبة و الزواج

 

يُؤْدَم :-

قال أبو عبيد في حديثه عليه السلام ( حين قال للمغيرة بن شعبة وخطب امرأة ، لو نظرت إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ) . قال الكسائي : قوله يؤدم بينكما : يعني أن تكون بينكما المحبة و الاتفاق ….. قال أبو عبيد لا أرى هذا إلا من أدم الطعام لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالأدام ، وقال الزمخشري فيه ( و المعنى فإن النظر أولى بالإصلاح و إيقاع الألفة والوفاق بينكما ) . فقد حدد أبو عبيد الدلالة الأصلية بأنها من أدم الطعام أي إصلاحه ، ثم انتقلت الدلالة من الإصلاح الحسي للطعام لتعم وتدل على الإصلاح المعنوي و التوفيق والألفة بين العروسين ، وهذه دلالة القصد ؛ كما قال الكسائي في تفسيره ( يعني أن تكون بينكما المحبة والاتفاق ) وهذا ما قاله الزمخشري أيضاً ، وفي هذا توجيه شرعي بأن يرى الخاطب خطيبته قبل الزواج .

 

 

 

اغتربوا :-

قال الزمخشري جاء في الحديث ( اغتربوا لا تضووا ). أي تزوجوا الغرائب دون الأقارب  . فقد حدد الزمخشري دلالة القصد لـ ( اغتربوا ) وهي ( الزواج بالغريبات ) ، وكأن الغرابة في دلالة القصد بالنسبة للعرف الاجتماعي الذي كان سائداً وهو تحبيذ الزواج من الأقارب ، دلالة شرعية تفهم من ذلك الترغيب في الزواج من الغرائب أي من غير الأقارب .

 

ب- الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج المحرم أو المنهي عنه في الإسلام :-

 الدلالة اللغوية

 الدلالة العرفية

 دلالة القصد

 دلالة الشرع

 

الشِّغار

 الإخراج

 أن يزوج الرجل أخته أو ابنته مقابل زواجه من أخت أو ابنة الآخر ولا مهر إلا هذا

 ـــــــــــــــــــــــــــ

 النهي

 

جدول يبين دلالات الألفاظ الغريبة المتعلقة بالزواج المنهي عنه في الإسلام ونوعها كما حددها أصحاب معاجم غريب الحديث

 

الشِّغار :-

قال أبو عبيد في حديثه عليه السلام ( لا جلب ولا جنب ولا شغار في  الإسلام ….. وأما الشغار فالرجل يزوج أخته أو ابنته على أن يزوجه الآخر أيضاً ابنته أو أخته ليس بينهما مهر غير هذا ، وهي المشاغرة وكان أهل الجاهلية يفعلونه ) ([9]) ، وفيما قاله أبو عبيد تحديد للدلالة العرفية للشغار . أما الدلالة الأصلية للشغار فقد حددها ابن قتيبة في قوله ( وأصل الشغر للكلب وهو أن يرفع إحدى رجليه ويبول ، فكني بذلك عن النكاح إذا كان على هذا الوجه وجعل له علماً ) ([10]) وأرى أن هذه التكنية عن هذا الأسلوب في النكاح بهذه اللفظة التي تحمل دلالة سيئة يدل على كراهتهم ونفورهم من هذا النوع من الزواج بالرغم من كونه معروفاً عندهم . ولكن الزمخشري أصلها أو حدد دلالتها اللغوية بصورة أخرى فقال ( شغرت بني فلان من البلد إذا أخرجتهم … ومن قولهم تفرقوا شغر بغر لأنهم إذا تبادلا بأختيهما فقد أخرج كل واحد منهما أخته إلى صاحبة وفارق بها إليه ) ([11]) فكأن الشغار الإخراج بعامة ثم تخصص بالكلب عندما يرفع رجله ويخرج بوله ، ثم كنى به عن الزواج الذي لا يكلف الرجل ، ثم جاء الشرع الإسلامي ليحمل اللفظ دلالة النهي و التحريم لهذا الأسلوب من أساليب النكاح .

=======================

([1])(2)على الطالب أن يعود إلى بعض هذه الكتب  .

([3]) المزهر 1/402 .

([4]) انظر : المزهر 1/408 وفيه تعدد لأسماء السيف و العسل .

([5]) انظر فقه اللغة للثعالبي ص 349 .

([6]) راجع : الصاحبي لابن فارس ، والمزهر للسيوطي ، والزينة لأبي حاتم الرازي ، والحيوان للجاحظ .

([7]) انظر علم الدلالة د/ أحمد مختار عمر ص 237-250 ، ودلالة الألفاظ د/ إبراهيم أنيس ص146-162 .

([8]) انظر التصحيح اللغوي في ( فوائد لغوية ) في الأجزاء الأربعة من هذه السلسلة .

([9]) الجلب : بمعنى الجلبة وهوالتصويت . الجنب : مصدر جنب الفرس إذا اتخذه جنيبة . الشغار : ما زال هذا الأسلوب من أساليب الزواج موجوداً ويتعامل به الناس في بعض المناطق المختلفة من الوطن العربي حتى يومنا هذا ويسمونه ( زواج البدائل ) .

([10]) غريب الحديث 1/207 .

([11]) الفائق 1/17 .

تعريفات الكلمة

 الكلمة

تعريفات الكلمة

عند الغربيين

أرسطو: أصغر وحدة في اللغة لها معنى. هذا التعريف لم يعد مقبولا في وقتنا الحاضر؛ لأنه تعريف المورفيم.

بلومفيلد Bloomfield: أصغر صيغة حرة في الكلام. أي مجموعة المورفيمات التي يمكن نقلها من مكان إلى آخر في الجملة: (انتصر المجاهدون في العراق).

پالمر Palmerأصغر وحدة في الكلام قادرة على تأدية معنى تعبير، نحو "النار" أي "النار تشتعل في البيت". هذا المفهوم لا يمكن تطبيقه على كل كلمات اللغة؛ لأنه يفترض استدعاء عبارات معهودة. (Mario Pei, Dictionary)

عند العرب

الزمخشرياللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع.

ابن يعيشفرق بين:

الكلمة من حيث النطق: الرجل كلمة واحدة.

الكلمة من حيث الواقع (النحوي): الرجل كلمتان: الـ + رجل

الزمخشريقول مفرد مستقل أو منوي منه، وعليه فحروف المضارعة وتاء التأنيث ليست كلمات، بينما الضمير المستتر (أنت) في (قم) يعتبر كلمة. (حلمي خليل، الكلمة، 22)

 

استقلال الكلمة

لخص أولمان اوجه الخلاف حول استقلال الكلمة:

الكلمة من الناحية الصوتيةهناك رأيان:

(أ) غير مستقلة(1) اختلاط الكلمة بما قبلها وما بعدها في الكلام المسموع.

 (2) صور الاسبيكتروغراف توضح هذا الاختلاط ، مثال ذلك عبارة "الأولاد يسبحون في البحر" التي لا نجد أجزاءها منفصلة تماما عن بعضها.

 

 

 

(ب) مستقلةقواعد اللغة النحوية والصرفية تتعامل مع الكلمة على أنها وحدة مستقلة، فهناك:

● قواعد صوتية تتعلق بأول الكلمة كمنع الابتداء بساكن.

● علامات الإعراب تقع في أوخر الكلمات.

● النبر يقع على مقاطع في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها.

● تتصل السوابق بأول الكلمة أو بآخرها.

أولمان يقول صحيح أن الكلمة قد لا تكون مستقلة في الكلام ولكنها مستقلة في النظام اللغوي الذي في أذهاننا.

 

الكلمة صرفيا ونحويا

الكلمات من الناحية الصرفية قد تكون:

مشتقاتكتب، كاتب، مكتوب، كتاب، مكتب، كِتْبة، وهذه كلمات مستقلة.

تصريفات: (كتبتُ، كتبتَ، كتبتم، كتبوا)، (كاتب، كاتبان / كاتبين، كُتاب، كاتبون، كتبة)، وهذه صور وأشكال للكلمات في الكلام، وهي ليست مستقلة.

 

الكلمات من الناحية النحوية لها طبيعة ثنائية فقد تكون:

كلمات ناقصة، نحو الـ التعريف، الضمائر، الأسماء الموصولة، أسماء الإشارة، أدوات الربط (و – فـ – لكن – بل) وحروف الجر (في – على – من ...) أدوات الاستفهام، والشرط وغيرها. وهذه ليست مستقلة.

كلمات تامة، وهي ما عدا هذه الأنواع التي ذكرت سابقا، وهذه بالطبع كلمات مستقلة من الناحية النحوية.

 

الكلمة من الناحية الدلالية:

رأي أصحاب النظريات السياقية"الكلمات لا معنى لها على الإطلاق خارج مكانها في النظم والسياق".

رأي أولمان: هناك طبيعتان دلاليتان للكلمات:

● في الكلام: هي صحيح غير مستقلة دلاليا لأن جزءا من المعنى يستفاد من السياق.

● في النظام اللغوي: الكلمات في المعجم الذي يحتفظ به كل فرد في ذاكرته هي وحدات لكل منها معنى مركزي ومعان جانبية وأخرى هامشية. انظر الشكل التالي الذي يمثل معاني كلمة (عين):

 

 


نظريات المعنى

  

نظريات مناهج دراسة المعنى

النظرية الإشارية

طبيعة النظرية: هي من أقدم النظريات التي حاولت بيان ماهية المعنى. القائلين بها يرون أن معنى الكلمة هو ببساطة ما تشير إليه في الخارج. وقد حاول بعضهم أن يحدد طبيعة المشار إليه لأقسام الكلام المختلفة:

العلَم: معناه: مشارٌ إليه فردٌ معين في الخارج.

الأفعال: معناها: الأحداث المشار إليها الواقعة في الخارج.

الصفات: معناها: خصائص الأشياء المشار إليها في الخارج.

الأحوال: معناها: خصائص الأحداث المشار إليها الواقعة في الخارج.

اسم الجنس مثل شجرة: معناه الإشارة إلى فرد غير معين في الخارج أو مجموعة الأشجار التي في الخارج.

قول بعض الأصوليين بالنظرية الإشارية:

نجد كلامهم عن هذا الموضوع في باب ”اللغات“ تحت موضوع ”الموضوع له اللفظ“.

يقول جمال الدين الشيرازي: اللفظ موضوع للوجود الخارجي، ولا ينافي كونه للوجود الخارجي وجود استحضار للصور الذهنية.

وفصل بعضهم قائلا: إذا كان لشيء له وجود خارجي وذهني فاللفظ موضوع للخارجي، وأما إذا كان لا وجود له في الخارج [غول، سعلاة، رخ] فاللفظ موضوع للصورة الذهنية.

 

مآخذ عل النظرية الإشارية:

1- هناك كلمات ليس لها مشار إليه في الخارج، مثل:

أ- بعض الأدوات نحو: إن، ليت، لعل، لكن … إلخ.

ب- كلمات لها دلالات معنوية أو عقلية، نحو: الصدق، الصبر، العلم، الشهامة، ظنّ، شكّ، أوجس.

ج- أشياء وهمية خرافية: غول، سعلاة، رخ، عنقاء، نمنم.

د- أشياء غيبية: جن، ملائكة، عفاريت.

2- هناك فرق بين المعنى والمشار إليه، فقد يكون هناك معنيان والمشار إليه واحد، نحو: نجمة الصباح ونجمة المساء لأن كليهما يشير إلى جرم سماوي واحد. وكذلك قد يدعى الشخص الواحد أبا وأخا، وعما، وجدا.

3- قد يكون المعنى واحدا والمشار إليه متعددا، نحو بعض الضمائر وأسماء الإشارة التي لها معان لغوية معينة ولكنها قد تطلق على أشخاص وأشياء متعددة.

4- قد يفنى المشار إليه ويبقى المعنى: حدائق بابل، مكتبة الإسكندرية، مركز التجارة العالمي.


 

النظرية التصورية

طبيعة المعنى في النظرية التصورية:المعنى هو الصورة الذهنية التي تستدعيها الكلمة عند السامع أو التي يفكر فيها المتكلم. انظر الشكل التالي:

 

 

النظرية التصورية عند الأصوليين:

وجدت نظرية الصورة الذهنية عند بعض الأصوليين مثل الجويني وفخر الدين الرازي الذي يقول بأن الألفاظ المفردة ما وضعت للموجودات الخارجية بل للمعاني الذهنية. وتبعه البيضاوي وابن الزملكاني, والقرطبي.

حجة الرازي: ”إن من رأى شيئا من بعيد وظنه حجرا أطلق عليه حجرا، فإذا دنا منه وظنه شجرا أطلق عليه لفظ شجر، وعندما دنا أكثر وظنه فرسا أطلق عليه لفظ فرس، ثم إذا تحقق منه وعرف أنه إنسان أطلق عليه لفظ إنسان. دل ذلك على أن اللفظ دائر مع المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية.

أما المركبات فهي موضوعات للأحكام الذهنية لا للوجود الخارجي؛ لأن قولنا: ”قام زيد“, لا يفيد قيام زيد, وإنما يفيد الحكم به والإخبار عنه, ثم ننظر مطابقته للخارج أم لا.

النظرية التصورية عند الغربيين: نجد عندهم نظريات متقاربة حول اعتبار المعنى صورة ذهنية أو مفهوما فكريا. ومن صورها:

نظرية الأفكار الذهنية عند الفيلسوف لوك Locke الذي يرى أن المعاني لها وجود مستقل في الذهن في شكل صور ذهنية ناتجة عن تشكيل حواسنا لها في الذهن، وهذه الصور قد تكون بسيطة كفكرة اللون الأصفر أو الأزرق وقد تكون معقدة مركبة من صور بسيطة فمثلا فكرة كرة الثلج مركبة من ابيض، بارد، وكرة، والكلمات في الأصل لا تمثل شيئا بل الذي يعطيها معنى هي الأفكار التي في ذهن مستعملها، فعبارة ”أنا سعيد“ ليس لها معنى عند الببغاء لأن ليس في ذهنه أفكار لهذه الألفاظ.

النظرية التصورية عند Richards  و Ogden ريتشاردز وأوغدن: قدم هذان الفيلسوفان نظرية تحليلية لعناصر الدلالة في مثلثهما المشهور:

 

ونظريتهما هذه ليست إشارية بحتة ولا تصورية بحتة وإنما حاولت أن تبين أن الدلالة هي محصلة علاقة بين عناصر ثلاثة: (أ) علامة، (ب) فكرة أو مفهوم (ج) مشار إليه في العالم.

العلاقة بين العلامة والفكرة مباشرة واعتباطية.

العلاقة بين الفكرة والمشار إليه تلازمية (إشارية)، وقد تكون شبه إيقونية.

العلاقة بين العلامة والمشار إليه غير مباشرة ولا تكون إلا عن طريق الفكرة؛ لذا رسم خط متقطع بين العلامة والمشار إليه.

 

تعليق مالينوفيسكي، وهو عالم لغوي وانثروبولوجي (دارس لعلم الإنسان)، علق على فكرة ريتشاردز وأوغدن قائلا: إن هذا المثلث لم يقدم لنا ألا جانبا واحدا من هذه العلاقة بين العلامة والفكرة والمشار إليه، بينما هناك أشكال متعددة لهذه العلاقة تختلف تبعا للتطور الفكري والعقلي للإنسان أو تبعا لتغير الحال. وذكر ثلاثة حالات رئيسية وهي:

الحالة الأولى: يوجد حال وردة فعل صوتية، وردة الفعل هذه ليست علامة أنما صوت ينتج كردة فعل لحالة معينة كألم أو فرح أو حزن، كقولك إذا لمست سطحا ساخنا وأحسست بالألم "أح" أو "أو".

الحالة الثانية: يوجد مشار إليه يصاحبه صوت فعال، مثال ذلك

ما نشاهده عند الأطفال في أواخر السنة الأولى عندما يرون شيئاً أو يرون أحد والديهم فيصدرون أصواتا مثل:ما ما ما وبا با بال و دا دا دا، وهذه الأصوات ليست علامات ولكنها كما ذكرنا أصوات فعالة؛ لأنها معبرة عن الرغبة.

الحالة الثالثة: لها ثلاث صور هي:

أ) يوجد مشار إليه وعلامة فعالة، ويتحقق ذلك أثناء النشاط البشري. فإذا كان هناك مثلا إنسان يعمل في منجرة ومعه من يساعده فعندما يقول "مسمار" فليس هناك إلا علامة ومشار إليه حاضر أمامه، والفكرة ليست ملحة لأن الانتقال من العلامة إلى الشيء مباشر وبدون واسطة الفكرة.

(ب) توجد العناصر الثلاثة ولكن العلاقة بين العلامة والمشار إليه غير مباشرة، وهذا يتحقق أثناء الكلام السردي. وهذا هو ما يمثله مثلث ريتشاردز وأوغدن لأن الكلام عن أشياء حدثت في الماضي ولا نملك منه ألا صورا وأفكارا من تجاربنا الماضية، فلو ذهب رجل في رحلة صيد وعاد ليخبر عنها، فتكلم عن البحر وأحواله وعن الصيد ومراكبه وشباكه وعن السمك وأنواعه فلا يملك الحاضرون من كل هذا إلا صورا ذهنية من خبراتهم الماضية.

ج) توجد العناصر الثلاثة ولكن العلاقة بينها كلها مباشرة، ويتحقق ذلك في الكلام السحري كذكر الجن والصواعق والحيوانات المفترسة والأمراض المخيفة التي تمثل كلماتها أعيانها فتؤثر في السامعين كتأثير الأشياء نفسها، ويصدرون عند سماعها تعاويذ وردود فعل تنبئ عن تساوي العناصر الثلاثة.

 

 

 

 

تعليق أولمان على نظرية ريتشاردز وأوغدن: علق ستيفن أولمان وهو كبار علماء الدلالة على نظرية ريتشاردز وأوغدن التي يمثلها مثلثهما المشهور فقال:

أدخلت في المعنى عنصرا زائدا خارجا عن اللغة وهو المشار إليه الذي قد يبقى كما هو ولكن معناه يتغير: ويمكن أن نمثل لذلك من ثقافننا العربية بالخمر (كانت رمز الضيافة في الجاهلية، وأصبحت أم الخبائث في الإسلام) فالخمر بحد ذاتها لم تتغير  وإنما تغيرت الفكرة المتعلقة بها.

  بينت ما تمثله الكلمة بالنسبة للسامع ولكنها أهملت وجهة نظر المتكلم:

- السامع: يسمع كلمة (شجرة) يفكر في الشجرة يفهم معنى شجرة.

- المتكلم: يفكر في (الشجرة) ينطق بكلمة (شجرة).

فريتشاردز وأوغدن أهملا أحد طرفي هذه العلاقة المتبادلة التي تمثل المعنى حقيقة.

 

مآخذ على النظرية التصورية:

1) المعنى الذي تقدمه النظرية غير واضح لأن الصور الذهنية للشيء الواحد متعددة ومختلفة، فمثلا الشكل الهندسي البسيط للمثلث قد يختلف من شخص إلى آخر، فما بالك لو أردنا أن نحدد الصورة الذهنية لكلمة بيت، حصان، شجرة، طريق؟

 

2-  هناك تعبيرات مختلفة قد يكون لها صورة ذهنية واحدة. فلو رأيت طفلا من بعيد يضرب الأرض بقدميه، فلربما قلت “إنه يتألم“ أو ”إنه يدهس على حشرة ليقتلها“ أو ”إنه يلعب“ أو إنه ضجر“.

3- هناك ألفاظ لها صور ذهنية مبهمة وغير واضحة المعالم ويختلف الناس فيها اختلافا كبيرا، خاصة تلك التي تسمي أشياء وهمية كالرخ والعنقاء والسعلاة والغول، وكذلك التي لها معان عقلية كالظن والشك والحب والصدق.

4- من أقوى الاعتراضات على هذه النظرية ما وجهه إليها السلوكيون من أنها تتحدث عن أشياء لا تخضع للنظر العلمي والفحص والاختبار كالفكرة والصورة الذهنية.

 


 

النظرية السلوكية

هي نظرية نشأت في أحضان علم النفس وقد أراد أصحابها إن يجعلوا هذا العلم كالعلوم الطبيعية: الفيزياء والكيمياء والميكانيكا بأن يعتمد المناهج العلمية القائمة على الملاحظة والتجربة. وقد النظرية السلوكية على الأسس التالية:

1) التشكيك في الاصطلاحات الذهنية مثل: فكرة، صورة ذهنية، مفهوم، شعور، عاطفة؛ لأنها غير خاضعة للملاحظة ومعرفتنا عنها قائمة على الاستبطان الذي لا يركن إليه.

2) الاعتقاد بأنه لا فرق جوهري بين سلوك الإنسان والحيوان والسلوك اللغوي الإنساني لا يختلف عن النظام الإشاري الحيواني.

3) النزعة على التقليل من دور الدوافع الغريزية والفطرية والتأكيد على دور التعلم والاكتساب؛ لذا يرون أن التجربة هي طريق المعرفة وليس التفكير.

4) الميكانيكية: أي إيمانهم بأن كل شيء يحدث في العالم تحتمه قوانين فيزيائية عامة هي المؤثرات وراء كل سلوك لغوي أو حركي.

 

تحليل Bloomfield بلومفيلد للمعنى تحليلا سلوكيا

أعلن بلومفيلد سنة 1926 تخليه عن المذهب العقلاني في علم النفس واعتماده على أفكار Weiss ويس الذي يرى أن المعنى يكمن في مظاهر المؤثر والاستجابة المصاحبة للتعبير.

بلومفيلد في كتابه الكلاسيكي ”اللغة“ يبدي عدم ثقته بالمذهب العقلي ويدعو إلى أن تعتمد الدراسات اللغوية مناهج العلوم الطبيعية. وقد أراد أن يدرس المعنى من وجهة نظر سلوكية وعلمية، فقال إن المعنى هو:

الموقف الذي نطق فيه المتكلم والاستجابة التي استدعاها كلامه عند السامع. وقد حاول أن يوضح هذا التعريف في شكل قصة قصيرة:

كان هناك رجل يدعى جاك وامرأته جيل يسيران في غابة فرأت المرأة تفاحة وكانت تشعر بالجوع فقالت: ”إني جائعة“ سمع الرجل كلامها فصعد شجرة التفاح وقطف منه واحدة وقدمها لها لتأكلها.

 

تحليل معنى الحدث الكلامي: قام بلومفيلد بتحوير الصيغة السلوكية لتمثل المؤثر والاستجابة:

 م      س  حيث م = مؤثر و س = استجابة لتوافق الحدث الكلامي:

 

       م ◄▬▬مـ ـ ـ ـ ـ ـ سـ  ◄▬▬ س

 

حيث (م) = المؤثر البيئي ، (سـ)= استجابة لغوية، (مـ) = مؤثر لغوي، (س) = استجابة فعلية.

ويحاول أن يقدم هذا المنظور السلوكي في شكل علمي، فيقول:

المؤثر هو التفاح ويمكن وصفه علميا اعتمادا على معطيات علم النبات، وكذلك يمكن تقديم وصفي علمي فسيولوجي للجوع. كذلك يمكن وصف سلوك التسلق وقطف التفاحة.

 

مآخذ على النظرية السلوكية:

1) ليس بمقدورنا وصف مؤثرات كل حدث كلامي؛ لأنه أحيانا قد تكون المؤثرات خفية وغير ظاهرة فمثلا الحب والكره والحقد يصعب وصفها أو وصف مؤثراتها بشكل علمي.

2) تعدد المؤثرات وراء العبارة الواحدة، فمثلا ”إني جائع“ قد ينطقها الولد لأنه جائع فعلا، أو لأنه لا يريد أن ينام، أو لأنه يريد أن يلعب بالطعام.

3) تعدد الاستجابات للتعبير الواحد، فقول الولد إني جائع قد تكون الاستجابة له:

- تقديم طعام له.

- أو توبيخه قائلين له: ألم تأكل قبل قليل؟

- أو نجيبه قائلين: هيا اذهب إلى غرفتك فلقد حان وقت نومك.

وهذا يلزم منه اختلاف معنى ”إني جائع“ لاختلاف الاستجابات له.

4) هناك فرق لا يمكن إنكاره بين رد الفعل للكلمة ورد الفعل للشيء نفسه، فرد الفعل للتفاحة هو أكلها وأما لكلمة تفاحة فلا.

5) هذه النظرية يلزم منها نسبة معان للثرثرة والهراء واللغو الذي لا معنى لهو ولكن قد يكون له ردة فعل غاضبة أو ساخرة


النظريات السياقية

يرى أصحاب النظريات السياقية أن الطريق إلى المعنى ليس رؤية المشار إليه أو وصفه أو تعريفه وإنما من خلال السياق اللغوي الذي وردت فيه، والموقف الحاليّ الذي استعملت فيه؛ وعليه فدراسة المعنى تتطلب تحليلا للسياقات اللغوية وغير اللغوية. والسياق هو البيئة اللغوية أو غير اللغوية التي تحيط بالخطاب وتكشف معناه. وأهم السياقات:

 

(أ) السياق اللغوي

 هو البيئة اللغوية التي تحيط بجزيئات الكلام من مفردات وجمل وخطاب. ويمكن تمييز عناصر السياق اللغوية التالية:

(1) التركيب الصوتي: وهو السياق الفونيمي الذي يشكل الكلمة، فمثلا: "نام الولد،" من الناحية الفونيميه لها سياق فونيمي يشارك في تحديد معنى مفرداتها.

فنام: سياقها الفونيمي هو تأليفها من الفونيمات: ن ا م مرتبة بهذه الطريقة؛ ومتى تغيّر أحد هذه الفونيمات أو اختلف ترتيبها تبع ذلك تغيير في المعنى، قارن:

عند استبدال الصوت ن في وسط نام نحصل على:

دام: (اختلفت عن نام بصوت د).  قام: (اختلفت عن نام بصوت ق).

وعند استبدال الصوت م نحصل على:

ناب: (اختلفت عن نام بصوت ب). ناح: (اختلفت عن نام بصوت ح).

ولفظ الولد عندما نستبدل صوت (و) فيه يتغير الفظه ويتغير معناه ونحصل على:

البلد: (اختلفت عن الولد بصوت ب)، الخَلد: (اختلفت عن الولد بصوت خ).

التركيب الصرفي:

يتمثل في تركيب الصيغة الصرفية واختلافها عن الصيغ الصرفية الأخرى، ويتبع هذا الاختلاف اختلاف دلالتها:

فلفظ الولد هنا: اسم مفرد مذكر مرفوع، تختلف عن كلمات أخرى لأسباب صرفية. فهي تختلف عن:

الوَلدان: لأنها اسم مثنى مرفوع.

الأولادِِ لأنها صيغة جمع تكسير مجرور.

ولدَتْ لأنها صيغة فعل ماض اتصل به (ت) التأنيث.

ولَدْنَ لأنها صيغة فعل ماض اتصل به (ن) النسوة.

تَوَالد لأنها صيغة فعل مزيدة تفيد حصول بالتدريج.

الوالِد لأنها هذه صيغة اسم فاعل.

المولود لأنها صيغة اسم مفعول.

وِِلادة لأنّها صيغة مصدر.

(3) التركيب النحوي: ويمكن النظر إلى دلالاته من حيث:

دلالات نحوية عامة، وهي المعاني العامة المستفادة من الجمل والأساليب، مثل دلالة الجملة على:

الخبر: محمد مسافر.

النفي: لم يسافر محمد.

التأكيد: إنّ محمدا لكريم.

الاستفهام: متى تسافر

النهي: لا تودي بنفسك إلى التهلكة.

الأمر: ذاكر دروسك.

دلالات نحوية خاصة، كدلالة تركيب الجملة على معان نحوية مثل:

الفاعلية: نام الولد

المفعولية: نوّمتُ الولد

الحالية: رأيت الولد نائما

الابتداء: الولد نائم

التمييز: حسُن علي ولدا.

معاني تركيب النحو، فلكل تركيب معنى نظمي يختلف عن التراكيب الأخرى، وقد بيّن ارتباط المعاني بمعاني النحو (المعنى النظمي) عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز.

(اشتعل الرأس شيبا)   يفيد الشمول. ”اشتعل شيب الرأس“ يفيد ظهور الشيب فقط

ما ضربت زيدا. (نفى ضرب زيد ولم يتعرض لذكر شيء آخر فلا ندري هل ضرب غيره أم لا).

ما زيدا ضربت. (نفى ضرب زيد ولكن يفهم من كلامه أنه ضرب غيره)

(4) النظام المعجمي: وهو يتمثّل في مفردات المعجم وطبيعة نظام حقوله الدلالية.

- نام أبوك:

- (نام): تختلف عن صحا، واستيقظ، ونهض، وجلس، ونعس.

- أبو: يختلف عن الجد من ناحية الجيل، وعن العم من ناحية القرابة المباشرة من جهة الأب، وعن الأم من حيث الجنس، وعن البنت من ناحية الجنس والجيل، وعن الحفيد من حيث الجيل.

 

(5) المصاحبة وتتمثل في ما يصاحب الكلمة من كلمات تؤثر في معناها وتحدده، فمثلا كلمة (يد) يختلف معناها في التعبيرات التالية لاختلاف المفردات المصاحبة لها:

له عليّ أيادٍ بيضاء "نعم”، يدُ القوس ”أعلاها"

يَدُ الرَّحَى: " العُود الذي يَقْبِض علـيه الطَّاحِنُ"

يد الريح ”سلطانها”،  يدُ الدَّهْر: "مَدُّ زمانه.”

 

أنف القوم "كبيرهم وسيدهم"

أنف الجبل "الجزء المتقدم من الجبل”،   أنف الدهر "أوله"

أنف النهار "أوله”،  أنف الخيل "مقدمتها”.

(6) الأسلوب مثل: ويتمثل في الأسلوب البلاغي الذي أُلف فيه الخطاب:

عمرو لا يضع عصا الترحال. (كثير السفر)

زيد كثير الرماد. (كريم)

عمرو يقدم رجلا ويؤخر أخرى (متردد)

ضحك الشيب برأسه فبكى (انتشر)

(أخرجكم من الظلمات إلى النور) (أخرجكم من الكفر إلى الإسلام).

(ب) سياق الموقف أو سياق الحال:

يقول رشيد بلحبيب "ينبغي التأكيد في البداية على أن الوحدات الكلامية للغة الطبيعية ليست مجرد سلسلة من الكلمات، فهناك مكون لا كلامي يُفرض دائما بالضرورة فوق المكون الكلامي في كل وحدة كلامية محكية."

وينقل عن وينقل عن السعران تعليل ذلك "لأن المعنى القاموسي أو المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء من معنى الكلام وذلك كشخصية المتكلم وشخصية المخاطب وما بينهما من علاقات وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به،"

ويقول مالينوسكي عن أهمية سياق الموقف قائلا:

"إن الاعتقاد بأن المعنى محصور في الكلام مفهوم خاطئ؛ لأن الكلام والسياق عنصران متلازمان يكمل بعضهم بعضا ولا انفصام بينهما."

عناصر سياق الموقف:

1- الكلام الفعلي: أي الذي دار خلال الموقف.

2- طبيعة المتحدثين (يعني من هم هؤلاء المتحدثون الذين دار بينهم الحديث ومعرفة كل واحد منهم؛ هل هو مسئول يحدث أحد موظفيه، أم أب يكلم ابنه)

3- طبيعة الأشياء المتحدث عنها (يعني الكلام يدور عن ماذا؟ مثل:

”هل أحضرت الورقة؟“ فيقول: الوقت ”غير مناسب“. ويتغير المفهوم في ذهنك ولو عرفت المتكلمين وطبيعتهم وطبيعة الشيء لفهمت الكلام.

4- الأفعال المصاحبة للكلام: يجب أن ترى الشخص ، أو يوصف لك، كيف كان يتكلم؛ هل كان يبدو على ملامحه الغضب أو المرح أو الرضا أو الضجر أو المزاح. لابد أن ترى التعبيرات المصاحبة للكلام على وجه المتكلم.

5 – زمن الكلام: مثل:

عند الفجر في العصر عند العشاء في أي وقت كان وقت الكلام مثل:

جوابك لمن أراد أن يسكب لك ”عندي موعد الساعة السابعة … إن القهوة تطرد النوم“ فإن قلت هذا ولم يبق بينك وبين هذا الموعد إلا ساعة فأنت تريد المزيد من القهوة، وإن قلت ذلك وبينك وبين موعدك سبع ساعات فيفهم من كلامك أنك لا تريد المزيد.

(ج) السياق الثقافي الاجتماعي:

وهو المجال أو الإطار الاجتماعي أو الثقافي الذي ينتمي إليه الكلام.

فجذر اختلفت معانيها لاختلاف المجال والسياق الثقافي الذي وردت فيه:

جذر: عند علماء النبات (جزء غائر في الأرض)

جذر: عند علماء الرياضيات.

جذر: تختلف عند علماء اللغة (الحروف الأصول للكلمة)

وكذلك اختلفت معاني زراعة تبعاً لاختلاف المجال الذي استعملت فيه:

- زراعة النبات    

- زراعة البكتيريا

- زراعة الأعضاء 

- زراعة الألغام

ولكي نحدد معنى الكلمة يجب:أن نحدد المجال الذي تنتمي إليه، قارن معاني (عملية) عملية: تختلف معانيها باختلاف المجالات التي وردت فيها:

- عملية تجاريه    

- عملية عسكريه

- عملية طبية      

- عملية حسابية