تطوير مبحث اللهجات المحكية

 

مبحث اللهجات المحكية

 

 

جون جيليرون

 

العالم الفرنسي جيليرون J.Gillieron هو من أبرز العلماء الذين أسهموا في تطوير مبحث اللهجات المحكية ، في بداية القرن العشرين ؛ اهتم بالأطلس الجغرافي اللغوي ؛ الذي يرسم الاختلافات الصوتية و النحوية و الدلالية الموجودة في كل منطقة جغرافية من مناطق الوطن الواحد . وضع أطلساً لغوياً لفرنسا فقام بإجراء تحريات تتمثل في مجموعة أسئلة تتكوّن من 1500 سُؤال ، طُرحت على الأهالي الفرنسيين الذين يتوزعون على 630 منطقة جغرافية معينة ، ثم وضع الأجوبة على خرائط و نشرها باسم : أطلس فرنسا اللغوي (1902) Atlas Linguistique de la france كما له كتاب شهير حول « التسلسل الأسري للكلمات الدّالة على النحل » Généalogie des mots qui désignent l’abeille .

 

 

هذا الأنموذج قُدّم إلى مؤتمر اتحاد المجامع العربية (المنعقد بتاريخ 17_19 -12- 2006) ضمن ورقة بعنوان "االمعجم التاريخي: إسهام في منهج البحث: أنموذج جمع المادة"، تقديم د. محمد محمد يونس علي

 

الجذر:

الكلمة:

نطقها:

صنف الكلمة:

حرف

فعل لازم

فعل متعد

مصدر

اسم جنس

اسم علم

اسم فاعل

اسم مفعول

صفة مشبهة

صيغة مبالغة

اسم هيئة

اسم مرة

اسم آلة

مصدر

صيغة الكلمة

المعنى اللغوي:

المعنى الاصطلاحي:

الشرعي :

النحوي :

الصرفي :

البلاغي :

العروضي :

الأدبي :

المنطقي :

الفلسفي :

العلمي :

أصل الكلمة:

عربي

فارسي

سامي

تركي

إنجليزي

لاتيني

إغريقي

غير ذلك

مجهول

دليل النسبة إلى الأصل:

نقل عن مرجع (يذكر)

علامة صوتيّة أو صرفيّة دالّة

وزن الكلمة (يذكر)

وجود سابقة (تذكر)

وجود لاحقة (تذكر)

ائتلاف أجنبي للأصوات (يذكر)

الشواهد التاريخيّة:

المعنى ونوعه (يذكر)

جاهلي (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

إسلامي (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

عبّاسي (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

أندلسي (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

نهضوي (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

حديث (يذكر)

القائل

مستوى التردّد

شائع كثير

قليل نادر

نسبة التردّد أو عدد النتائج

مصدر البحث التاريخي:

نقل عن مرجع (يذكر)

بحث حاسوبي:

الشبكة (يذكرالموقع)

المدوّنة (1) المدوّنة (2)

المدوّنة (3) المدوّنة (4)

مدوّنة أخرى (تذكر)

نوع التعدد المعنوي

مشترك منقول مستعار

اسم الباحث

معلومات عن الباحث

دراسة في لهجة أسد

 

دراسة في لهجة بنى أسد (*)
للدكتور عبد الصبور شاهين
خبير بلجنة اللهجات
الموقع الجغرافي: أسد من الناحية الجغرافية هي أصلاً من قبائل شرقي الجزيرة العربية، ولكن القبائل البدوية في الجزيرة لم تكن تبقى على حال، بل كانت دائمة التنقل؛ طلبًا للمرعى، أو التماسًا للأمان.
ولا ينبغي أن يختلط اسم هذه القبيلة بما عرف بقبائل الأزد، إذ قد تنطق بالسين ساكنة (الأسْد)، والزاي – كما قال الجوهري – أفصح، ومنها: أزد شنوءة، وأزد عمان، وأزد السراة (وهؤلاء جميعًا ليسوا موضوع بحثنا ). فأما قبائل أَسَد بتحريك السين، فهم بطن من ربيعة، ومن قبائلهم بنو عنزة، وكانت منازلهم تمتد من نجد إلى الحجاز، فوادي السرحان، فالحماد، فبادية الشام، ولهم منازل كانت في خيبر من ضواحي المدينة .
ومن قبائلهم جديلة، ومن جديلة عبد القيس، وكانت ديارهم بتهامة حتى خرجوا إلى البحرين(1).
من هذه الأخبار القليلة يتضح أن وجود أسد وقبائلها كان يمتد من البحرين حتى بادية الشام، عبر الجزيرة العربية، وهذا في ذاته يدل على أنها قبائل لم تكن تعرف الاستقرار فهي حينًا حضرية، وأخرى بدوية .
مكانة أسد :
__________
(1) البحوث والمحاضرات في مؤتمر المجمع اللغوي بالقاهرة ( 61 – 1962 ).
(2) اللسان ( ورق ).
(3) اللسان ( ورث ).

************************

 

وأسد، أو بنو أسد، هم قبيلة من القبائل الكبرى التي أخذ عنها الرواة العربية الفصحى. يقول ابن خلدون في مقدمته :" ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن ، المجاورين لأمم
ــــــــــــ
(*) درسته اللجنة في الدورة الخمسين ( 1983 – 1984 ).
( ) اللهجات العربية في التراث / 23.
الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عن أهل الصناعة العربية" (1).
وجاء في معجم البلدان: أن من أهل العالية ( طوائف من بنى أسد )(2) .
وذكر ابن الأنباري: " قال أعرابي في مجلس الخليل للكسائي: تركت أسدًا وتميمًا وعندهما الفصاحة " (3).
غير أن امتداد الرقعة التي عاشت فيها القبيلة، وتغلغل هذه الرقعة عبر الخط الذي يمر بوسط الجزيرة، وتعايشها مع قبائل الوسط والشمال – يبدو أن ذلك قد مزج لسانها باللسان المشترك، وقرب ما بين مستوى أدائها اللغوي وما كانت عليه أغلب قبائل الفصاحة .
ولذلك يعسر على من ينظر في الروايات اللغوية المنسوبة إلى أسد أن يجد ظاهرة مطردة يتميز بها لسانها – إلا قليلاً – بين القبائل الأخرى كتميم وطيئ وإن جاءت الروايات ببعض الأمثلة المميزة. ومن الظواهر اللهجية التي عرفت وجاءت بها الروايات:
الكشكشة:
وهي أكثر الظواهر شيوعًا وانتسابًا لبني أسد، على ما في الصحاح(4) : " يجعلون الشين مكان الكاف، وذلك في المؤنث خاصة، فيقولون: عليشِ، ومنشِ، وبشِ، وينشدون فعيناشِ عيناها وجيدشِ جيدها " .
__________
(1) مقدمة ابن خلدون 1/1072 .
(2) معجم البلدان 4/71 ، وانظر كذلك المزهر 1/211.
(3) نزهة الألباء / 59.
(4) وكذا في الصاحبي / 53 .

****

وينسب الوجه الآخر من الكشكشة، وهو (الكسكسة ) لربيعة .
وقد سبق لنا دراسة هاتين الظاهرتين من ظواهر اللهجات العربية، غير أن ملاحظتنا هنا تقتصر على تسجيل أن ظاهرة الكشكشة هذه تجعل أسد بين قبائل البادية، مشتركة مع تميم وقيس، في مقابل ما عرف عن أهل الحجاز من خواص ترتفع بهم – كما قال ابن فارس – عن سائر لهجات العرب، قال: " ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس، مثل: تِعلمون، ونِعلم، ومثل شعير وبعير"(1).
ومع هذا التميز اللهجي لقبيلة أسد فيما يتصل بالكشكشة نجد بعض الروايات مأخوذًا عن ( أسد وأهل الحجاز)، وهو ما يؤيد ملاحظتنا عن عدم استقرار القبيلة في محيط بعينه، حضري أو بدوي، فحينًا هنا، وحينًا هناك.
ولسوف نبدأ دراسة مجموعة من الأمثلة المروية عن أسد يتجلى في نقلها هذا الخلط بين القبائل، وهي عن تبادل الحروف أو الحركات في مواقع معينة، سواء أكان ذلك من باب الإبدال، أم كان من باب التقابل في الاستعمال بين لهجة أسد، وبين ما أثر عن غيرها من استعمال كان أكثر شيوعًا، وهو من ثم أكثر فصاحة.
ولابد أن نسجل بادئ ذي بدء ملاحظة عن مدى المرويِّ من الأمثلة اللغوية في الدلالة على الواقع اللهجي الأسدي، فلقد أخذ الرواة أمثلتهم عن الأعراب الفصحاء تارة، وعن بعض الصبية تارة أخرى، وفرق كبير بين درجتي الثقة في كلا المصدرين:
قال أبو عمرو :" تغدى عندي أعرابي فصيح من بنى أسد، فلما رفع يده قلت له: ازدد، فقال: والله ما طعامك يا أبا عمرو بذى تؤبةٍ، أي: لا يستحيا من أكله وأصل التاء واو "(2) .
وقال الأصمعي:" قال لي صبي من أعراب بني أسد: دَلْبِحْ، أي: طَأطئْ ظهرك قال: ودربح مثله " (3) .
__________
(1) الصاحبي: 52 ، 53 .
(2) اللسان / دأب.
(3) اللسان / د ر ب ح.

*****

فإذا لاحظنا أن الكلام في (دلبح) يمكن أن تكون نتيجة عجز الصبي عن نطق الراء، قلنا: إن مثل هذه الرواية لا تنشئ واقعًا لهجيًّا، بل هي لثغة، وإن جاءت الرواية في مادة (دلبح) عن أعراب بني أسد.
ثم إن حرص أبي عمرو – وهو الراوية الممتاز – على أن يصف في نقله الأعرابي بأنه (فصيح) يجعل للمروي عنه وزنًا لا يتصف به المروي عن الصبي الأسدي في رأينا، وقد كان شيوخ الأعراب ينصحون الرواة ألا يأخذوا عن الصبية (الأوناع)(1).
أمثلة في الإبدال :
(1) بنو أسد وأهل الحجاز: أَمْلَلْتُ، وبنو تميم وقيس: أمليت، ونزل القرآن باللغتين معًا (2).
(2) قال الأزهري: وسمعت غير واحد من أعراب قيس وتميم يقول للأصم: أصلج(3).
(3) وبعض بني أسد يقول: مُذَّكِر، فيقلبون الدال فتصير ذالاً مشددة، وقد قال الليث: الدِّكر ليس من كلام العرب(4) .
… … (4) قال أبو عمرو: الدِّمْدِم: أصول الصِّليّان المحيل، في لغة بني أسد، وهي في لغة بني تميم: الدندن (5).
(5) الدندم: النبت القديم المسود، كالدندن بلغة بني أسد، قال ابن سيده: ولولا أنه قال: بلغة بني أسد لجعلت ميم الدندم بدلا من نون الدندن(6).
(6) قال ابن الفرج: يقال: ألحق الحِسَّ بالإسِّ، قال : وسمعت بعض بني أسد: ألحق الحِشَّ بالإشِّ … جاء به أبو تراب في باب الشين والسين وتعاقبهما(7).
(7) الفراء: بنو أسد يقولون: قُولَ وقِيلَ بمعنى واحد، وأنشد:
وابتدأَتْ غَضْبى وأُمَّ الرِّحال وقُولَ: لا أهْلَ له ولا مالْ (8) .
__________
(1) المزهر 1/40 .
(2) اللسان / ملل.
(3) اللسان / صلح .
(4) اللسان/ دكر.
(5) اللسان /دندن
(6) اللسان/ دندم .
(7) اللسان/ حسس .
(8) اللسان / قول.

******

(8) وبرّ مكيل، ويجوز في القياس: مكيول، ولغة بني أسد: مَكُول، ولغة رديئة: مَكَال، قال الأزهري: أما مكال فمن لغات الحضريين، قال: وما أراها عربية محضة، وأما مكول فهي لغة رديئة، واللغة الفصيحة: مكيل، ثم يليها في الجودة: مكيول(1).
(9) قال يعقوب: تميم وأسد يقولون: قشطت – بالقاف، وقيس تقول: كشطت، وليست القاف في هذا بدلاً من الكاف؛ لأنهما لغتان لأقوام مختلفين (2).
(10) أسد وتميم: قشط، وقريش تقول: كشط (3) .
(11) قريش تقول: كشطت، وقيس وتميم وأسد تقول: قشطت، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: قشطت بالقاف(4) .
(12) بنو أسد يقولون: ما أعوج بكلام، أي: ما ألْتَفِتُ إليه، أخذوه من عُجْت الناقة، وأصله: ما يعيج بقلبي شيء من كلامك، وما عجت بخبر فلان، ولا أعيج به(5) .
(13) والعسق: العرجون الرديء – أسدية (6) .
إن النظر في هذه الروايات من الناحية التوزيعية يقفنا على صواب ملاحظتنا في مقدمة هذا البحث، من أن أسدًا لم تعرف الاستقرار في بيئة محددة، فهي في الرواية الأولى مع أهل الحجاز في مقابل تميم وقيس، وهي في الرواية الثانية منفردة في مقابل تميم وقيس، وفي الرواية الرابعة مقابلة للغة تميم، وهي في الرواية السادسة تقف في مقابل اللغة العامة، وكذا في السابعة، ثم يتغير الموقف في التاسعة فتكون مع تميم في مقابل قيس، على حين تضطرب الرواية الحادية عشرة فتجعلها مع قيس وتميم في مواجهة قريش.
فإذا ذكرنا أن دارسي اللهجات يعتبرون أن قريشًا ترمز إلى أهل الحجاز وأهل الحضارة، وأن تميمًا ترمز إلى أهل نجد – معدن البداوة – وجدنا أن أسدًا تسلك في لهجتها مع أهل الحضارة تارة ومع البداوة تارة أخرى .
__________
(1) اللسان /كيل .
(2) اللسان /قشط .
(3) اللسان/ كشط.
(4) إبدال ابن السكيت /114.
(5) اللسان / عيج .
(6) اللسان / عسق .

**

على أن ما سبق من روايات يضع أسدًا بين قبائل البداوة التي تميل إلى التفخيم فهم يقولون في أصلج: أصلخ، بالرغم من عدم التقارب بين الجيم والخاء. وهم يقولون: قشطت في كشطت، والقاف مستعلية فوق الكاف، وهم يقولون: مكول في مكيل، والضم أفخم من الكسر الذي هو علامة الرقة والتأنيث(1) ،كما يقولون: ما أعوج بكلامه، في مقابل: ما أعيج به . ولعل نزوعهم إلى التفخيم هو الذي يفسر نطقهم: ألحق الحِشَّ بالإشِّ، والسين لغيرهم، والشين صوت متفشٍّ، بعكس السين الصفيرية.
ولو أننا قارنا درجة الغنة ما بين النون والميم لكانت النون أغن، وقد نطقت أسد بالميم في مقابل النون لغيرها، فقالوا في الدندن: الدمدم أو الدندم.
أما رواية (العسق): العرجون الرديء – وهي أسدية – فلم نعثر على مقابل لها في مادة (غرق) مثلا، ورغم أن اللغة عرفت علاقة ما بين غرق وعسق، وهي دلالة الأصلين على التواء الخلق وعسره وضيقه وسوئه، ولكن لا علاقة بينهما في الدلالة على العرجون الرديء، فلعل ذلك من باب الترادف بين العسق والعرجون على سبيل تخصيص نوع منه .
كذلك يؤكد بدوية أسد ما روي عن أحد فصحائهم من طريق أبي عمرو من قوله (تُؤَبة) في موضع (وُأبة)، فالهروب من الواو المنطلقة إلى التاء الشديدة لائق بالبدو أكثر من الحضر، وهو بمنزلة قول بعض العرب في وسادة: إسادة، وفي وشاح: إشاح.
ويبقى من الروايات السابقة مثال: أمللت، وأمليت، والأصل باللام، وقد خالف من خالف عن هذا الأصل تحقيقًا لنهج شاع في مثل: تظنى في تظن، وتمطى في تمطط، وهو نهج لا يشذ عن سنن الفصاحة التي التزم بها القرآن الكريم .
__________
(1) في اللهجات العربية /161 .

****

أما العدول عن ( مدكر) – بالدال الشديدة – إلى (مذكر) بالذال الرخوة ( وهو نطق لبعض بني أسد ) فيبدو – والله أعلم – أنه كان نطقًا في بطن من بطونهم، عاشوا قريبًا من بيئة حضرية تميل إلى الأصوات الرخوة، بعكس ما عرفت به قبائل البداوة من ميل إلى الأصوات الشديدة .
ظاهرة التأنيث :
الجوهري: لغة بني أسد: سكرانة (1).
هذا المثال عنوان على مشكلة ثارت بين المجمعيين خلال الستينات (2) .
وجوهرها أن مسلك الفصحى في تأنيث بعض الصفات المنتهية بالألف والنون أن تختمها بألف التأنيث المقصورة فيقال في (سكران): سكرى، وفي (غضبان): غضبى.
غير أن الرواية جاءت عن بني أسد باستعمال سكرانة وغضبانة، أي : باستعمال التاء في موضع الألف المقصورة، ومعنى ذلك أن ظاهرة تأنيث المذكر عندهم اتجهت إلى أن تأخذ قياسًا واحدًا فيما جاء عن الفصحى بقياسين. وإذا كانت المعاجم قد أشارت في روايتها لبعض الأمثلة إلى أنه ( من لغة بني أسد) فقد جاء فيها روايات أخرى دون هذه الإشارة ففي اللسان / مادة (غرث):" غرثان ومؤنثه غرثى وغرثانة"، وفي ماده (كسل): " كسلان، والأنثى كسلى وكسلانة" وهو ما يكاد يسجل ميل الفصحى إلى إجازة الوجهين إساغة لاطراد طريقة التأنيث .
وهذا هو المسلك الذي مالت إليه اللهجات الحديثة في العالم العربي، حيث اختفي تقريبًا استعمال الألف المقصورة في التأنيث، واطراد استعمال التاء على ما روي عن بني أسد .
يقال في العامية: سهران وسهرانة، وهيمان وهيمانة، وعيان وعيانة، وأرفان وأرفانة، ونعسان ونعسانة، وتعبان وتعبانة، كما يقال في الفصحى: كسلان وكسلانة، وسكران وسكرانة، وغضبان وغضبانة، وذلك مع وجود الصيغة الأخرى بالألف المقصورة .
__________
(1) اللسان / سكر .
(2) انظر : في أصول اللغة 1/80 – 105 .

****

والتفسير اللغوي لهذه الظاهرة أن نموذج ( كسلانة ) قد ظهر في فترة ما تنافسا للنموذج (كسلى)، ثم طغى عليه آخر الأمر في سلوك العاميات، والأساس فصيح كما نرى .
ولقد يكون لازمًا لاستعمال هذا القياس في التأنيث ما رواه الأستاذ حفني ناصف قال: " بنو أسد يصرفون مالا ينصرف، وإنما يقع منهم ذلك فيما علة منعه الوصفية وزيادة الألف والنون، فيقولون: لست بكسلان – بالتنوين، ويلحقون المؤنث التاء فيقولون: سكرانة" (1) .
وإيراد الكلام على هذا النحو يكاد يشعر بأن الصرف والتأنيث في هذا الباب كون المؤنث من فعلان هو فعلى، فلما أنثوه بالتاء صرفوه لزوال علة المنع .
ولقد يترتب على ذلك أن تتجه جهود تيسير النحو العربي إلى إطلاق الحكم بصرف الصفات المشتملة على ألف ونون زائدتين، فتتساوى في المعاملة النحوية، ويزول عنها قيد عدم الصرف مع انعدام استعمال الألف المقصورة في الاستعمال اللغوي السائد .
كسر حرف المضارعة:
(1)"ويِعلم – بالكسر – لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب، وأما أهل الحجاز وقوم من أعجاز هوازن وأزد السراة وبعض هذيل فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. قال: وزعم الأخفش أن كل من ورد علينا من الأعراب لم يقل إلا تِعلم بالكسر، قال: نقلته من نوادر أبي زيد " (2).
(2)"ومن قال : يِتجل بكسر الياء، فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نيجل، وأنت تِيجل – كلها بالكسر، وهم لا يكسرون الياء في (يعلم) لاستثقالهم الكسر على الياء، وإنما يكسرون في ييجل لتقوى إحدى الياءين بالأخرى. ومن قال: تيجل بناه على هذه اللغة " (3).
(3)" وبنو أسد يقولون: يِيجع بكسر الياء، وهم لا يقولون: يِعلم، استثقالا للكسرة على الياء، فلما اجتمعت الياءان قويتا فاحتملت ما لم تحتمله المفردة، وينشد لمتمم بن نويرة على هذه اللغة :
__________
(1) مميزات لغة العرب/18 .
(2) اللسان /وقى .
(3) اللسان /وجل.

*****

قعيدك ألا تسمعيني ملامة ولا تنكئ قرح الفؤاد فَييجَعَا
ومنهم من يقول: أنا إيجع وأنت تيجع " (1) .
(4) ولهذا قالوا في لغة بنى أسد ييجل، وهم لا يقولون يعلم "(2).
(5) إذا أرادت الناقة أن تضع قيل: مَخِضَت، وعامة قيس وتميم وأسد تقول مِخِضَت بكسر الميم، ويفعلون ذلك في كل حرف كان قبل أحد حروف الحلق"(3).
هذه روايات تشترك في نسبة الكسر إلى أسد مع قبائل أخرى كقيس وتميم وغيرهم من عامة العرب. والواقع الذي تؤيده الشواهد المروية أن الكسر كان فاشيًا في جميع العرب ماعدا أهل الحجاز، ولكن بعض الأمثلة يروى عن بعضهم دون بعض، ومن ذلك ما ذكره خليل مردم بك في ( كتاب الأعرابيات ) من أن " التلتلة في بهراء، وهم بطن من تميم، يكسرون أحرف المضارعة مطلقًا، ونسب ابن فارس هذا الكسر لأسد وقيس وجعله عامًّا في أوائل الألفاظ، مثل: يِعلمون، ويِعلم، ومثل شعير، وبعير" (4) .
وقد ذكر الحريري هذه الظاهرة بشكل عام حين قال: " وأما تلتلة بهراء فيكسرون حروف المضارعة فيقولون: أنت تِعلم " (5) .
والحق أن في هذه المسألة تفصيلاً ينبغي الوقوف عنده:
أولاً: ما يتصل بصيغة فعيل فيما عينه أو لامه أحد الحروف الستة الحلقية، وأهل الحجاز يفتحون فاءه على القياس، وتميم يكسرون الفاء إتباعًا لحركة العين، فيقولون: بِئيس ولئيم وشِهيد وسِعيد ويِخيف ورِغيف وبِخيل، ويقولون: شِهْدٌ ولِعْبٌ وضِحْكٌ ونِغْلٌ ووِخْمٌ (6) .
ولعل من هذا الباب ما روي عن قيس وتميم وأسد من قولهم (مِخِضَت)، ويفعلون ذلك في كل حرف كان قبل أحد حروف الحلق .
__________
(1) اللسان / وجع.
(2) اللسان/ يسر .
(3) اللسان / مخض.
(4) في كتاب الأعرابيات/ 53: شعر وبعر، وانظر: الصاحبي لتصويبه/ 52 ، 53 .
(6) درة الغواص / 184 .
(6) كتاب سيبويه 4/108

***

ثانيًا: " ومن الاتباع أيضًا قول بعض العرب: مِغِيرة ومِعِين، أتبعوا الكسرة الكسرة، كما قالوا : مِنِين، وقالوا في حرف شاذ: إِحِب ونِحِب ويِحِبّ، شبهوه بقولهم مِنِين " (1).
ثالثًا: قال سيبويه: هذا باب ما تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء كما كسرت ثاني الحرف حين قلت: فِعل، وذلك في لغة جميع العرب، إلا أهل الحجاز، وذلك قولهم: أنت تعلم ذاك، وأنا إِعلم ، وهي تِعلم، ونحن نِعلم ذاك. قال: وكذلك كل شيء فيه فِعل من بنات الياء والواو إلى الياء والواو فيهن لام أو عين، والمضاعف وذلك قولك: شقيت فأنت تِشقى، وخشيت فأنا إِخشى، وخِلنا فنحن نِخال، وعضضن فأنتن تِعْضَضْنَ وأنتِ تِعضين. وعلل سيبويه لذلك بقوله: إنما كسروا هذه الأوائل لأنهم أرادوا أن تكون أوائلها كثوانى فِعَل، وقالوا: ضربت تَضرب وأضرب، ففتحوا أول هذا كما فتحوا الراء في ضرب.
ثم قال: ولا يكسر في هذا الباب شيء كان ثانيه مفتوحًا، نحو: ضرب وذهب … وشذ كسر أبى فأنت تِئبِي، وهو يِئبي – على ماقرره سيبويه. ثم قال: وكل ذلك مفتوح في لغة أهل الحجاز وهو الأصل "(2) .
رابعًا: وبقي أخيرًا ما نص على نسبه إلى أسد، خاصًّا بالفعل (وجل يوجل)، وقد أورد سيبويه وجوه نطق الفعل على النحو التالي:
أهل الحجاز: يَوجل، مثل علم يَعلم .
غيرهم من العرب: هي تِيجل، وأنا إِيجل، ونحن نِيجل. وأما الياء فعلى ثلاثة أوجه:
بعض العرب: يَيْجَل كراهية الواو مع الياء .
وقال بعضهم: ياجَل فأبدلوا مكانها ألفًا كراهية الواو مع الياء .
وقال بعضهم: يِيجل، كأنه لما كره الياء مع الواو كسر الياء ليقلب الواو ياء.
__________
(1) السابق 4/109.
(2) الكتاب 4/110 – 111.

*****

وهذا (البعض ) الأخير هم بنو أسد في رواية اللسان، وقد يوهم النص على اختصاصهم بهذه الرواية أنهم يقتصرون على كسر هذا الحرف من صور إسناد هذا الفعل، ولكن الواقع أنهم كانوا يكسرون حرف المضارعة باطراد، أي: بما في ذلك الياء. بل يبدو أنهم لم يقتصروا على هذا الفعل ( وجل يوجل )، وإنما طردوا قياس ذلك في كل ما يشبهه من الأفعال. قال الجوهري: " في المستقبل منه أربع لغات: يَوْجَل، ويَاجَل، ويَيْجَل، ويِيجَل، بكسر الياء، قال: وكذلك فيما أشبهه من باب المثال إذا كان لازمًا، فمن قال: ياجَل جعل الواو ألفًا لفتحه ما قبلها " (1) .
وقد يعثر المرء إذا تابع هذا الباب من الأفعال على روايات تثبت تصريفها على بعض الأوجه المذكورة، ففي اللسان / وسع: " وسمع الكسائي: الطريق ياتَسعِ أرادوا يوتَسع ، فأبدلوا الواو ألفًا، طلبًا للخفة، كما قالو : ياجَل ونحوه".
" وحكى سيبويه يَمَن يَيْمَن: أخذ ذات اليمين "(3).
ولذلك نجد أن سلوك العامية الظاهرية يحاكي بعض هذه التصريفات اللهجية ، سواء فيما يماثل هذا الفعل المثال الواوي، فهو يأخذ عن أهل الحجاز تصحيح الواو، ويأخذ عن غيرهم من العرب كسر حرف المضارعة مطلقًا.
فتقول العامة: يِوْيَد ، ويِوْجَع ، ويِوْرث، ويِوْرد، ويِوْسَع، ويِوْصَل، ويِوْصِف، ويوضع، يؤكَل، ويِوْهَب.
غير أن كسر المضارعة في غير هذا الباب، أعني في أبواب الصحيح لا يتبع حركة العين في الماضي، كما قرر سيبويه، بالنسبة إلى سلوك الفصحى، بل يبدو أنه يتبع حركة العين في المضارع، وهو يقتصر على الكسر والضم دون الفتح على أحد احتماليه:
(1) فإذا جاء الفعل في الفصحى من باب فَعَل يَفعُل ، فحرف المضارعة في العامية مضموم مثل : يُدخُل، ويُخرُج، ويُنصُر … إلخ.
__________
(1) اللسان / وجل .
(3) اللسان / يمن .

**********************

 

 (2) وماعدا ذلك من أبواب الفعل فحرف المضارعة مكسور في العامية الظاهرية مثل: يِلعَب –يِضْرَب – يِقفِل – يِنجَح – يِصغَر – يِحسِبِ … إلخ .

 

من وجوه الاختلاف بين لغة الحجاز واللُّغات الأخرى

من وجوه الاختلاف بين لغة الحجاز واللُّغات الأخرى
وآثار ذلك في اللهجات العامِّيَّة المعاصرة(2)
للدكتور علي عبد الواحد وافي
عضو المجمع
أولاً: في الأسماء المفردة:
1- الأم: بضم الهمزة وفقًا للغة الحجاز، وبكسرها وفقًا للغة هوازن وهذيل، وعلى لغة الحجاز تسير معظم اللهجات العامية المعاصرة. وعلى لغة هوازن وهذيل تسير بعض اللهجات العامية في سورية ولبنان.
__________
(1)
cf, also Cantinueau, “Etudes”, 137 .
والكلمة
msiid استثناء من هذا التعميم في لهجة عمان المحمية. وقد يعني هذا تأييد القول بأن msiid = مسيد.ومهما يكن الأمر فعدم وقوع masjid = مسجد يمكن تفسيره أيضًا من زاوية النطق المحلي للكلمة ( مسقط ).
(2) بحث عرض على اللجنة، في الدورة الحادية والخمسين سنة 1985، وأقرته اللجنة.

******

2- إياك: بكسر الهمزة وتشديد الياء المفتوحة وفقًا للغة الحجاز، وبكسر الهمزة وتخفيف الياء المفتوحة وفقًا للغة بعض العرب. وعلى لغة الحجاز تسير اللهجات العامية المعاصرة، غير أن هذه الكلمة قد فقدت في هذه اللهجات معنى الضمير، إلا في موضع واحد وهو أن تجيء بعد واو العطف، وفي هذه الحالة تسقط همزتها في النطق (رُحْت وَيَّاك). وفيما عدا هذه الحالة يجيء هذا الضمير في اللهجات العامية المعاصرة للتحذير وللترجي (إيَّاك تمشى مع فلان، إيَّاك تكون عملت بالوصية)، ومجيئه للتحذير عربيّ فصيح. وأما مجيئه للترجي فلم نعثر عليه في لغة عربية فصيحة. ولعل هذا الاستعمال من باب الأضداد.
3- الجمعة: بضم الميم وفقًا للغة الحجاز، وبسكونها وفقًا للغة تميم. وعلى لغة تميم تسير اللهجات العامية المعاصرة.
4- الحصاد: بكسر الحاء وفقًا للغة الحجاز، وبفتحها وفقًا للغة تميم. وعلى لغة تميم تسير بعض اللهجات العامية المعاصرة، وعلى لغة الحجاز يسير بعضها الآخر.
5- الصِّراط: بالصاد وفقًا للغة قريش، وبالسين وفقًا للغات عامَّة العرب، ما عدا عذرة وكعب وبني القين فإنهم ينطقونها بالزاي، ومن العرب من ينطقها بين الصاد والزاي كما ينطق بالظاء في عامية مصر. وعلى لغة السين تسيربعض اللهجات العامية المعاصرة، وعلى لغة الصاد يسير بعضها الآخر.
6- الصِّراط، السَّبيل، الزُّقاق، الطَّريق … إلخ: هذه الكلمات مؤنثة في لغة الحجاز، ومذكرة في لغة بني تميم، وعلى لغة بني تميم تسير اللهجات العامية المعاصرة.
7- الضّعف: بضم الضاد لغة قريش، وبفتحها لغة تميم، وعلى لغة تميم تسير معظم اللهجات العامية المعاصرة.

*******

8- عليهم: بكسر الهاء وسكون الميم وفقًا للغة قريش. وبضم الهاء وسكون الميم لغةٌ لبعض العرب. وبكسر الهاء ومدِّ الميم بالواو لغةٌ لبعض العرب كذلك. وتسير اللهجات العامية المعاصرة على ضم الهاء وسكون الميم. وفي اللهجة المصرية تُقْلَب الياء إلى حرف مدٍّ شبيه بحرف é الفرنسية.
9- غشاوة: بكسر الغين وفقًا للغة قريش، وبفتحها وفقًا للغة ربيعة، وبضمها وفقًا للغة بعض العرب. وعلى لغة قريش تسير اللهجات العامية المعاصرة.
10- غلظة: بفتح الغين وفقًا للغة الحجاز، وبكسرها وفقًا للغة أسد، وبضمها وفقا للغة بعض العرب. وعلى لغة أسد تسير اللهجات العامية المعاصرة.
11- المرض: بفتح الراء وفقًا للغة قريش، وبسكونها وفقًا للغة بعض العرب. قال ابن جني في المحتسب: "ينبغي أن يكون "مرض" هذا الساكن لغة في "مرض" كالحلب والحلب والطرد" (الأول 53، 54). وفي الشوارد للصغاني " المرض بسكون الراء مرض القلب خاصة" (ص3) – وعلى لغة قريش تسير اللهجات المعاصرة.
ثانيًا: في الجمع:
12- سكارى، كسالى: بضم السين والكاف وفقًا للغة قريش، وبفتحهما وفقًا للغة تميم. وعلى لغة تميم تسير اللهجات المعاصرة.
13- عورات: بسكون الواو وفقًا للغة قريش، وبفتحها وفقا للغة بني تميم وهذيل، قال البغدادي – في الخزانة – : "لغة هذيل فتح عين فعلات، جمع فعلة، المعتلة العين مثل عورة وعورات، وجوزة وجوزات، وبيضة وبيضات" – وعلى لغة قريش تسير اللهجات العامية المعاصرة.
14- الهدى (ما يهدى للبيت الحرام من الذبائح): بسكون الدال وفقا للغة قريش، وبكسر الدال وتشديد الياء – كمَطِيَّة ومَطِيّ – لغة بني تميم. وعلى لغة قريش تسير اللهجات العامية المعاصرة.
ثالثًا: في الأفعال:
15- استحيى: بياء بعد الحاء وفقًا للغة قريش، وبدون ياء بعد الحاء وفقًا للغة تميم. وعلى لغة تميم تسير اللهجات المعاصرة.

*******

16- أعطى: بالعين لغة قريش، وإبدال العين نونًا لغة اليمن، ومن كلامه – عليه السلام – محاكيًا لغة اليمن: "اليد العليا المنطية خير من اليد السفلى المنطاة " -وعلى لغة اليمن تسير اللهجة العراقية، وعلى لغة قريش تسير معظم اللهجات العامية المعاصرة.
17- تجلس، نجلس، يجلس … إلخ: بفتح حرف المضارعة لغة قريش وبكسره لغة تميم وربيعة. قال أبو جعفر الطوسي – في تفسيره – :"إن الكسر هو كذلك لغة هذيل، " وعلى لغة تميم وربيعة وهذيل تسير اللهجات العامية المعاصرة.
18- حزن: متعدٍّ بنفسه وفقًا للغة قريش، ومتعدٍّ بالهمزة وفقًا للغة تميم. ويتعدى بالتضعيف في اللهجات العامية المعاصرة.
19- حسب يحسب: من باب فَرِحَ وفقا للغة قريش، وبكسر السين في الماضي والمضارع لغة بني كنانة، قال في المصباح: "حسبت زيدًا قائمًا، أحسبه، من باب تعب، في لغة جميع العرب إلا بنى كنانة فإنهم يكسرون المضارع، من كسر الماضي أيضًا، على غير قياس ". وعلى لغة بني كنانة تسير اللهجات العامية المعاصرة.
20- فرغ: من باب نصر لغة قريش، ومن باب فرح لغة بني تميم. وتسير بعض اللهجات العامية على فتح الفاء والراء في الماضي، وفتح الراء في المضارع، ويسير بعضها الآخر على كسر الفاء والراء في الماضي، وفتح الراء في المضارع.
رابعًا: التقاء الساكنين:
21- تجيز لغة الحجاز التقاء الساكنين: إذا كان أولمها ألفًا والحرف الآخر مشددًا، مثل دابَّة، شابَّة، الضالِّين … إلخ، وفي بعض لغات العرب تبدل الألف همزة فرارًا من التقاء الساكنين. قال أبو حيَّان في – البحر المحيط -: حكى أبو زيد دأبة، وشأبة في كتاب الهمز. وجاءت منه ألفاظ، ومع ذلك لا يقاس على هذا الإبدال؛ لأنه لم يكثر كثرةً تسمح بالقياس. وقال أبو زيد: سمعت عمرو بن عبيد يقرأ: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جأن } فظننته قد لحن، حتى سمعت عن العرب: دأبة وشأبة. قال أبو الفتح ابن جني: وعلى هذه اللغة جاء قول كثير:

*********

فأنت ابن ليلى خير قومك مشهدًا إذا ما العوالي بالعبيط احمأرَّت
وقول الآخر (الصحيح قول كثير هو نفسه):
وللأرض أَمَّا سودُها فتجلَّلَتْ بَياضًا وأمَّا بيضها فادْهأَمَّتِ
وعلى ما قال أبو الفتح " إنها لغة " ينبغي أن ينقاس- وعلى لغة قريش تسير اللهجات العامية المعاصرة.
خامسًا: الهمز وعدمه:
22- قريش لا تهمز فتقول: يومنون، المومنون … الخ: وتميم تهمز فتقول: المؤمنون، يؤمنون … اإلخ – وعلى لغة تميم تسير معظم اللهجات العامية المعاصرة.
23- الإمالة: أن تنطق بفتحة الحرف السابق للألف قريبة من الكسرة وبالألف قريبة من الياء، وهي على ضربين متوسطة وشديدة. والإمالة لغة عاَّة أهل نجد من تميم وقيس وأسد. والفتح هو: إبقاء فتحة الحرف السابق للألف وإبقاء الألف على حالهما. والفتح لغة الحجاز، وهو منقسم إلى فتح شديد وفتح متوسط، فالشديد: هو فتح المتكلِّم لفِيه بلفظ الحرف الذي بعده ألف، ويسمى التفخيم، وهو غير مستعمل عند العرب. وأكثر ما يوجد في ألفاظ أهل خراسان ومن قَرُبَ منهم؛ لأنَّ طباعهم في العجمة جرت عليه، فاستعملوه كذلك في اللغة العربية. والمتوسط: هو عدم فتح المتكلِّم لفيه بلفظ الحرف الذي بعده ألف. ويسير على طريقة الفتح المتوسط معظم اللهجات العربية المعاصرة. ويسير على طريقة الإمالة بعض هذه اللهجات، وخاصة عند أهل بني غازي بليبيا، وعند جميع العرب النازحين إلى مصر من الغرب البراعصة، الفوايد، الرماح، الحرابي، أولاد علي، سمالوس، خويلد، الضعفاء .. إلخ.
ومقام معظمهم في المنيا وبني سويف والفيوم والإسكندرية وضواحيها.
سابعًا: القاف وإبدالها جيمًا غير معطَّشة:

********

24- حدث اختلاف كبير في مخرج القاف عند العرب، وفي هذا يقول ابن خلدون – في مقدمته في أثناء كلامه على لغة البدو في المغرب في عصره إذ يقلبون القاف جيمًا غير معطشة -: " وما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد (يقصد بذلك لغة البدو في المغرب في عصره) حيث كانوا من الأقطار فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الأمصار، كما هو مذكور في كتب العربية: أنَّه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى، ولا ينطقون بها أيضًا من مخرج الكاف، وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من الحنك الأعلى، بل يجيئون بها متوسِّطة بين القاف والكاف (وهي الجيم غير المعطَّشة). وهو موجود لهذا الجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق، حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الأمم والأجيال لا يشاركهم فيه غيرهم، وحتى إن من يريد التعرُّب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها. وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبة والحضرى بالنطق بهذه القاف. ويظهر بذلك أنها لغة مُضَرٍ بعينها، فإن هذا الجيل – الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقًا وغربًا – من ولد منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان، من سليم بن منصور، ومن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن منصور، وهم لهذا العهد أكثر الأمم من المعمور وأغلبهم، وهم من أعقاب مُضَر، وسائر الجيل منهم في النطق بهذه القاف أُسْوةً. وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل، بل هي متوارثة فيهم متعاقبة. ويظهر من ذلك أنها لغة مضر الأولين، ولعلَّها لغة النبيِّ (- صلى الله عليه وسلم -) بعينها. وقد ادَّعى ذلك فقهاء أهل البيت (يقصد بذلك فقهاء الشيعة)، وزعموا أن من قرأ في أمِّ الكتاب { اهدنا الصِّراطَ المُسْتقيم } بغير القاف التي لهذا الجيل (المستجيم) فقد لَحَنَ وفسدت صلاته – ولم أدْرِ من أين جاء هذا؟ فإن أهل الأمصار أيضًا لم يستحدثوها (فإنهم كانوا لعهده ينطقون القاف قافًا) وإنما تناقلوها من

******

لدن سلفهم، وكان أكثرهم من مُضَر لمَّا دخلوا الأمصار من لَدُنِ الفتح. وأهل الجيل أيضًا لم يستحدثوها" (المقدمة تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي، الجزء الثالث، صفحتي 1283، 1284).
فيظهر من كلام ابن خلدون أن كلا النطقين يمثل لغة قديمة من لغات العرب .
هذا، وعلى لغة القاف تسير اللهجات العامية في بعض بلاد مصر (وخاصة في رشيد وبعض بلاد بني سويف) وفي معظم مناطق تونس والجزائر والمغرب. وعلى لغة الجيم غير المعطَّشة تسير معظم اللهجات العاميَّة المعاصرة. وتقلب القاف همزة في لهجة القاهرة وضواحيها والجيزة والفيوم وبني سويف، ولهجة أهل فارس، وبعض لهجات الشام .
من أهم المراجع في جميع ما تقدم:
لسان العرب، القاموس المحيط، المصباح المنير، معجمات مجمع اللغة العربية، الشوارد للصغاني، الحجة لأبي علي الفارس، المحتسب لابن جني، البديع لابن خالويه، الخزانة للبغدادي، البحر المحيط لأبي حيان.
* … * … *

 

تغير الجيم الى ياء في لهجات شبه الجزيرة العربية

 

تغير الجيم إلى ياء في لهجات شبه الجزيرة العربية(*)
بقلم : ت.م. جونستون
ترجمة : الأستاذ سعد مصلوح
من أهم الظواهر الفونولوجية لكثير من لهجات شبه الجزيرة العربية نطق الجيم ياء. وهذا التغير الصوتي ليس محصورًا في مجموعة واحدة من اللهجات، كما أنه غير خاضع لظروف موقعية، وذلك على العكس من نطق الكاف والقاف نطقًا مزجيًّا أي انفجاريًّا – احتكاكيًّا (1) (2)*).
والأدلة على أن الجيم كانت تصير إلى ياء في اللغة العربية الفصحى أو في اللهجات القديمة ليست مقنعة تمامًا، كما أن هذا التغير لم يعد بصفة قاطعة –إلا عند قلة من المؤلفين – تغيرًا صوتيًّا على النحو الذي حكم به على العجعجة – مثلاً – تلك التي نسبت إلى لهجة تميم (3)
__________
(1) مجلة المجمع، الجزء السادس والعشرون، ص 183 – 194.
ونشر البحث في مجلة معهد الدراسات الشرقية والأفريقية التابع لجامعة لندن
(
BSOAS, 1965, VOL. XXVIII,PART 2.)
بعنوان: (
The Sound changejy in the Diatects of Arabic of peninsular Arabia )
of Johnstone, The Affrication ofKaaf ‘ and “gaaf” in the Arabic dialects of the Arabian (1) Peninsular, JSS, Vol. XIII, 2 1963, 210- 26.
(2) **) تترجم لجنة اللهجات بمجمع اللغة العربية المصطلح
affricated بالمزجى ( المترجم ).
(3) نسبت هذه الظاهرة أيضًا إلى قبائل أخرى. وفي هذا النوع من التغير الصوتي في اللهجات قارن كتاب سيبويه بتحقيق ( ديرنبرج ) 1/361 ، 2/314 ، 2/342 .
وابن جني : سر صناعة الإعراب ( بتحقيق السقا وآخرين ، القاهرة ، 1954) 1/192.
وقارن أيضًا :
Fleisch, Traité de philologogie arabe, Beyrouth, 1960, 78.
وكذلك:
Cantineua, Cours de phonetique arabe, Paris, 1960, 86-7 .
وأيضًا :
Kofler, WZKM, XIVII, 1940, 122.
وعن إمكانية الخلط بين أكثر من تغير صوتي قارن :
Rabin, Ancient West Arabian, London, 1951, 199
وفي تلخيص آراء النحاة قارن:
Howell, Arabic grammar, IV Allahabad, 1991,1374-8

****

( وهي تغير iy إلى ij في حالة الوقف أساسًا ).
وعندما كان بروكلمان
Brockelman يعالج موضوع التغير الصوتي الحديث (1)، بنى مناقشته على أن هذه الظاهرة قديمة أيضًا بالنسبة للصيغة ( مَسْجِد) التي صارت إلى (مَسِيد)، والتي اقترضتها السنسكريتية في العصور الوسطى وجعلتها (مَسِيتا) . ولكننا مع ذلك نلاحظ أن (مَسِيد) تظهر الآن في عدد من اللهجات التي لا ترد فيها هذه الظاهرة النطقية كما في اللهجة السودانية مثلاً (2) .
وكذلك فإنه على الرغم من أن الجواليقي (3) في زمن مبكر قد عاب ( مَسِيد) بأنها نطق سوقي لكلمة (مَسْجِد)، فإن الأمر في الحقيقة لا يبدو كذلك، وقد دلل الدكتور محمود الغول بأدلة مقنعة(4) على أن الكلمة (مَسِيد) مشتقة من (سود)(5) لا من ( سجد) (6) .
__________
(1)
GVG, 1 , 123.
(2) قارن : م.م. المجذوب : شخصيات تربوية 1/129 الخرطوم 1963 عند مناقشته للصيغة التونسية المقابلة. وتعرض بروكلمان(
GVG, Loc. Cit ) لهذه المنطقة كان في معرض الإشارة إلى تغير الياء إلى جيم قارن: Stumme, Marchen und Gedichte aus der stadt Tripolis in Nordafrika, Leipzig, 1893,202.
(3) أخطاء العوام 145 – 146 ( تحقيق ديرنبورج وآخرين ليبزج 1875 ).
(4)
Early Southern Arabian Language and Classical Arabic sources (University of London, ph. D. thesis, 1962 ), 250-2 .
وأنا مدين للدكتور الغول بهذه الإشارة والإشارة التالية .
(5) قارن تاج العروس مادة سود.
(6) يناقش كانتنيو (
cours, 60 ) هذه الحالة منفصلة انفصالاً كليًّا عن مناقشته لتغير الجيم إلى ياء قائلاً : " تسقط الجيم قطعًا بعد السين وتنقلب إلى ياء في الكلمة ( مسيد ) …"

****

وإنه لمن المعقول في ضوء هذه الحجج أن نفترض أن (مسيد) كلمة عربية جنوبية قديمة من الجذر ( سود)، ولقيت انتشارًا واسعًا، ووصمت بأنها سوقية، إذ نظر إليها على أنها تحريف لكلمة( مسجد). ولعل هذا يفسر ورودها في لهجات لا يقع فيها تغير صوتي من الجيم إلى الياء .
وقد ناقش كوفلر
Kofler (1) ولندبرج (2) Londberg أمثلة أخرى يبدو أن الجيم فيها صارت ياء في العربية الفصحى أو في اللهجات القديمة، يناقش كوفلر تغير (شجر) إلى (شِيَر) ، و(جشجاث) إلى (جشياث)، و(صهريج) إلى (صهريّ)، و(جصَّص) إلى (يصص).
ويقول لسان العرب مفسرًا هذه الظاهرة بالنسبة لهذه الأمثلة كلها:" لأَن العرب تجعل الجيم ياء " ( مادة يصص ) (3) .
أما أعظم هذه الأمثلة طرافة من حيث الدلالة على التغير الصوتي، فهي الكلمة (شِيَر) التي يصاحب تغير السواكن فيها تغيرًا في الحركات. وبسبب هذا التغير زعم ابن جني (4) – وهو بالتأكيد مخطئ في زعمه – أن ( شِيرَ) هي الأَصل و(شَجَر) هي الصيغة المتطورة عنها.
__________
(1) المقال السابق ذكره 121 – 132 .
(2)
Hadramoût 539, Glossaire datinois, 258 f.
(3) في طبعة بيروت 1952 جثجاث. قارن أيضًا:
Musil, Arabia deserta, New York, 1927,600
(4) لسان العرب مادة شجر ( والبدل لا تغير فيه الحركات) . قارن على أي حال :
Leslau, Lexique soqitri, paris, 1938,424.

*******

ويقدم لنا (لندبرج) – فيما يقدم من أمثلة – الصيغة الفصيحة (مشيَّع)(1) مساوية لكلمة ( مشجع)، و(راع) مساوية لكلمة (رجع)(2). ويبدو على أي حال أن هذين المثالين يرجعان إلى أصلين مختلفين (3) تداخلت بعض معانيهما أكثر من كونهما مثالين لتغير صوتي قديم .
ولهذا السبب نجد علماء فقه اللغة العربية لا يقدمون أية فكرة واضحة عن أي تغير صوتي عام يمكن مقارنته بما يقع في اللهجات الحديثة. على أن هناك عددًا من الحالات المعينة التي تشير إلى أن هذا التغير ربما كان خاصة لهجية في العصور القديمة.
أما بالنسبة للهجات الحديثة فقد وثقت هذه الظاهرة توثيقًا يكفي للتدليل على وقوعها في لهجات جنوبي شبه الجزيرة العربية وشمالها. وقد جاءَ ذكر شمالي شبه جزيرة العرب لأَول مرة على لسان وتزستين (4)
Wetzstein الذي لاحظ أن الجيم تنطق ياء في لهجات سرديَّة، وبني صخر، وفُحَيب، وسرحان، وشرارات، وفي لهجة السكان المستقرين في تيما، ودومة الجندلية ( بالجوف) ، وجبة، وحايل، والقبائل التي
تسكن أدنى الفرات (5) .
وقد استطاع كانتينيو (6) أن يؤكد هذه الظاهرة لسرحان وسردية والجوف، ولكنه لم يستطع إثباتها لبني صخر (7) .
__________
(1)
Glossaire datinois, loc. Cit.
(2)
po. Cit.,1626.
(3) نفس الطريقة مثلاً بالنسبة للصيغتين ( خلغ) و( جلع). ( ابن السكيت، كتاب القلب والإبدال29 تحقيق هافينر) : (
ed. Haffiner, Texte zur arabischen Lexiko – graphie, Leipzig, 1905).
(4)
Sprachliches aus den Zeltagern der syris. Chen Wuste’, ZDMG, XXLL, 1868, 163 .
(5) قد أكدها مؤخرًا سوسين
Socin انظر ص 187 فما بعد .
(6) ”
E’tudes sur quelques parlers de normades arabes d’orient” ,AIEO, 11,1936,24-5, and 111,1937,137-8. .
(7) على أي حال فقد قال عن تحرياته في بني صخر: " كان الاستفتاء صوريًّا حتى إنه من الصعب أن نجعله أساسًا للحكم " (
art . cit, 138 )

*****

وكذلك لم يستطع أحد الرواة اللغويين الذين يعرفون نجدًا معرفة جيدة أن يثبتها لحايل(1) ، ولكنه زعم وقوعها في لهجة بني تميم في الحوطة جنوبي الرياض.
ويقدم ( لندبرج ) أمثلة عديدة لهذه الظاهرة في حضرموت، وإن كانت مواقعها الجغرافية لسوء الحظ لم تحدد تحديدًا دقيقا(2). وهو يلحظ مع ذلك وقوعها نادرًا في لهجة دثينة (3) .
ويلحظ رودو كاناكيس
Rhodokanakis أيضًا وقوع هذا التغير الصوتي في لهجة ظفار (4) .
وتمثل لهجات الساحل الشرقي للصحراء العربية حلقة الاتصال بين اللهجات الجنوبية والشمالية (5) ، ولهذا كان في استطاعتنا أن نحدد المنطقة التقريبية التي توجد
فيها هذه الظاهرة كما هو موضح بالخريطة (6).
فالحد الشمالي الشرقي لوقوع هذه الظاهر يمكن أن يمتد على امتداد الأهواز(7).
__________
(1) يبدو من تحرياتي أن من المستبعد عدم وقوعها في لهجة حايل.
(2)
Hedremoût, 539 .
وقد أخبرني دكتور سرجانت
Serjeant أن هذا التغير الصوتي عام في عربية الطبقات غير المثقفة .
(3)
Glossaire datinois, 259 .
(4)
Cf. Der Vaulgarorabische Dialekt in Dafâr .
CK. Akad. d. wiss Sudarabisch e ,Exedition x) wein 1911, 76.
(5) من الطريف أن نعرف أن هذه الظاهرة قد لاحظها في هذه المنطقة بلجراف
palgrave قبل أن ينشر وتزستين بحثه، وذلك إذ يقول عن عربية الشارقة على الخليج العربي: إن تغير الجيم العربية إلى ياء خطأ نطقي محلي في اللهجة حيث تتحول مسجد إلى مسيد وأجمان إلى أيمان وهكذا .
(
Narrative of a year’s Journey through centeral and eastern Arabia, 11, London, 1865, 252.
(6) فيما يتعلق بعدم وقوع هذه الظاهرة، اقتصرت الخريطة على الإشارة إلى مناطق الأطراف التي كان من المتوقع حدوثها فيها .
(7) من مذكرات لوريمير
COL. D. L. R.Lorimer عن عربية الأهواز التي أخذت عنها الأمثلة المذكورة في ص7 و 8 ( وهي بمكتبة معهد الدراسات الشرقية والإفريقية ).

******

والحد الجنوبي الشرقي يمتد إلى خور فكان ( ويصل على وجه التأكيد إلى ما يقارب الفجيرة ) في شبه جزيرة رأس الخيمة (1) .
وقد سجل لوريمير
Col. Lorimer الأمثلة الآتية في الأهواز ما بين عامي 1907 – 1908 (2) :
الكلمة في لهجة الأهواز … المقابل
جا، ( وفي أماكن أخرى ) يا جا … [ أتى(3) ]
جِلِد، ى ى ليد (4) … جلد
جَديد، يَديد … جديد
جوعان (5) ، يوعان … جوعان
جَريذى، يريذى … (جريذى ) [ فأر ]
جُرُف ، يُرُف … جرف
يَرَس والجمع يَرُوسا … جرس
الكلمة في لهجة الأهواز … المقابل
جَرَب، يَرَب(1) … ( جرب )
ى ى لا ل ( وفي
أماكن أخرى ) ى لا ل (2) … ( حلال ) [سرج ]
جود ، يود (3) … (جود) [ قربة ماء ]
جيب ، ييب
والجمع ى يوب … جيب
حايز الجمع : حُوَايز … ( حاجز )
رِيَّال … والجمع رِيَايل ، رِجَاجيل
رجل ( رجال )
ريَف … رجف
روى … روج [ موجة مائية ]
سُراي، والجمع سُرَايات … سراج
عرَج، عَرَى … عرج
عَوَىْ … اعوج
فنجان، فنيان … فنجان
واجد، وايد (4) … فجْر
__________
(1) هذا الحد الشرقي على أي حال يمكن أن يمتد حتى عمان ذاتها. وبالرغم من أن هذه الظاهرة لا توجد في لهجة مسقط إلا في الكلمة ( وايد) المنقلبة عن ( واحد) بمعنى كثير .
Cf. Jayakar, “ the O’manee dialect of Arabic, part 1 “ JRAS, NS, XXI, 1889,652.
فمن المحتمل وقوعها في لهجات الساحل العماني قرب شبه جزيرة رأس الخيمة.
(2) احتفظ بالكتابة الأصلية في هذه الأمثلة مع تعديلات طفيفة، وقد وضعت الإضافات بين قوسين مستديرين.
(3) الكلمات التي بين الأقواس المعقوفة من الإضافات المفسرة التي ذكرها المؤلف ( المترجم ).
(4) لجأت إلى فصل الحرف للدلالة على أن الكلمة تبدأ بحركة فالياء المنفصلة مقابل الكسرة وتكرارها دلالة على أن الكسرة طويلة ( المترجم ).
(5) العلامة الموجودة فوق الواو والياء للدلالة على الإمالة ( المترجم ).

******

ويمكن أن نلاحظ هنا أمرين :
الأَول: أن الجيم والياء في هذه الأمثلة كلها تقريبًا يبدو أنهما صورتان اختياريتان للنطق.
ــــــــــــــــ
( ) ملاحظة يفسر فيها المؤلف معنى الجرب للقارئ الأجنبي ( المترجم ).
(2)
of Meiszner, Neurabische Geschichten au dem Iraq, Leipzig, 1903, 116 ( Pocksattal).
(3)
Meiszner, op. Cit. 171 ( Lkeiner Schlauch ) .
(4) يمكن أن تكون الكلمة البغدادية ( هوايا ) هي هذه الكلمة نفسها ومع ذلك قارن :
N. Malaika, Grundzuge der Grammatik des arabischen Dialektes von Bagdad, Wiesboden, 1963, 35.
والتغير الصوتي من الجيم إلى الياء ليس ظاهرة من ظواهر عربية بغداد، وانظر المرجع السابق ولاحظ الكلمة (رجال) وجمعها (ر(ى) ياجيل) المنقلبة عن : ( رجا جيل ) .
الثاني: لم يلاحظ وجود الصيغ المشتملة على الياء بالنسبة لكثير من الكلمات ( مثل: واجب، جبهة، جرادة ).
ويوجد هذا التغير الصوتي أيضًا في لهجة البصرة كما نجد في ( يا – جا ) .
أما فيما يتعلق ببقية جنوب العراق فقد لاحظ ( سوسين ) أن هذا التغير سمة من سمات العربية في المنتفج وسوق الشيوخ (1) .
وفيما يلي أمثلة توضح هذه الظاهرة في لهجة الكويت في سياقات صوتية متنوعة(2) :
ييب … جيب [ أحضر ]
يِبْت … جبت [ أحضرت ]
نَسِى … نسج
سِرِى … سرج
يَيت … جيت [ أتيت ]
يامِعَه … جامعة [ ربطة وهي من الكلمات البحرية ]
يَرَاد … جراد
سْرَاي … سراج
دَرَىْ … درج
__________
(1)
Aus einem Briefe des Dr. Soicn and prof. Noldeke “,ZDMG, XXIV, 1870, 470 .
(2) أمثلة الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية هي من ملاحظاتي الميدانية ما لم ينص على خلاف ذلك. وبالنسبة للأمثلة الكويتية الأخرى انظر :
Holmes and Sam’aan, Handbook of Kuwaiti Arabic Arabic ( publ. Kuwait Oil co. ) London, c. 1951 and 1957.
وأيضًا : ج . حنفي : معجم الألفاظ الكويتية، بغداد 1964.

******

حَيَر … حجر، ثِقْل يستخدمه الغواص أو الصائد [ لتثبيت السفينة في عرض البحر ].
يوش … جوش [ من الكلمات البحرية وهي الشراع الإضافي في السفينة ]
يريور … جرجور [ سمك القرش ] .
بْلوىْ … بلوج [ سكر القصب ] (1)
يوعان … جوعان
يو، ياو … جاوا [ جاءوا ]
وقد نبذ الميل إلى هذا النطق بسبب التطور السريع في الأَحوال الاجتماعية والاقتصادية الجديدة في الكويت ، واستبدلت معظم الكلمات التي تنطق فيها الجيم ياء – أو هي في طريقها للاستبدال – بما يناظرها في العربية العامة
pan – Arabic Koiné
على أن هذا النطق مازال يفرض نفسه في كلمات معينة كثيرة الشيوع ( مثل: يا )، وفي كلمات محلية ليس لها نظير دقيق في العربية العامة، ويتصل أكثر هذه الكلمات بالبحر والملاحة (2). وبالرغم من أن الميل إلى نطق الجيم ياء أصبح في حكم العدم، ومن ثم كان من الصعب أن نفصل في الأمر – فإنه يبدو صحيحًا أن الجيم في كلمات كثيرة في اللهجة الكويتية لم تنطق ياء أبدًا حتى في المصطلحات البحرية الراسخة في القدم كما في ( جِيب ) وجلنكًا وجالبوت (3) .
__________
(1)
cf. Socin, Diwan aus Cenetralarabien, Leipzig, 1900, glossary.
(2) من ذلك مثلاً بعض المصطلحات الفنية التي سجلها جونستون وموير
Muir في بحثهما :
Some noutical terms in the Kuwaiti dialect of Arabic”, BSOAS, XXVII, 2 1964, 299-332.
(3) انظر البحث السابق. وكون هذه الكلمات مقترضة لا يؤثر على هذا الادعاء فإن التغير الصوتي المحلي يؤثر على كلمات مقترضة أخرى كما في الكلمة الفارسية (جرخ) التي صارت إلى (كرخ) و (شرخ) كما تظهر في صورة (جرخ).

********

ولا توجد هذه الظاهرة في كلام الكبار من أفراد القبائل التي كانت تقطن مناطق ما وراء الساحل الكويتية، وأعني بها الرشايدة والعوازم والمطير والعجمان. وينطبق هذا الأمر عليهم، حتى بعد استيطانهم الكويت بوقت طويل. ولكن هذه الظاهرة، مع ذلك، يمكن ملاحظاتها في كلام الجيل الأصغر سنًّا من أفراد القبائل الذين قضوا سنوات المراهقة في الكويت، حتى ولو كانوا يتكلمون في حضرة من يكبرونهم سنًّا.
ونطق الجيم ياء من ظواهر لهجات السحا (1) والبحرين. والأمثلة التالية شواهد من لهجة البحرين:
تْيينّا … تجينا [ أنت تحضرين إلينا ]
يد [ ى ] رى … جدرى
يهَّال ، يْهَال … جهال [ أطفال ]
يابوا … جابوا ( أحضروا )
يَـ (
je,jae ) … جا ( جاءَ )
نْعَيز … تعجز
عَيَل ( منقلبة عن أجل ) … عجل [ بمعنى : ثم ماذا ؟ أو وبعدين ؟ ]
[ ى يون ... يجون [ يحضرون ]
عَيُوز … عجوز [ امرأة عجوز ]
وفي الأمثلة الآتية يحدث التحول بالصورة الآتية:
ij, ji ii, aj ee, yij (yaj) y (I) , yj (I) (y) i
مِيدَاف … مجداف ( منقلبة عن مجداف )
رِيل … رجل
مِسْتَعِيل … مستعجل
ويه … وجه
( اللا ) يزيك ( خير) ( الله ) يجزيك ( خير ) … ( يـ ) يبون (
y) iibuun (2) يجيبون
ولاحظ أيضًا الكسرة الطويلة الخالصة
ii المنقلبة عن ayu (aju) في : (3)
رِيل رَجُل
وهناك على أية حال كثير من الكلمات الشائعة التي لا تنطق فيها الجيم ياء كما في نحو حِجْرة لا حيرة، وجماعة أكثر من يماعة. ولا تقع هذه الظاهرة كذلك في الكلمات المأخوذة عن اللغة العامة كما في عالج (علاجا طبيًّا ).
__________
(1) سجلت في مذكراتي وجود هذه الظاهرة في الظهران وإن لم أورد أمثلة على ذلك.
(2) ى ى يبون
iibuun أكثر اختصاصًا بلهجة البحرين و ( ييبون ) أخص بلهجات شرقي شبه الجزيرة العربية الأخرى . ( Hadramoû p. 59 )
(3) يقدم لاندبرج
Landberg مثالاً مشابهًا له هو : عجز الذي تحول إلى عيز .

*******

وتتمتع ظاهرة نطق الجيم ياء بحرية الوقوع في قَطَر في لهجات سكان الشمال المستقرين استقرارًا تامًّا. ولكنها تختفي بشكل ملحوظ من كلام أنصاف المستقرين:
بني هاجر في الشمال، والمناصر في الجنوب، وتتمتع بحرية أقل في الحدوث في كلام السكان المستقرين من أهل الدوحة.
وكلام أهل الشمال – من هذه الناحية ومن نواح أخرى – أكثر شبهًا والتصاقًا بكلام البحرين، على حين يميل الكلام الجنوبي إلى أن يكون أكثر شبهًا بكلام السعوديين جيران قطر من ناحية الجنوب (1) .
وهذه الأمثلة التالية من الشمال:
عايلين … عاجلين
عَوِى … عوج ( ركن)
نَيم … نجم ( نوع من الحشائش )
أما الأمثلة الآتية فهي من الدوحة :
ريَّال، رَيَّال … رجال ( رجل )
وايد … واجد ( كثير )
بِرِى … برج ( للمراقبة )
( ى ) ببرون … يجرون ( أو يدفعون في التجديف )
يِسْره … جسرة (جندل)
وبالرغم من أن هذه الظاهرة لا توجد في كلام العناصر القبلية التي هي حديثة الاستقرار نسبيًّا في قطر، أو العناصر التي ظلت على بدويتها فإنها موجودة في لهجات القبائل القطرية الأقدام استقرارًا، ومن ثم نجد في بلدة بيت كثير (2) .
خَرِى والجمع خِرُوىْ خُرْج .
عَيَأي عجاج ( أثر السفينة )
( عجاج ) ( عجاج ) ( الغبار )
__________
(1) لا يصدق هذا على أهل الدوحة الذين ينحدرون من أصل فارسي، والذين لا يقع في كلامهم نطق الجيم ياء بصورة غير نادرة .
(2) من ملاحظات صديقي ويلكنسون .

******

وفي لهجات ساحل الصلح البحري (1) Trucial Caost يظهر تغير الجيم إلى ياء في عدد من الكلمات أكثر مما هو موجود في اللهجات الأخرى في شرقي شبه الجزيرة العربية. وتلاحظ هذه الظاهرة بصورة أكثر في مجرى الحديث العادي، ولكنها تقع على نحو أقل في كلام المثقفين من أهالي دبي وشارجة (الشارقة) ، وتمثلها الأمثلة الآتية:
دبي :
انْيرَ انجر ( هلب – خُطَّاف )
ياوَشِ جَاوَش [ غير اتجاه السفينة ]
ويه وجه
البوريمي :
فِنْيان فنجان
حْياي حجاج ( حاجب العين )
خارِى (2) خارج
مْسِيد (3) مسجد
تريع ترجع ( أنت )
يابية جابية ( صهريج)
نايح (4) ناجح
أبو ظبي (5) :
ميْهود مجهود ( مريض )
ميْرور مجرور ( ممدود )
يَلَّف جلف ( قشر )
بِداد جداد ( البلح الظازج )
يِفْره جِفره ( حفرة )
يناح جناح
يرْز جرز ( كلمة تطلق على الفأس في الشحوح)
ومن التغيرات الصوتية الأكثر تعقيدًا في ( أبو ظبي) الأمثلة الآتية :
ساروق سارو گ ساروج (6) ساروىْ ( ممشى رملي ).
لدغ لد گ لَدَىْ
وتمكننا المادة التي قدمت من لهجات شرقي الجزيرة العربية، منضمًّا إليها تلك المعلومات المتاحة لنا عن المناطق الأخرى من الوصول إلى نتائج معينة هي:
( أ ) أن التطور الصوتي من الجيم إلى الياء ليس مشروطًا بالسياق الصوتي.
__________
(1) مصطلح يطلق على مجموعة من المشيخات ارتبطت بمعاهدة مع بريطانيا، وتشمل الشارقة، ورأس الخمية، وأم القيوين، وعجمان، ودبي، وأبو ظبي، وكلبة ، ومشيخة الفجيرة غير المحمية ( المترجم ) .
(2) في معظم اللهجات الأخرى لشرقي الجزيرة العربية تنطق : خارج .
(3) قارن هذا النطق بالنطق ( مسجد ) في مسقط (
Masqat ) Muscat ففي هذه المنطقة يمكن أن يكون أصل الكلمة هو مسيد أو مسجد .
(4) في معظم اللهجات الأخرى لشرقي الجزيرة تنطق : ناجح .
(5) مأخوذة من ملاحظات ويلكنسون .
(6) النجمة هنا للإشارة إلى أن الصيغة مفترضة ( المترجم ) .

*****

(ب) أن الجيم لا تنطق ياء في عدد من الكلمات الشائعة، ومن ثم نجد في البوريمي ذاتها: حجرة بالجيم لا بالياء (1) .( بمعنى حُجْرة ) .
( ج) من الممكن وقوع العكس على ما هو ظاهر في نطق الجيم ياء بطريقة اختيارية .
(د) هذه الظاهرة تخترق الحدود اللهجية العادية، ومن ثم نجدها في بعض اللهجات الشَّمَّرية ( سردية وسرحان ) ولهجات الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية ( وإن كانت لا تظهر في اللهجات ذوات القربى في وسط نجد )، وفي بعض لهجات جنوبي الجزيرة العربية .

توحيد اللهجات

 

توحيد اللهجات (*)
للأستاذ محمد رضا الشبيبي
عضو المجمع
… تعددت الرسائل والمقالات التي عُنِيَ هذا الشخص الضعيف الماثل هنا بكتابتها في موضوع اللهجات. ومن هذه البحوث ما تناول لهجة خاصة، ومنها ما تناول موضوع اللهجات بوجه عام. ومن القسم الأول رسالة عنوانها "أصول ألفاظ اللهجة العراقية"، نشرت ببغداد منذ عهد قريب. ومن القسم الثاني بحث عنوانه "بين الفصحى ولهجاتها" ألقي في إحدى دورات مؤتمر المجمع اللغوي، وقد تضمنت مقدمة الرسالة الأولى كلمة تمهيدية عن سنن الحياة العامة في نهوض من ينهض وتخلف من يتخلف من الأمم والجماعات، ونبذة أخرى عن بعض أدوار الصراع القومي بين العرب والدول الأعجمية. وقد ورد في هذه المقدمة ما نصه:
… " لا مناص للأمم التي ألقت السلاح مغلوبة على أمرها من أن تخلي مكانها للأمم الغالبة. ولا مفر لها من التقهقر لتتقدم تلك الأمم الفتية بنظمها وأوضاعها الجديدة، كما اتفق للعرب ولغتهم في مرحلة من مراحل تخلف الأمة ورقدتها ويالها من رقدة طويلة ".
… تميزت هذه المرحلة بتغلب الدول الأعجمية وانكفاء كثير من العرب إلى بواديهم بعيدين عن مراكز العلم والحضارة. ومع ذلك لم يتهيأ لتلك الدول الأعجمية الغالبة أن تستغني عن العربية. على أن أكثر من لغة من تلك اللغات – كالفارسية والتركية والمغولية أحيانا – شاعت واستعملت إلى جانب العربية في جملة من بلدن الشرق. والفضل في بقاء العربية وتفوقها عائد للثقافة الإسلامية التي تقوم على أساس متين من مدارسة الكتاب وتفسيره ورواية الحديث وحفظه.
ـــــــــــــــ
(*) محاضر جلسات الدورة الرابعة والعشرين، الجلسة الخامسة، جلسة علنية مسائية للمؤتمر بدار الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع في 26/12/1957. ونشر البحث، والتعقيبات التي دارت حوله، بمجلة المجمع، الجزء الرابع عشر، ص 85 – 99، تحت عنوان: اللهجات القومية وتوحيدها في البلاد العربية.

*****

… في هذه الفترة أخذت تنشقّ عن الفصحى لهجات متعددة، وهي وإن لم تتغلب على أمها في الكتابة والتأليف إلا أنها طغت عليها في المخاطبات العامة، وفي مجالات الحياة العلمية والشؤون اليومية. ومما زاد في الطين بلة سقوط الهمم وتبلد الأذهان والتقصير في طلب العلم؛ بسبب الدمار الذي ألحقه المغول بالحضارة الإسلامية، فغمر الأمة ليل أليل من الجهالة والبداوة.
… تجسم هذا الخطر الداهم خلال عصور الأتراك الأخيرة وهي عصور تميزت بظهور نعرة طورانية غالبة حاول الأتراك بواسطتها إذابة العناصر التابعة للدولة في عنصر الفئة الحاكمة. ومن ثم اتخذت التركية لغة في عالم التعليم وفي القضاء والدواوين الرسمية، إلى هذا ونحوه، مما نَبَّهَ قادةَ الرأي في هذه الديار إلى مناهضة الخطر المحدق بهم، وانبرى من انبرى للدفاع والمقاومة والمطالبة بالحقوق، ودام ذلك كله إلى أن أعلنت الحرب العالمية الأولى. وفي الحرب المذكورة غُلب الترك على أمرهم، وجلوا عن البلاد ليسيطر عليها المستعمرون الغالبون، فعانى العرب والمسلمون في هذه المرحلة أضعاف ما عانوه من إرهاق المرحلة السابقة.
عتبتُ على عَمْرٍو فلما فقدته وعاشرت أقوامًا بكيتُ على عمرو
… وهكذا توالت الانتفاضات على المحتلين الذين خدعوا الأمة بأقوال معسولة ومواثيق كاذبة، وهي انتفاضات معروفة أكرهت الأقوياء الطامعين على الاعتراف ببعض الحقوق للمواطنين. فحصلوا على قسط من السيادة والحكم الذاتي بموجب قوانين أساسية تضمنت احترام حرياتهم وحقوقهم وشخصياتهم القومية.
… ولكن دسائس المستعمرين لم تنقطع بعد ذلك، فعمدوا إلى إثارة الفتن لضمان سيطرتهم على شؤون البلاد، وتحكمهم بها، ولا يستثنى من ذلك الشؤون الثقافية.
… لا شك أن هذه الفترة التي نعيش فيها الآن فترة انتقال أو انقلاب تناول أبناؤها بالنقد والتحميص كثيرا من مناحي الحياة مادية ومعنوية ومن جملتها اللغة.
فترة شك وإرجاف

*******

… ولا يخفى أن العربية مرت أخيرًا بفترة يصح أن تسمى محنة، إذ كثر حولها الإرجاف وأثيرت الشكوك، وحاول بعض شداة الأدب وغيرهم من حملة الأقلام أن يتمردوا على قوانينها في ثورة لغوية جارفة، وأظهروا الدعوة إلى استبدال لهجة التخاطب الشائعة بالفصحى، وقالوا مثل ذلك في الكتابة واحتدمت المناقشات بين فريقين من الأدباء والكتاب. ولنا أن نقول هذا اليوم – مغتبطي-: إن هذه المعركة القلمية ألقت أوزارها، أو هي موشكة، وأن الفصحى خرجت ظافرة موفورة الكرامة بعد ذلك، وأن الدعوة الناشزة إلى استبدال العامية بها منيت بخذلان عظيم، وباءت بخزي فظيع.
… هكذا افتضح المرجفون والشَّاكُّون المشكِّكون، على اختلاف طبقاتهم، فهذا مأجور مدسوس كُلِّفَ عبثًا بهدم بناء شامخ وتبديد شمل جامع، وهذا جاهل عاجز حاول ستر جهله وضعفه بما لفَّقه الملفقون حول الفصحى، وثالثة الأثافي مُقلِّد غِرٌّ مأخوذ بكل ما يقوله بعض الأعاجم والمستشرقين في هذا الموضوع.

******

… أجل لنا أن نقول إن المعركة انتهت أو شارفت، وأن لغتنا خرجت ظافرة منها. وهاهو الذوق اللغوي السليم يشيع في ديار العربية بأسرها، وهاهي لهجاتنا في جميع الأقطار العربية أدنى إلى الفصحى منها قبل جيل مضى، وقد مرنت الألسنة على ضرب من النطق الصحيح، ومرد ذلك إلى عوامل في مقدمتها: ازدياد عدد المتعلمين، وتقلص ظل الأمية، وإقبال الناس على المطالعة والقراءة. ومن الغلاة في التحيز إلى العامية من ينادي الآن بالرغبة في التوفيق والإصلاح بينها وبين الفصحى. وهل العامية إلا الفصحى نفسها محرفة أو ملحونة. وفي لهجات التخاطب ألوف من الكلمات يمكن رد الاعتبار إليها وإجازة استعمالها بشيء من التخريج. ويذهب بعض الباحثين من هؤلاء إلى أن التباين بين كثير من الفصيح والعامي مبالغ فيه، وأن الشقة – وإن اتسعت – إلا أن التوفيق ليس بمتعذر، بل هو واقع فعلا. وإصلاح النطق وتقويمه في العالم العربي يسير سيًرا حسنًا – كما مر – ، ومن العوامل الفعالة في هذا التوفيق والنجاح انعقاد المؤتمرات العلمية والثقافية واللغوية في دورات سنوية متتابعة، وتنظيم المواصلات والرحلات. ولا ينكر أثر الصحافة والمذياع ودور النشر والطباعة في هذا الشأن.
اللغة والأهداف القومية
… ليست الدعوة إلى استخدام اللهجات الدارجة المشوهة في الكتابة والدراسة بحديثة العهد، فقد مضى عليها جيل أو أكثر، ولكنها دعوة تعثرت وأخفقت، ولم يجدها نفعًا إذاعة بعض البرامج وتمثيل بعض المسرحيات وإنشاد الأغاني والأزجال ولا كتابة بعض الفصول في الصحف هنا أو هناك، فظلت لهجة عقيمة غير مثمرة.

********

… هذا وقد يكون لي بعض الأغراض السياسية والروح القومية التي ترعرعت في جيل مضى دخل في التناغي بهذه الدعوة، والمناداة باتخاذ لغة قومية مستقلة. والدليل على ذلك أنها دعوة نجمت في وقت واحد مع ضرب من اليقظة والوعي السياسي. ولكن السياسة تتقلب ولا تدوم على حال. وهذه الأهداف الإقليمية الضيقة تجنح إلى الاتساع في هذا اليوم ولا تميل إلى الانكماش.
… لقد مضى عصر العزلة: عصر من مميزاته أن ينطوي كل قطر من أقطار الشرق على نفسه، فلا يتصل بغيره، ولا يشاطره الآمال والآلام. نقول مضى أمس بما فيه، وأظلنا عصر آخر له طبيعته ومميزاته، وفي مقدمتها وعي ويقظة ظاهرة بضرورة الاتصال بل الاتحاد؛ فالعرب في شتى أقطارهم اليوم يتلمسون طريقهم إلى الاتحاد والوحدة، ويتناول ذلك وحدتهم اللغوية.
أداة التفاهم
… في هذه المرحلة التاريخية التي تجتازها الأقطار المأهولة بالناطقين بالضاد لا مناص من التفاهم ولا تفاهم بالعامية.
… وطالما قابلنا إخوانًا لنا من أبناء العرب وإفريقية، وحاولنا محاورتهم، فلم نفهم عنهم ولم يفهموا عنا، وقد يصبح الموقف مضحكًا، فلنوذ عند ذلك بالفصحى، ونلتمس منها العون، وينتهي المشكل ببركة لغة القرآن .. والخلاصة ما كانت العامية – ولن تكون – أداة صالحة للتفاهم في أمة تسعى لتحقيق وحدتها القومية. ولنا أن نقول في مساوئ اللهجات أكثر من ذلك فإنها في القطر الواحد وأحيانًا في الحاضرة الواحدة يسرع إليها الانحلال والانقسام. وقد أكد لي غير واحد من الأساتذة المصريين الذين اتتدبوا للتدريس في مدارس العراق أثر الفصحى البالغ دون العامية في الفهم والإفهام .
خداع اللهجات

********

… علينا ألا ننخدع بالمحسنات التي يلصقها أنصار لهجاتنا بها قائلين: إنها لهجات طبيعية بعيدة عن التكلف خالية عن التحذلق مجردة من الصناعات اللفظية إلى غير ذلك مما يلاحظ وجوده في لغة التأليف والكتابة وهذه أقوال بعيدة عن الصواب. وقد ينخدع بها من ينخدع لأول نظرة حتى إذا نظرنا في هذا الموضوع نظرة فاحصة اتضح بطلانها، لأن الصناعات اللفظية وتكلف المتكلفين من أدباء العربية زال بزوال عصوره المعروفة في تاريخ آداب اللغة المذكورة. وقد انطوت تلك المرحلة، ونحن نجتاز الآن مرحلة أخرى تتميز بنهضة أدبية رائعة، وبأساليب إنشائية خالية من الكلفة والصناعة.
خير الوسائل لتوحيد اللهجات
… لسائل أن يسأل بعد هذا: وما هي خير الوسائل التي تضمن لنا توحيد اللهجات، وتغليب لغة فصيحة سليمة عليها؟ والجواب أن هناك مضافًا إلى ما تقدم جملة من الوسائل الفعالة التي توصلنا إلى تلك الغاية. أهمها أولاً: نشر التعليم المنهجي، ومكافحة الأمية، وكثرة سواد المتعلمين المدركين لمكانة اللغة من الدولة والمجتمع والقومية. وثانيًا: توحيد التلفظ وإصلاح النطق على أن تقوم بذلك مراجع فنية مختصة. وفيما يتعلق بالتعليم علينا أن نعنى عناية فائقة بنشره وفرضه، على أن يتناول ذلك علوم الدين بالإضافة إلى علوم الدنيا. وتعتبر الثقافة الدينية الآن ميتة في كثير من المدارس والمعاهد، ولذلك يجب التوفر على إحيائها، وهذا يتوقف على إعداد معلمين أكفاء، يعرفون ما هو الدين وما هي رسالة أهله، والدين ليس مجرد شقشقة لسانية، والدين ليس جدلاً بيزنطيًّا، بل هو في الواقع تقويم سلوك وإصلاح أخلاق. فإذا استطعنا أن نترك أثرًا عميقًا صالًحا في النفوس فقد حققنا طرفًا من التربية الدينية القويمة.

********

… لاحظ أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء أن نقاش فريق من المنتسبين إلى الدين والعلم في عصره نقاش يدور على الألفاظ الجوفاء، وعلى العرض دون الجوهر، والقشور دون اللباب، لا على البحث عن الحقائق، حقائق الأخلاق والفضائل. فقال الغزالي للقوم: ابحثوا عن ماهية الصدق والإخلاص والعمل والجد والصبر والجهاد فذلك هو الدين. وهذه هي علوم الدين. ووضع كتابه " إحياء العلوم " تناول فيه بالبحث شؤون الفضائل والأخلاق.
هذه وسيلة من وسائل توحيد اللهجات. وأما الوسيلة الثانية لتوحيد لهجاتنا من حيث إصلاح التلفظ والنطق، فلا يخفى تباين اللهجات المذكورة من هذه الناحية، واختلافها في مخارج الحروف وفي قلبها وإبدالها، وما إلى ذلك مما يكون مشكلة قائمة في سبيل التوحيد. بيدأ أن حلها والعمل على سلامة النطق والتلفظ من توحيده في جميع اللهجات ليس بمتعذر، وذلك بموجب قواعد عامة يعهد بوضعها إلى ذوي الاختصاص.
… هذا ولا يسعنا في الختام إنكار الجهد الذي يبذله مجمع اللغة العربية، فإنه مجمع سار منذ إنشائه على خطة واضحة لم تقتصر على المحافظة على تراثنا القديم من اللغة والعناية بسلامتها، بل سار بالإضافة إلى ذلك على نهج بَيِّنٍ اتَّجهَ فيه إلى التخلص من قيود قَيَّدَ المتنطعون الجامدون من اللغويين فيها أنفسهم ولغتهم، فعاقتها عن التقدم ومسايرة اللغات الحية. ومعنى ذلك أن المجمع عدل عن خطة التقليد إلى الاجتهاد في اللغة على قدر الإمكان وذلك في قضايا لغوية وأدبية عدة.
… اتخذ المجمع في هذا الشأن مقررات معروفة. ومن أحسن ما قام به مقرراته المتخذة في موضوع الأقيسة اللغوية، وتوسيع أبوابها في عدد من الصيغ والأوزان والجموع التي قصرها القدماء على السماع. وهو قرار يَسَّرَ مهامَّ المعنيين بوضع المصطلحات العلمية الحديثة. وللمجمع أيضًا مقرراته المتخذة في باب المعربات والألفاظ المولدة وألفاظ الحضارة اتخذها بغية إنماء مادة اللغة العربية.

********

… لم يتخذ المجمع تلك المقررات بغير سند وبدون حجة من اللغة نفسها، وإنما دعته المصلحة إلى ترجيح مذاهب فريق من أئمتها كانت مذاهبهم مرجوحة.
… أكتفي بهذا القدر الآن. وختامًا أتقدم إليكم أيها الإخوان بجزيل الشكر على تفضلكم بالحضور راجيًا من المولى أن يتولانا جميعا بتوفيقه؛ إنه ولي التوفيق

ملامح قديمة من حضارة الجزيرة العربية

 

ملامح قديمة من حضارة الجزيرة العربية

د. مشاري بن عبدالله النعيم

 

    وقفت عند عدد من الكلمات في اللهجة اللحيانية، وهي الدولة التي حكمت شمال غرب الجزيرة (العلا) في القرون الأولى قبل الميلاد، والحقيقة أن هذه الكلمات لها ما يقابلها في لهجة أهل الأحساء وربما نجد حتى يومنا هذا، الأمر الذي يؤكد على أن الجزيرة العربية كانت مترابطة على المستوى الثقافي والاقتصادي وإن لم تكن مترابطة سياسياً في ذلك الوقت، وكما هو معروف فإن الدولة اللحيانية أعقبت مملكة ديدان وتوسعت خارج حدود "المدينة" إلى المناطق المجاورة، ولعل هذا يفسر انتقال بعض المصطلحات إلى خارج حدود المنطقة التي كانت تحكمها، (أو أن تلك المصطلحات انتقلت إليها من المناطق الأخرى). فكلمة مثل "خرف" والتي تعني الثمار التي تم جنيها وقت الخريف ما زالت تستخدم بنفس المعنى في نجران على سبيل المثال كما أنها تستخدم في الأحساء لخرف الرطب، ومعروف أن الرطب في وقت الصيف حتى بداية الخريف، كما أن كلمة "ثبرت" والتي تعني الأرض الزراعية مازالت معروفة في الأحساء، ولكن ربما تم تحريفها إلى "ثبر" وهو مجرى مياه الري في الأراضي الزراعية، فالكلمات تنتقل وتتحور لتناسب اللهجة المحلية لكنها تحمل في داخلها كل أو بعض معناها الأصلي. ما أود أن أؤكد عليه هنا هو أن تأثير الحضارة اللحيانية ربما وصل إلى شرق الجزيرة العربية عن طريق التبادل التجاري والتعاون التقني خصوصا في الزراعة، ويبدو أن العامل المشترك بين الحضارات التي نشأت في الجزيرة العربية، هو الزراعة التي غالبا ما ساهمت في نشوء مدن على مجاري الأودية أو الينابيع السطحية. في اعتقادي أننا نستطيع كشف الكثير من العلاقات الثقافية والاقتصادية التي شكلت حضارة الجزيرة العربية عن طريق اللغة واللهجات المحلية التي انتشرت واُستخدمت من قبل الناس، وتم توارثها حتى اليوم ففي اللهجات المحلية يكمن السر ولعلنا نحتاج إلى المزيد من الجهد من أجل الكشف عن هذا السر.

 

 

 

في اعتقادي أننا نستطيع كشف الكثير من العلاقات الثقافية والاقتصادية التي شكلت حضارة الجزيرة العربية عن طريق اللغة واللهجات المحلية التي انتشرت واُستخدمت من قبل الناس، وتم توارثها حتى اليوم ففي اللهجات المحلية يكمن السر ولعلنا نحتاج إلى المزيد من الجهد من أجل الكشف عن هذا السر

 

 

 

كما أنني كنت في زيارة لنجران خلال الأسبوع الفائت ولفت نظري أن هذه المدينة لها عبقريتها الخاصة، فهي تقع على طرف الجبال ومع ذلك فهي منطقة صحراوية وماهي بصحراوية وجبلية وماهي بجبلية تمتد المدينة على الوادي بتكوين حضري شريطي بينما تقع عمارتها التاريخية وسط المزارع التي يسميها أهل المنطقة "اراضي جدية" أي أنها أراضٍ متوارثة عن الاجداد وتملكها أسر وقبائل المنطقة منذ قرون بعيدة. المنطقة ثرية بعمارتها الطينية الأخاذة التي تمثل امتداداً مهما لعمارة جنوب الجزيرة العربية، فعلى الحدود القريبة من نجران تقع ظهران الجنوب التابعة لعسير حيث تبدأ من هناك عمارة الطين وتنتهي بعمارة الحجر في النماص ورجال ألمع لتؤكد على التفاعل العبقري مع المكان ومكوناته وخصائصه الطبيعية. في مدينة نجران العمارة تختلف قليلا فهي لا تشكل قرى ذات كثافة عمرانية عالية بل يغلب عليها المباني الفردية التي تقع وسط المزارع (وهي صفة غالبة في القرى الجنوبية)، ويبدو أن الشعور بالأمن والاستقرار والتماسك بين قبائل نجران هو الذي جعل القرى لا تحتاج إلى أسوار لحماية نفسها طالما أن المجتمع ككل سوف يحمي نفسه بنفسه. ولعل هذا النوع من العمران يذكرنا بالمدينة المنورة (يثرب) عندما قدم الرسول إليها فقد كانت تتكون من بيوت متناثرة للأوس والخزرج، لكن الرسول أقطع المهاجرين الأراضي الفضاء بين تلك البيوت فتشكلت عمارة المدينة ككتلة واحدة. ما يمكن أن نشاهده في نجران يستعيد تلك الصورة لأول عاصمة في الإسلام، خصوصاً وأن بيوت نجران عبارة عن قلاع عالية منفصلة عن بعضها البعض ويمكن أن نجد أحيانا مجموعة من البيوت الملتحمة لتذكرنا بالآطام، التي كانت توصف بها بيوت يثرب قبل الإسلام. وبالطبع هذا ليس مستغرباً، فقد كان لجنوب الجزيرة العربية تأثير عميق في عمارة الجزيرة العربية قاطبة والحضارة المعينية التي انتشرت في كل أصقاع الجزيرة، تركت بصماتها العمرانية "الجنوبية" في كل بقعة بما في ذلك "يثرب".

 

منطقة الأخدود التي ورد ذكرها في القرآن تعبر عن عمارة مدهشة، تقنيات الحجر في بقايا المدينة القديمة تذكرنا بالعمارة الرومانية الحجرية، فهي مقطعة ومرصوصة بحرفية عالية جدا كما أن بعض الرموز المحفورة على الحجر تثير الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها، فهناك رموز متكررة عبارة عن ثعبانين متداخلين، وهناك رسم للكف والفرس وغيرها من رموز يصعب تحديد مغزاها، لكنها مثل كل الحضارات القديمة التي تمثل فيها الرموز البصرية حالة ثقافية تواصلية غير منطوقة. كما أن مدينة الأخدود شبه مربعة والمباني منتظمة هندسيا مثل المدن الرومانية في ذلك الوقت، (هذا لا يعني أن مدينة الاخدود رومانية لكنها قد تكون متأثرة بأسلوب تخطيط وبناء المدن الرومانية في ذلك الوقت خصوصا إذا ما عرفنا أن الرومان سيطروا على مدن الأنباط في شمال الجزيرة، فالتأثر هنا وارد مع وجود القوافل بين اليمن والشام). التساؤل المهم هنا هو لماذا لم تستمر نجران في عمارة الحجر بعد حريق الأخدود؟ لماذا توقفت تلك التقنية وتبنت نجران عمارة الطين؟ فهذا التحول من تقنية عالية ومستدامة إلى عمارة الطين غير مبرر أبدا إلا إذا كان التقنيون والعارفون بعمارة الحجر انتقلوا من نجران، وبالتالي أصبح هناك صعوبات للبناء بالحجر. التفسير الآخر الذي أميل له هو ارتباط نجران بحضرموت فهي تقع على حدودها، ومن المعروف أن حضرموت معروفة بعمارتها الطينية الخلاقة (في شيبام وتاريم وغيرها من مدن وقرى)، وبالتالي فإن اندثار عمارة الحجر بعد الأخدود وانتشار عمارة الطين كان بناءً على التأثير "الحضرمي" المتمكن من تقنيات الطين وصناعته ولسهولة الحصول على هذه المادة وسرعة البناء بها.

 

لعلي هنا أؤكد على أن هناك الكثير من المظاهر الحضارية والثقافية التي تمتلكها الجزيرة العربية وهي مظاهر تفسر تاريخنا القديم والمؤثرات التي دخلت عليه لكنها في نفس الوقت تفسر الكثير من الظواهر التي نعيشها اليوم فهي امتداد لتلك المظاهر. فنجران على سبيل المثال ترتبط بالاحساء بعلاقات اقتصادية قديمة، هذه الروابط يمكن أن تكشف عن بعض محطات القوافل في الربع الخالي، لأن الطريق بين نجران والاحساء يمر بالربع الخالي، فهاتان المنطقتان المتجاورتان كانت الصحراء هي الفاصل بينهما، ولعلنا نذكر هنا أن هناك من يقول إن مدينة "أرم" التي وصفها القرآن بأنها "ذات العماد" التي لم يخلق مثلها في البلاد تقع في الطريق بين نجران والأحساء.

 

الشغبة

 

كلمة ومعنى

الشغبة


 

إعداد وتصوير: فالح الشراخ

    من خلال المعنى أو الأصل الذي استخدمت فيه هذه المفردة يلاحظ انها تحوير لكلمة «شعبة» أي عندما يتشعب جذع الشجرة الى جزءين أو أكثر وكذا يقول العامة عندما ينفرع عود الشجرة إلى فرعين يقولون له «شغبة» ولها فوائد واستخدامات عدة قديماً فهي يوضع على فرعيها الكبيرين «المحال» على البير ويسمى الناعور وتستخدم عندما يكون جذعها طويلاً في تشييد العشة بحيث يوضع العود الأفقي بين الفرعين ويستغنى عن عملية الربط بالحبال وتستخدم الشغبة الصغيرة في النبالة.

 

المجنا

 

كلمة ومعنى

المجنّا

إعداد: صبَّار العنزي

    يطلق هذا الاصطلاح على الشخص الذي ارتكب جرم وغادر مكانه الى مكان آخر وارتحل من قومه الى آخرين طلبا للأمن والحماية يقول في هذا المعنى الشيخ سلطان بن سطام الطيار:

لعيون من رش الذوايب بحنا

نسوي على جمع المعادي معاصير

عاداتنا يا شيخ زبن المجنّا

وقصيرنا «نعذيه» عن المخاسير

المخيول

 

كلمة ومعنى

مخيول

 

إعداد: صبار العنزي

    المخيول عصا تركز للغنم يضع الراعي فوقها عباته في عملية ايهامية للغنم بأن هذا هو «الراعي» وقد رصد الشعر هذه الفكرة وتناولها كثير من الشعراء يقول أحد الشعراء:

التبع لا يعجبك لو كان معتاش

لو كان يلبس جديد الهدومي

مظاهر تلمع وهيكل على ماش

ما غير مخيول به الريح تومي

دايم كما الطاووس تزهاه الارياش

ومع الطيور الجارحة ما يحومي