جاش .. عبق الماضي وإنجاز الحاضر

 

من آخر الإصدارات

جاش .. عبق الماضي وإنجاز الحاضر

 

 

 

 

 

عرض – بكر هذال

 

    صدر حديثاً كتاب ( جاش .. عبق الماضي وإنجاز الحاضر ) قام بتأليفه الأستاذ مسعود بن فهد المسردي واستهل الإصدار بمقدمة للدكتور مبارك بن محمد الطامي نقتطف منها قوله : ( إن هذا الكتاب جمع بين الأسلوب العلمي الرصين في البحث واللغة الراقية وتوثيق المفردة المحلية المرتبطة بالمكان مع توضيحها وإيصالها للقارئ بسلاسة وأمانة علمية متجاوزاً لبعض المحطات التاريخية المرتبطة بالذاكرة الشعبية دون دليل مادي مكتوب بمهارة فائقة دون أن يحيد عن فهمه العلمي وبعيداً عاطفته وآرائه الخاصة كأحد أبناء المكان ) انتهى .

 

وجاء الديوان في ما يقارب من (190) صفحة من الحجم المتوسط ، وبطباعة فاخرة ، وورق جيد ، وأشتمل على العديد من الأشعار الشعبية الأصيلة والصور النادرة والوثائق التاريخية ، والنقوش الأثرية ، وكذلك على العديد من الشروحات والمراجع التي أثبتها المؤلف في نهاية الكتاب .

 

كما احتوى الكتاب على ثمانية فصول هي :- الفصل الأول : التسمية والمكان ، الفصل الثاني : التضاريس ، الفصل الثالث : قرى وهجر جاش ، الفصل الرابع : المواقع الأثرية ، الفصل الخامس : جاش في عيون المؤلفين والشعراء ، الفصل السادس : جاش تاريخ وأحداث ، الفصل السابع : جاش في العصر الحديث ، الفصل الثامن : التراث الاجتماعي والأدبي .

 

ومن النصوص الشعرية الجميلة التي احتواها هذا الإصدار نختار هذه البيتين من قصيدة الشاعر ناصر بن جمل بن شري – رحمه الله – :

 

 

 

لو خيروني بين مصر وطلحان

 

اخترت طلحانٍ على كل ديره

 

حيثه مرب ربوعنا كل ديقان

 

حيثه مرب ربوعنا والعشيره

 

معجم الحيوان عند العامة

 

معجم الحيوان عند العامة

 

تأليف : محمد بن ناصر العبودي

 

معجم الحيوان عند العامة

يشتمل على ما يتعلق بالحيوان في المأثورات الشعبية

من ألفاظ وجمل وتعبيرات وأمثال وأشعار وحكايات ومعارف

 

 

الجزء الأول و الثاني

 

1432هـ

http://www.kfnl.org.sa/almktbh/fhars.htm

أمثال شعبية اشتقت من البيئة

 

أمثال شعبية اشتقت من البيئة

جازان – عبدالله السروري:

 

    منطقة جازان تتمتع بمساحة جغرافية واسعة جداً تتخللها السهول والأودية والجبال والبحار، وتتميز المنطقة بحياة نباتية طبيعية فريدة مما جعلها غنية بثروتها الزراعية تزخر بالعديد من الأشجار المتناثرة على كل بقعة ترابية من أرض المنطقة تلك الواسعة، حيث وجدت تلك الأشجار الطبيعية الجميلة منذ القدم بمسمياتها المختلفة مما جعل تعامل الناس مع تلك الأشجار في سيرتهم الحياتية أشياء قد تكون طريفة بالنسبة للآخرين سواء من الناحية التراثية أو الأدبية من حيث المسميات المحلية بالنسبة للأشجار المعروفة بأسمائها العربية وتم توثيق هذه الأشجار والحياة النباتية في جازان إلى حقل المعرفة للتعريف بنماذج من حياة قديمة يكاد يطمسها الزمن تحت وطأة ايقاعاته وتغيراته المتسارعة المتمثلة في مبتكراته ومستجداته وافتتان أجيالنا الحاضرة والمستقبلية بهذه التسارعات والمستجدات.

 

ومن هذه الأشجار هي شجر الأراك وقد جاء ذكره كثيراً في كتب الأدب والتراث وخاصة الشعر.. يوجد بكثافة في أنحاء أراضي جازان الواسعة. ويطلقون على هذه الشجرة اسم "الرديف" ولعل هذا الاسم قد جاء من شدة كثافته وترادفه بعضه فوق بعض. ومن أهم فوائد شجر الأراك أن جذوره تستخرج. من داخل التربة لاستعمالها في السواك "دلك أسنان الفم" بعد تقطيعها إلى مقاسات مناسبة للاستخدام في تنظيف الفم واكسابه رائحة لطيفة بسبب المادة القوية المطهرة الموجودة في جذور الأراك. وفي بلدنا الحبيبة "المملكة العربية السعودية" يستغني الكثير من الناس بهذه الجذور في عملية السواك عن استعمال معاجين الأسنان الحديثة، متبعين في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" لذلك من المألوف أن نجد حزماً من جذور شجرة الأراك في أيدي الباعة في الأسواق أو على أبواب المساجد. وشجر الأراك في جزر فرسان لا يشكل كثافة تذكر وانما يتناثر – بشكل متباعد – هنا وهناك في بعض المواقع وبسبب الطبيعة الصخرية لأرض هذه الجزر فإن جذوره صعبة المنال ويستعاض عنها بالفروع الطرية "اللينة" لتنظيف الفم والأسنان. وشجر الأراك في موسم ثمره يشكل دخلاً مالياً بسيطاً لأولئك المشتغلين بالرعي الذين يجنون "يقطفون" منه ثمرته التي تسمى "الكباث" وهي حبوب ارجوانية اللون لها رائحة حادة بسبب المادة المطهرة الفعالة الموجودة فيها بشكل مركز. والأراك إلى جانب منافعه السابقة – يعتبر من الأشجار المحببة إلى الإبل بل هو غذاء رئيسي لها.. أما عيدانه اليابسة فتستخدم حطباً لطهي الطعام ولكنه وقود سريع الانطفاء.. تقول النشيدة الشعبية الفرسانية:

 

نار السلم تصلح لتعميرته

 

والراك يرمد من رماده من رماده

 

ورغم أن عيدانه الطرية رشيقة القوام وشديدة الاخضرار إلا أن هذه العيدان عندما تكبر وهي قريبة من الجذور تكون شديدة الاعوجاج لدرجة أنها يضرب بها المثل فيقال عن الشخص أو الذي تخالف آراؤه آراء الناس – بطريقة سلبية يقولون عنه "فلا شقادف" والشقادف هي عيدان الأراك الشديدة الانحناء التي توضع على "الخي" وهو ما يوضع على ظهر الجمل بحيث هي أشبه ما تكون بكفتي ميزان صممت – في فرسان – لحمل النساء بحيث تجلس فيهما امرأتان كل واحدة في "شقدفه" ومنطقة الوسط بين الشقدفتين تسمى "القله" عادة ما يجلس فيها طفل أو طفلان ولكنه رغم ذلك فإن الشاعر الأموي عمر بن أبي ربيعة – حسب ما رواه بعض الرواة – لا يرى إلا تلك الأغصان والفروع الرشيقة الخضراء:

 

تخيرت من نعمان عود أراكه

 

لهند ولكن من يبلغه هندا

 

الشعر الشعبي بين الرفض والقبول 2 /2

 

الشعر الشعبي بين الرفض والقبول 2 /2

هدف الوصول إلى شريحة أكبر قلل الاهتمام بالفصحى والانسياق وراء العامية

 

 

 

ونتابع ما بدأناه في الحلقة الأولى حول الشعر الشعبي بين القبول والرفض ولا أظن بأن مجرد المسمى للشعر أو نسبته إلى فصيح أو شعبي يجعله مقبولا أو مرفوضا ، ولكن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، بالنسبة للمعاني والمضامين وما يحمل من رسالة ، فإن كان دفاعاً عن الحق ودعمًا للفضيلة وقوة في جوانب إيجابية فهو حسن وضروري ، وما كان عكس ذلك فهو مرفوض بغض النظر عن نوع بنائه وتراكيب . ثم نأتي بعد ذلك للغة واللهجة وكلمات القصيدة وقربها أو بعدها عن لغتنا الفصيحة .

 

فيمكن رفض أي مفردة عامية إذا وجدت داخل النص ويقبل كل ما عدا ذلك ونشجع العامية على المعرفة ، ونوصي كل شاعر أن يتحرى الفصيح ويضعه أيضا في البنية العربية ولا يعذر مطلقا من كان من أهل العلم والمعرفة وقد خبر العربية وميز كلماتها وأصالتها ، بل يؤخذ عليه ترك الفاضل والأخذ بالمفضول بدون سبب. ، ولعل سبب الوصول إلى أكبر شريحة في الوقت مقبولا إلى حد ما لتعذر الانتظار .

 

 

 

وحتما سيكون الاختيار للكلمات في ظل المشهد القائم حاليا الذي يكون حاضرا فيه لهجة متداولة لها سلطتها وهيمنتها ، ولغة يفترض أن تكون هي المتسيدة للموقف فلا تكون غريبة ولا يراد لها التغريب أيضا ، وفي هذا التنازع نوع من القيد والتأطير الذي سيأخذ من اهتمام الشاعر شيئا من الإشغال إن لم يأت بمرونة ، ولكن يمكن تجاوز هذه الإشكالية من خلال استبدال الكلمات عند المنتج النهائي والمراجعة حين تسكن القريحة وتدافعها وتكون قد فاضت بما جادت به بكل ما تملك من لغة أو لهجة ، فكل عامية لابد أن يكون لها من العربية ما يفوقها من حيث التعبير وإيصال المراد و البلاغة و المعنى فتحل محلها وهذا جزء من الحل و القول الفصل في قضية العامية والشعر الشعبي.

 

ولعل من تمام المقال استضافة أحد الشعراء المعروفين ، ممن يقول شعراً بالفصحى بحكم تخصصه ، كما يقول شعراً شعبياً أيضاً وهو :الشاعر : إبراهيم بن عبدالرحمن المفدى .

 

ونأخذ رأيه فيما هو واقع ، وهل الشعر الشعبي خطر على اللغة العربية ، ومدى التخوف من تأثير الشعر الشعبي وسعة انتشاره وهل هذا الزخم الكثير يشكل خطرا، وهل القصائد الشعبية عامية، وهل يعاب على الشاعر المتعلم كتابة الشعر الشعبي، أيضا يجبنا على تساؤل خاص به وهو، لماذا تقول شعرا شعبيا مع الفصيح وأنت الشاعر يمكنه الاقتصار على الفصحى ؟

 

فكان جوابه كالتالي : لا أعتقد أن الشعر الشعبي خطر ، فاللغة العربية محفوظة بكتاب الله أولا ، ثم بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أفضل من نطق لغة الضاد ، وبما يسر لها من حفظ على يد علمائها الأفاضل .

 

وبالنسبة لكوني أكتب بالشعبي والفصيح ، فمع أن لغتي فصيحة أكتب الفصيح كثيرا ، ولكنني أيضا جزء من الشعب فأكتب بالنمط الشعبي ،لأنه يؤثر في غالبهم وهي نسبة عالية فيما أظن (85% )، للشعر الشعبي المتعارف عليه والسائد في الوقت الراهن ، والذي يزينه قابليته للتلحين والغناء بواسطة آلات الغناء المعروفة .

 

وكتابة الشعر الشعبي أسهل وأيسر في رأيي في كتابتها ضبط اللحن والقافية .

 

أما الفصيح فيحتاج إلى جهد وخط ودقة في صحة موقع كل كلمة من الإعراب الصحيح مما يحتاج معه أحيانا إلى بحث في مراجع اللغة الأم .

 

فالفصيح مقيد والإخلال بالإعراب الصحيح يعيبه ولا يقبل من قائله وعدم إعرابه قد يقلب بعض معانيه ومفاهيمه .

 

وأما القصائد الشعبية فليست كل كلماتها عامية ، بل تكاد أغلب القصائد الشعبية كلها عربية ، غير خاضعة لعلامات الإعراب .

 

ومن الشعر الشعبي القديم ما يقرأ كله بلغة عربية فصحى ، أما الآن فقد دخلته مفردات ومن كثير من لغات العالم نظرا للتقارب السكاني والوفود والتلاقي وثورة الاتصالات العالمية متجددة التطوير.وأما بالنسبة للشاعر المتعلم أو غير المتعلم ، فلا أعيب على الشاعر المتعلم أن يقول الشعر الشعبي ، فهو نوع من الآداب الجيدة وفيه مدرسة لنشر الفضائل ومعرفة الأنساب وأحوال التاريخ وسير السابقين ومآثرهم وسجل كامل المعيشية السابقة ، وأخبار السالفين من خير وشر ، ففيه درس لمن خلف ، وأما الشاعر غير المتعلم فليس له مسلك إلا هو ، وحق من حقوقه يعبر عن شعوره وإحساسه بما وهبه الله .

 

أما الجانب غير المرغوب فيه بالنسبة للشعر الشعبي فلعله يحصر في : كثرته وتنوعه وانتشاره ، واختلاف قائليه من متعلم مثقف ومن غير متعلم وما يراه البعض من أنه يؤثر على اللغة الأم العربية الفصحى ولكونه يقدم في المناسبات الهامة وفي النوادي على غيره ، ولا يفسح لغيره .

 

ولكن لا خطر على اللغة العربية فهو حبيس دواوينه وأفواه قائليه ولم يصل إلى درجة تدريسه أو الدعوة إلى انتشاره فليس له رعاة على مستوى الدولة .ومن غير المرغوب فيه : الإسفاف في النظم وينطبق ذلك على الفصيح.

 

ونختم بقصيدتين للشاعر المفدى ، إحداها

 

يقول في البلدة التراثية أشيقر هذه الأبيات :

 

وين حالة وشيقر من عصير قريب

 

وين ذيك الوناسة وين ذاك الرفاه

 

وين ذيك الرجال اللي تفك الطليب

 

وين ذيك الشيوخ وسومها في الجباه

 

وين ذيك الملاعب وين ذاك الشعيب

 

وين ذاك الشباب اللي يحكم السفاه

 

كلشٍ في محله ما تردى النصيب

 

ذا وشيقر مذري والله اللي ذراه

 

أهله أهل الشهامة والعطب للحريب

 

ومن لجا به على الله وامن في حماه

 

وحول الزمن والحياة ومعاناة باتت معه يعاني همها ، يقول :

 

 

 

راح ثلثين من الليل ما أدركت المبيت

 

مشاوف للنوم وأعجز وأغبط اللي هجوع

 

عيوني ابيضت على كثر ما حزنت وبكيت

 

كن مرمي بقربي مسيلات الدموع

 

من كثر صكات بقعا تعودت وضريت

 

مخطر إنك ما تلاحظ علي إني جزوع

 

ضاع مالي قلت هانت مادام إني بقيت

 

الخسارة وإن فقدنا معه زين الطبوع

 

خاب ظني في الموالين ضاع اللي رجيت

 

والزمن ما فيه وقفه ولا عنده رجوع

 

ياحميدان الشويعر لقيت اللي لقيت

 

رحمة الله لك ولي وش لقينا من الربوع

 

 

 

وعن الشعر والشعور الحقيقي الذي يفرض نفسه أو يغيب يقول :

 

 

 

أنا والقصيد الزين ريفي من العوماس

 

وإلى زان شعري يقعد الرأس من نومه

 

ومرات مدري ويش عباس من دباس

 

تقفل علي أبوابها تقل ملحومة

 

 

 

ولا نشك مطلقاً أن الاهتمام بالفصحى أمر ضروري يوجبه الدين فهي قوامه ، وحفظ للهوية ، يفترض أن يؤخذ هذا الاهتمام والحرص عليها في الاعتبار من قبل كل فرد ويسهم الجميع في ذلك وبكل جهد و عدم الانسياق وراء العامية بأي شكل من الأشكال ، سواء في الأسرة أو المدرسة أو النوادي أو المهرجانات أو الاحتفالات أو غيرها .

 

وأن يتصدر أهل الفصيح واجهة التثقيف للجماهير ويسهموا بما ينافس ويثري الميدان ويتقوا بالذائقة لأن هناك تقصيراً واضحاً يتمثل في قلة التواجد

 

رحلة إلى نجد، مهد العشائر العربية»..

 

«رحلة إلى نجد، مهد العشائر العربية»..

سحر الشرق يقود الليدي آن بلنت إلى صحراء «ألف ليلة وليلة»

 

آن وولفريد باللباس العربيدمشق – إبراهيم حاج عبدي

 

    اكتسب الشرق في مخيلة الغربيين أبعادا ودلالات اقتربت من الأسطورة والخرافة، وأخذ هذا الشرق يتمتع في تلك المخيلة بصفة تكاد تكون «نمطية» تنطوي على الصدق حينا، وعلى الكثير من التصورات والأوهام الغامضة في أحيان أخرى، ولعل هذه التصورات، التي راحت تتضخم عبر العصور، جاءت من القصص والروايات التي تروى عن الشرق، ولا شك أن أهم عمل ساهم في صياغة هذه التصورات، وأطلق العنان للمخيلة، هو كتاب «ألف ليلة وليلة» الذي يقدم وبشكل مدهش قصصا خرافية تتحدث عن الأسفار في الصحراء والبحار، وعن الجن، والأقزام، واللصوص، وعن الليالي الملاح، وعن جمال النساء الشرقيات، وعن الوقائع والحوادث الخارقة…وذلك في سرد يومي متلاحق ترويه شهرزاد لزوجها شهريار تجنبا لعقوبة الموت التي تنتظرها إن هي أخفقت في خلق التشويق لدى شهريار، فالخدعة قائمة على أن ينتظر بشغف الليلة التالية ليسمع بقية القصة، وبهذا المعنى فإن شهرزاد حافظت على حياتها عبر فضيلة القص المباركة على عكس سابقاتها اللواتي قتلن.

 

فالشرق في هذا العمل وفي غيره من الأعمال هو متحف للأعراق، والاثنيات، والثقافات المختلفة، وهو فضاء تتعدد فيه الآلهة والقديسون، الأشرار والأتقياء، وهو موطن حافل بالخرافة والأساطير القادمة من تاريخ غابر، فها هو – على سبيل المثال – بطل رواية (طريق القلب) للروائي الأسباني فرناندو سانتشث دراغو يشرح سبب توقه إلى القيام برحلة إلى الشرق الآسيوي: «يحكون أن الناس يعيشون هناك دون الحاجة للمال، وأنهم رقيقون ومضيافون، والمعابد تؤوي الزوار، والقوانين غير موجودة أو أنها لا تطبق، وأن جوهرا غامضا وحادا يدور بشكل حر، قادرا على نقل الروح إلى مناطق الأثير»، كما أن هذا الشرق يضع أستارا، وحجبا في ما يتعلق بالجواري، والحسان، وكل ذلك أجج مخيلة الغربيين من الرحالة، والمؤرخين، والأدباء، والسياح، والتجار، والرسامين، والسياسيين، والفنانين الذين سعوا، وفي فترات تاريخية مختلفة، إلى زيارة هذا المسرح الشرقي المتلون أملا في خوض تجربة تخرجهم من رتابة الواقع في رفاهية المدن الأوربية، ورغبة في خوض مغامرة على أرض تصلح للمغامرة، وفي بلاد لا تني تغذي بحكاياتها وقصصها تلك النزعة الغربية التي هامت بالشرق.

 

رحلة آن بلنت إلى نجد:

 

وفي كثير من المرات قام هؤلاء بتدوين تفاصيل رحلاتهم في كتب عديدة صدرت في العواصم الأوربية المختلفة، ألفت على مدى العصور مكتبة أدبية لدرجة أصبحت معها من الأهمية بمكان العودة إلى هذه المصادر، ومحاولة ترجمة هذه الأعمال لما تزخر به من معلومات تاريخية، وسياسية، واجتماعية، واقتصادية هامة، ولعل هذا الدافع هو الذي يقف وراء مشروع دار المدى في دمشق المتمثل في إصدار سلسلة تحت عنوان «البحث عن الشرق» في محاولة لإحياء هذا التراث الغربي المعروف بـ «أدب الرحلات» الذي سجل ملامح الحياة في الشرق بكل تفاصيله بعيون غربية، وبأقلام كتاب من جنسيات أوربية عديدة، ومن مستويات مختلفة مثل: غوتيه، فولتير، جوزيف كونراد، غي دي موباسان، رامبو، جين دكبي، وويليام ب سيبروك…وغيرهم فضلا عن قائمة طويلة من الباحثين والكتاب الذين اهتموا بالشرق من مختلف النواحي وعرفوا بـ «المستشرقين».

 

جديد دار المدى ضمن سلسلة «البحث عن الشرق» هو كتاب «رحلة إلى نجد، مهد القبائل العربية»، الذي قام بترجمته «أحمد ايبش» الذي كتب مقدمة وافية للكتاب وزود الطبعة العربية هذه بمجموعة من الصور النادرة التي ترصد مسار الرحلة وأهم المحطات فيها، وكما يشير العنوان فإن الكتاب يتحدث عن رحلة قامت بها الرحالة البريطانية الليدي آن بلنت، فروت فيه أحداث هذه الرحلة المضنية من دمشق إلى حائل في أواخر القرن التاسع عشر عندما لم يكن هناك من وسيلة للتنقل سوى الدواب، فكانت أول امرأة أوربية تغامر باقتحام مجاهل صحراء النفود، وتتحدى مشاق السفر، ومخاطر الطرق الوعرة المليئة بالحيوانات ا
لضارية، الخالية، ولمسافات طويلة، من البشر.

 

آن بلنت (1837- 1917)هي سيدة مثقفة، ورحالة جريئة أضافت إلى أدب الرحلات الغربية في الشرق نصوص رحلتين فريدتين إلى الجزيرة الفراتية السورية، وشمال شبه الجزيرة العربية. وهي حفيدة الشاعر الإنكليزي اللورد بايرون، وسليلة أسرة نبيلة توارثت العلم والأدب، وهي تزوجت من الشاعر الانكليزي ولفريد سكاون بلنت الذي امضى شطرا من حياته في الشرق الأوسط ديبلوماسيا حيث عمل في بغداد ودمشق والقاهرة، وارتبط بعلاقات صداقة مع شخصيات عربية بارزة، مثل أحمد عرابي ومحمد عبده، ونشر كتاباً مهماً بعنوان «التاريخ السري لاحتلال الإنكليز لمصر»، كما كتب، بدوره، وصفاً شاملاً لهذه الرحلة بعنوان: «زيارة إلى جبل شمر»، نشره في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن عام 1880، وبذلك فإن القدر قد جمع بين أديبين يعشقان حياة المغامرة والترحال في بوادي الشام والجزيرة العربية في عامي 1878 و1879، ودونت آن بلنت أحداث الرحلتين في كتابين أولهما «عشائر بدو الفرات»، والثاني «رحلة إلى نجد» الذي نعرض له.

 

قبل مغادرة دمشق المحطة الأولى في الرحلة إلى نجد، تلتقي آن بلنت وزوجها في هذه المدينة التي كانت خاضعة – آنذاك – للسلطة العثمانية، بالليدي جين دغبي المرأة الإنكليزية النبيلة التي عشقت سحر الشرق وتزوجت من الشيخ البدوي مجول المصرب، كما تلتقي بالأمير عبد القادر الجزائري الذي قاتل ضد الفرنسيين مدة 15 عاما، فنفي إلى دمشق منذ عام 1855 حتى وفاته 1883، كما عقدت بلنت لقاءات مع شخصيات متعددة من أبرزهم مدحت باشا الوالي العثماني آنذاك لمدينة دمشق، وزارت العديد من المعالم الأثرية، والأسواق الشعبية لتتعرف على أجواء المدينة، ولتجمع ما هو ممكن من المعلومات المفيدة حول طريق رحلتها المجهولة والطويلة إلى نجد، ولتأمين كل مستلزمات هذه الرحلة

 

شغف ولهفة:

بذلك الشغف الذي يعتمل في قلوب المغامرين، وبتلك اللهفة التي تستقر بين حنايا أرواح الحالمين تقتحم الليدي بلنت الصحراء على ظهور الخيول والجمال، برفقة زوجها ولفريد بلنت وبعض المرافقين ومجموعة من الأدلاء، فتنطلق من دمشق مرورا بحوران، واللجاة، والحماد، ووادي السرحان، والجوف، وصحراء النفود…وصولا إلى حائل في نجد، وهي خلال هذه الرحلة الشاقة والمضنية التي بدأت في نهاية عام 1878 واستمرت ثلاثة اشهر، كانت تسجل يومياتها، فمثلما ان شهرزاد نجت بنفسها من الموت عن طريق القص، فان بلنت تخفف من متاعب السفر ومشقاته، وأهواله بالقص والكتابة، فتسجل تفاصيل الرحلة بكل ما فيها من دهشة، وإعجاب، ومخاوف، ومخاطر.

 

تقدم بلنت في كتابها نصا أشبه بالسيناريو السينمائي فلا تترك شيئا تقع عيناها عليه إلا وتسجله، لكنها ترسم ذلك بخطوط بارعة، ولقطات ذكية، فهي أتقنت الرسم على يد الفنان والناقد الإنكليزي الشهير جون راسكين، إلى جانب دراستها للموسيقى وخبرتها في أنواع الخيول العربية خصوصاً، ومعرفتها الواسعة بالجيولوجيا والآثار…فتقوم بتوظيف كل هذه الخبرات في معاينة هذه الأرض الواسعة المفتوحة على الآفاق الرحبة التي تحرض المخيلة على العمل، فتكتب المؤلفة بتفصيل دقيق عن طبيعة البدو، وعن طبيعة الحياة في الأماكن التي مرت بها، وتسلط الضوء على عاداتهم، وتقاليدهم، وطقوسهم، ونمط معيشتهم وإكرامهم للضيف، ولا تغفل عن الحديث عن مفردات البيئة، وثقافتها، وعناصر الطبيعة من الحيوانات والنباتات، والرمال، والأطلال الدارسة، وذلك عبر وصف لا تنقصه تلك اللغة الشاعرية الحالمة: «كان الغروب قد حل تقريبا عندما رأينا جبّة للمرة الأولى، تحتنا عند طرف السبخة، أشجار نخيل خضراء داكنة تقطع اللون الأزرق الباهت للبحيرة الجافة، وما وراء ذلك نسق من الصخور الحمراء ينتصب في صحراء النفود الوردية، وفي مقدمة المشهد رمل اصفر مكلل بالدر.كان المشهد برمته متوشحا في ضوء المساء، بديعا فوق كل وصف»، وعندما تصف خيلا تكتب بدقة تثير الإعجاب: «إنها فرس جميلة كستنائية، مطلقة اليمين، على خشمها غرّة (وضحة)، لها طريقة رائعة في الحركة..،جمالها يفوق سرعتها، رأسها جيد، عيناها واسعتان براقتان، جبهتها مسطحة، خدودها غائرة، حاركها منيف وظهرها قصير، أردافها مستديرة..،أوتارها قوية وحوافرها كبيرة مدورة، مكتنزة بشكل رائع…»، وفي مقطع آخر نجدها تصف صحراء النفود فتقول: «إن منظرها بديع إذ تتكون من رمل ابيض نقي، ارتفاعها بين خمسين ومئة قدم، تتخللها بقع من الأرض الصلبة، وتكسوها الأعشاب. فيما ينمو الغضا هنا بشكل أشجار ذات جذوع كثيرة العقد، بيضاء تقريبا، لها أوراق رمادية خفيفة». وتضيف: «لونها أحمر زاه يكاد
يكون قرمزيا في الصباح عندما يرطبها الندى. أما رمالها فهي خشنة، ولكنها نقية لا تشوبها أية مادة دخيلة كالحصيات أو حبيبات الرمل الكبيرة أو التراب، ويبقى لونها، ومادتها ثابتين في كل أنحائها. ومن الخطأ الكبير أن نعتبرها صحراء قاحلة، بل هي على العكس غنية بالشجيرات والكلأ اكثر من أي جزء من البوادي التي مررنا بها منذ مغادرتنا لدمشق».

 

وهي تستهل كل فصل باقتباس جملة أو مقطع من أعمال المشاهير في الغرب فتدرج، مثلا، قولا لشكسبير يقول «تلك المفاوز القصية والبلاقع النائية، أحب إلى نفسي من المدن الآهلة بالناس» وكأنها بذلك تبرر لنفسها القيام بهذه الرحلة التي قادتها من رفاهية الحياة في بلدها إلى خوض تجربة محفوفة بالمخاطر، والتعب، والمفاجآت، وتقتبس عن لافونتين هذا المقطع «حجاجنا الجسورون/ عبر الوديان والدروب/في خاتمة المطاف سيبلغون مسعاهم»، وعن والتر سكوت تقتبس ما يتلاءم مع ما تشاهده: «كانت الصخور تتناثر عشوائيا، جروف صخرية سوداء شديدة الانحدار، وآكام سود من الحجارة».

 

نساء البدو الجميلات:

وكانت نساء البدو تجذب اهتمام الليدي آن بلنت سليلة النبلاء، ففي محطات الاستراحة التي تتوقف فيها القافلة في هذه القرية أو تلك ولدى هذا الشيخ أو ذاك كانت بلنت تتعمد أن تترك مجلس الرجال لتذهب إلى غرف النساء وتتحدث إليهن، وتتعرف على معاناتهن، وطريقتهن في الحياة، وتقرأ أفكارهن، وتصغي إلى قصصهن، وتحاورهن في شؤون مختلفة من حياتهن، وتكشف عن همومهن وأحلامهن،وها هي تتحدث عن إحدى البدويات، اسمها مطرة، فتقول: «لقد أحببت وجه مطرة مذ رأيتها، فلها نظرة صادقة تحدق إليك مباشرة بعينيها السوداوين الكبيرتين كعيني الخشف. لها بشرة لامعة نضرة، وصوت مبتهج محبب»، وكانت بلنت تحرص في كل مرة أن تتصرف مثلهن وان تكتسب عادات البدو وطباعهم لئلا تبدو غريبة، ونافرة وسط هذه الصحراء وناسها القساة، الكرماء، وفي صفحات الكتاب نشاهد لها صورا كثيرة وهي ترتدي الزي البدوي كدلالة على حبها وتعلقها بحياة الصحراء.

 

في العام 1881 انتقل الزوجان بلنت إلى مصر، واشتريا مزرعة الشيخ عبيد، جمعا فيها عدداً كبيراً من الخيول العربية، إضافة إلى المزرعة الأخرى التي يمتلكانها في بريطانيا، وبعد انفصال الزوجين في عام 1906، سافر ولفريد إلى بريطانيا، وبقيت آن في مصر حتى وفاتها عام 1917، وظل كتابها «رحلة إلى نجد» وثيقة حية عن الحياة البدوية قبل قرن وربع، والملاحظ ان ابنتها جوديث سارت على خطى والدتها، إذ زارت أيضا في العام 1924 السعودية وبقيت كوالدتها تحن إلى الشرق، وتتابع تقاليد الفروسية العربية، وتقرأ أشعار الفرسان العرب كعنترة وامرئ القيس وغيرهم.

 

 

جريدة الرياض