إرث مبهج نتعامل معه كعار

 

شموس الأزمنة

إرث مبهج نتعامل معه كعار..؟!

راشد فهد الراشد

 

    "ملحوظة" قبل البدء: استبد بنا الألم فعدنا إلى إرثنا من الفرح.

 

نحن أبناء هذه الصحراء الملهمة والمدهشة، نتماهى مع موروثها الثري والممتع من جمال التضاريس والتكوينات المادية والحسية والرمزية، وموسيقى الكلمة وما ترسمه المفردات من لوحات تبعث الحلم، وتستثير الدهشة، وتقولب الكائن في حالة من الوجد، وجزالة الحياة بإيحاءاتها الشفافة من الانصهار، والتلاحم، وتمازج كيمياء الأرواح، والقلوب، والأفكار، وتوحّد المشاعر بحيث تكون هذه جميعها تكويناً في نسغ الناس المتصالحين مع أنفسهم والآخرين، المحبين للحياة بفضائها الجمالي الرحب، العاشقين للجمال في هذا الكون الواسع، ومن تذيبهم نظرة عجلى، أو كلمة ذات إيحاء وغواية، أو رقة تحاكي الغيمات المسافرة، وتتفاعل مع صوت مبحوح يرفع الموال شجياً يستفز العواطف، ويزيل الصدأ عن النفوس، ويحرضها على ممارسة فعل الانصهار، والثورة على القوننة، والتنميط في مسارات العلاقات الإنسانية والعاطفية.

 

نحن أبناء هذه الصحراء مسكونون إلى حد كبير بعلنية الحب الذي مارسه أجدادنا الكبار من المخزومي "وهل يخفى القمر" ومغامراته مع الجمال، وكشفه للمستور، والبوح الصادق الصريح في علاقاته المجنونة، ولقاءاته المترفة..

 

"وَنَاهِدَة ِالثَّدْيَيْنِ قُلْتُ لَهَا: اتَّكي

 

على الرملِ، من جبانةٍ لم توسدِ

 

فقالت: على اسمِ الله أمركَ طاعةً

 

وإن كنتُ قد كلفتُ ما لم أعودِ

 

فَمَازِلْتُ في لَيْلٍ طَوِيلٍ مُلَثِّماً

 

لذيذَ رضابِ المسكِ، كالمتشهدِ

 

فَلَمَا دَنا الإصْبَاحُ قَالَتْ: فَضَحْتَني

 

فقمْ غيرَ مطرودٍ، وإن شئتَ فازدد!

 

فما ازددتُ منها غيرَ مصّ لثاتها،

 

وتقبيلِ فيها، والحديثِ المردد"

 

ومن عمر سيد الغزل، وفتاه المدلل إلى الجميلين، أساتذتنا الأوائل، ومعلمينا الصادقين، جميل بثينة، وكثيّر عزة، والمجنون، وغيرهم من مهندسي الكلمة، المتفاعلين مع قوانين الحياة، ومشاعر الإنسان، وهذا جميل يصرخ:

 

"إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي

 

من الحب قالت: ثابت ويزيد

 

وإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به

 

مع الناس قالت: ذاك منك بعيد

 

فلا أنا مردود بما جئت طالبا

 

ولا حبها فيما يبيد يبيد"

 

ويحفل إرثنا الفاره ثراء وخصوبة مشاعر، محولاً هذه الصحراء إلى فضاء عشق، ومغامرات، وبوح، فيأتي كثيّر حزيناً، بائساً، شاكياً، ولكن بفرح الحب..

 

"خليلي هذا ربع عزة فاعقلا

 

قلوصيكما ثم إبكيا حيث حلت

 

ومسّا تراباً كان قد مسّ جلدها

 

وبيتاً وظلاً حيث باتت وظلت

 

وما كنت أدري قبل عزة ما البكا

 

ولا موجعات القلب حتى تولت

 

وإني وتهيامي بعزة بعدما

 

تخليت مما بيننا وتخلت

 

لكالمرتجي ظل الغمامة كلما

 

تبوأ منها للمقيل استقلت"

 

كان ذلك الفرح، وكان هذا الصوت العاشق، المثخن باللوعات والفشل، والنجاحات والانتصارات، وكان إرثاً جميلاً ساهم في تربيتنا على قواعد أن نتفاعل مع الصوت، والابتسامة، والتضاريس، ونقاء الأرواح، ولا نخجل من هذا الموروث، تماما كما كان الخليفة يزيد بن عبدالملك مع الرائعة "حبابة" فقد تخلى عن كل شىء إلا عن نداء القلب الواله المحب العاشق.

 

وكما في إرثنا العربي، وما تركته لنا كتب التراث الخالد من تصوير، وقصص حب خالدة قدمت الإنسان العربي، وبالذات إنسان هذه الصحراء إلى مواقع الانبهار، والتعامل الحضاري، وممارسة العشق بوصفه قيمة، ووعيا، واستجابات بيولوجية وسكيولوجية للوجود الإنساني، كما في ذلك فإن تراثنا الشعبي زاخر بقضايا العشق، وتناولات الشعراء الصادقة من ابن سبيل، والهزاني، وابن لعبون، إلى رسوا المفرجي العوفية في بوحها..

 

"عديت بالمستقلي

 

من نايفات العداما

 

واخيل برقٍ يسلي

 

لا لاح وسط الظلاما

 

يا خوي واعبرة لي

 

منها عيوني سقاما

 

أبكي ولا أحدٍ فطن لي

 

راع الهوى ما يلاما"

 

إذن:

 

هذا إرث نفخر ونعتز به، ولا نقبل أن يحوله البعض، ويصدر عليه الأحكام، وعلى ممارسات التماهي معه على أنه عار، وخطيئة، ولأننا أبناء هذا الإرث، ومن يؤتمن عليه، فسنظل نحفظه ثقافة ووعياً، وسلوكاً وممارسة

 

 

 

 

 

http://www.alriyadh.com/2012/03/14/article718081.html

معنى كلمة ( شَلَعَ )

 

كلمة ومعنى

الشلع

 

 

 

إعداد: فالح الشراخ

 

    الشلع مفردة شعبية من فصيح العامي وهي دارجة بلفظها وتستخدم عند التعبير عن نزع الشيء ورفعه فيقال شلع الرجل الثوب ويقال وصلنا اليهم عندما شلعت الشمس وما زال استخدامها دارجاً عند البادية وهي مستخدمة في وصف المقناص بالطير عندما يصعد لاعلى بقوة فيقال شلع وعندما يفتح صدر الحبارى بقوة يقال شلع صدرها وتستخدم في شعر الغزل

 

البارحة والفريق هجوع

 

وانا على النضو شلاع

 

وهي وصف دقيق لحركة الشيء عند رفعه بسرعة الى اعلى

 

ياشلع قلبي شلع طيارة الجو

 

آذن لها برج المطار برواحي

 

 

ج الرياض

الشعر الشعبي وثقافة المجتمع

 

الشعر الشعبي وثقافة المجتمع

ناصر الحميضي

 

    لنقل أن هناك ميداناً للشعر وبث الشعور والمشاعر، بل ساحة تواجد كبير لمجتمع يملك أسلوب تعبير يتقنه، يعبر به ويبث الشعراء عبره هاجس النفس والشعور، ويجد فيه المجتمع المتنفس لكي يلتقي ولكي يفرح ولكي يفخر ولكي يرثي ولكي يشكو ويصور كل معانيه كما يجد أي وافد لهذه الساحة من يشاركه ويشاطره كل هذه الأغراض.

 

ربما هي الساحة التي يرفع فيها الشاعر صوت إحساسه، وربما هي الساحة التي تبين له أن في الميدان من يشابهه، ومن ينتظر لقاءه من شعراء لهم الإحساس نفسه.

 

إنها ساحة متنفس الشعراء، حيث يلتقون مباشرة أو من خلال الصفحات وربما خلف الشاشة المهم أن تكون ساحة مفتوحة، مترامية الأبعاد فيها يتم التلاقي وترى فيها المآقي عيون الشعر تتفحصها عيون الناظرين ويسمعها الحاضرون وراغبو هذا اللون.

 

هذا الشعر في وضعه الأخير جاء من الشعوب من كل اتجاه وصوب من حواضرها وبواديها فأخذ من مصدر قدومه تسمية له، حملها معه كهوية له ينتمي إليها يرتبط بها، ذلك الارتباط الذي علقت فيه وعلق بها، لم يختر تلك التسمية ولكنها صبغته، فسمي بشعر النبط فقد استنبط من شعر قبله ولون سبقه وأصل انبثق منه وتفرع من جذوره، من أصل لغتنا العربية، حيث ولد في الجزيرة العربية ونشأ بها، وانتشر منها وفي فترة أخرى سمي شعر البادية هكذا سماه من قبلنا وأشار إليه متتبعوه، ودونه بهذه التسمية وهو فعلاً تعبير أهل البادية قدم منها بأصالته وبمضامينه المتينة التي تحمل في عباراتها البعد الإنساني ومظاهر الفخر والاعتزال والخصال الطيبة الحميدة فهذا الشعر البدوي قدم من منبع الأصالة من البادية حيث امتد بمعانيه معها امتداد الأفق حولها، أليس لهم تعبير عن جمال النفوس وتعدد الخبرات والتجارب والدروس، كما سمي أيضاً بالشعر الشعبي فهو لسان الكثرة ممن يريدون قوله ويعبرون به بل هو منفذهم الموزون المقفى الوحيد حيث العدد الأكبر لا يجيد غيره بل لا يجد التفاعل من جمهور مثل ما يجده في مجال الشعر الشعبي.

 

وهو أيضاً المسمى الشعر العامي لعمومه ولوجود اللهجة العامية فيه لأنها لهجة الشارع ولهجة القائل ولهجة المستمع فهو – أي الشاعر – لم يخترها لكنها هي واقعة لا يجيد غيرها، ولو عاتبناه سكت عن المشاعر فهو محبوس في لهجته، ومنطلق بها ومنها.

 

والشعر هذا سمي أيضاً: شعر القلطة بما يتم من نزول في الميدان وما يجري من محاورات ورد وتفاعل ولنقل أيضاً شعر المحاورة، فماذا بعد من مسميات؟

 

ليس بالضرورة أن يأخذ أي مسمى المهم المخرجات النهائية مما يقال في الساحة.

 

يبقى علينا أن نقول للشعراء إن الوقت الحاضر يختلف عن الوقت الماضي فيما تجاوز الخمسين سنة الماضية، حيث ينعدم التعليم في البوادي والهجر ويقل بشكل كبير أيضاً في الحواضر، ولا يتعلم إلا القلة القليلة التي تتجه لدراسة وتعلم اللغة العربية والدين وشيئاً من التاريخ، ثم تتجه للمناصب وتنشغل بها عن غيرها.

 

والعذر قائم للشعراء وغيرهم، معذورون في اتخاذ اللهجة نافذة لتعبيرهم لأنها أداتهم التي يملكونها، ومن استعمل أداة يتقنها ويضمن تأديتها لمراده فلا يلام.

 

وجاء الشعر في فترة طويلة غير مدون لأسباب عديدة يأتي على رأسها قائل الشعر نفسه فهو يقوله مشافهة وينقل بالسماع دون تدوين ولا يفكر أحد فيما مضى بتدوين الشعر كله، وإن كان بعض الوراقين وأصحاب القلم يكتبون بعض شواهد من الشعر الفصيح والشعبي العامي أو النبطي.

 

وذلك لضرورة مضمونه واقتصارهم على الحكمة والنصح والرثاء وبعض الأغراض الأخرى.

 

ويرى البعض أن من الشعر ما يفترض أن يترك لعدم مناسبة مضامينه اما غزل ساقط أو ذم فاحش أو عبث لا فائدة منه، وبعضه يدون لفائدة مضامينه أيضاً ونفعها في مجالات عدة وخاصة النواحي الاجتماعية، حيث تقوم الأشعار بدور التوجيه والنفع في تركيز مكارم الأخلاق من شجاعة وكرم وحفظ الجوار… إلخ.

 

ولا شك أن الشعر الفصيح كان شعراً شعبياً فهو لغة الشعب في وقته ونافذة تعبيرهم وبما أنهم فصحاء جاء شعرهم فصيحاً يوافق لسانهم وينطلق منه.

 

ويبقى للشعر الجيد ميدانه وامتداده عبر الأجيال ويأخذ التسميات التي تصب في مصب واحد وتلتقي في نقطة هي أن التعبير ضروري وأن المجتمع يعبر بلسانه الذي يتقنه جيداً ولغته التي تعبر بصدق عما يريد.

 

 

 

http://www.alriyadh.com/2008/02/18/article318759.html

الشعر الشعبي بين الرفض والقبول 1/2

 

الشعر الشعبي بين الرفض والقبول 1/2

متلقي الشعر الشعبي والفصيح لا يفهم معاني هذا ولا ذاك وإن طرب له وردده

ناصر الحميضي

 

    أجزم أن الكثيرين منا يسكنهم الخوف من كثرة الضخ المتتابع للشعر الشعبي عبر الهواء وملء الفضاء ، خاصة عندما يقوله من لا يجيد الشعر ولا مبانيه ولا معانيه ومضامينه وبلهجة محلية لا تمد بصلة إلى اللغة العربية .

 

إنتاج يفتقر إلى المعرفة باللغة العربية خاصة ويفرغ المزيد من العامية ، ولا يوصل خبرة ومعنى ولا هو يحدوه قول الشعر على البوح من معاناة حقيقية ، ولكن لمجرد حجز مقعد ضمن المجموعة التي لا يؤهله ما يقول لكي يكون فيه كما أن المقعد لا يحتويه كثيرا .

 

والمتلقي بالطبع هو الحكم ، وهو الذي يملك كل المقاعد ، وهو الذي يعطي الأوسمة الضمنية ابتداء ، ولولا الجماهير التي تفتح ديوان الشعر وتغلقه وتدون فيه وتمسح ما صار لشاعر صدى صوت ولا بقي له في الأفق الثقافي حرف أو كلمة .

 

وهذا لا يعني إرضاء الجماهير ممثلة في المتلقي بكل درجات فهمه ومستوى ثقافته ، فليس الهدف أن يرضى وإنما الهدف أن يرتقي بذائقته ويعطى جرعات كبيرة من الوعي والفائدة وتعريفه بما هو أفضل وبما يرفع من رصيده الثقافي.

 

ولا يوجد شاعر ناجح يكون همه إرضاء الجمهور وتصفيقهم فقط ، وتقديم ما يعرف أو ينسجم معه فقط، لأن هذا الهم ينتج عنه سجن المتلقي في إطار ما هو عليه دون انتشاله إلى أفق أرحب ، هو في الأصل لا يعرفه ، وبالتالي غائب عنه لا يعرف ميزاته ولا يدري عن سلبيات ما هو فيه حتى ولو استعذب البقاء فيما ألفه واحتبس في مقعده .

 

ونقرأ ونسمع النداءات المتكررة التي تطلب تحجيم الانسياق وراء الشعر الشعبي لسبب واحد فقط وهو :

 

الخوف على اللغة العربية الفصحى ولولا ذلك لم يكن هناك مشكلة.

 

وهذا الصوت والنداء والتحذير والتخويف وكل المصطلحات التي تصب في هذا الاتجاه وفي قناة التنبيه مع ارتفاع نسبة المصداقية التي تحملها جاءت من غيورين بلا شك ومع الغيرة رؤية بعيدة وتجربة وحكمة وحنكة ، ومقارنة وواقعية ، والحق أن يتم التمعن فيها و سماعها والأخذ بكل وسيلة تحقق الاستجابة لها ، لكن هذا المطلب وأعني به الاستجابة تحتاج إلى فكر وفكرة وطريقة وتضامن واعتراف بأن هذا الشيء ممكن الآن ومشكلة في آن واحد.

 

فمتى ما اعترفنا بالمشكلة وكشفناها فإن الحل ميسور وممكن .

 

ولا ننس أننا نعيش حالة فريدة جديدة في ظل وظروف انفتاح الفضاء وهبوب الأعاصير من كل جهة واستبعاد المنع تماما والتفكير في مسألة الارتقاء بالشاعر نفسه وهو المصدر ، فمن البذرة و الجذر تنمو الشجرة فتكون كما انتقينا بذرتها ، ويأتي التقليم لمزيد من الحسن والجمال .

 

ولو كان هذا النداء فيما مضى لكان الأمر أسهل و لتحققت السيطرة التامة أو بعضها ، لأن المؤثرات وعوامل الهدم إن وجدت قليلة ، وتنحسر في اللهجة الدارجة في المجتمع والتعامل لا أكثر ، إنما اليوم وفي الوقت الحاضر صار الأمر أصعب واتسع الخرق على الراقع ، وصار حصر المؤثر أصعب ولكن ليس بمستحيل .

 

هذا جانب من المشكلة وهو ما يتعلق بالشاعر الشعبي ولهجته وأدواته وحصيلته اللغوية وإنتاجه ولا نعمم بالطبع لكن حوله تدور التساؤلات وتبحث الحلول .

 

أما الجانب الآخر فهو المتلقي ، الذي لا يميز بين الفصيح من لغتنا وبين العامي ، فبعض المتلقين لا يعرف أصلا اللغة العربية الفصحى رغم أنه ينادي بها ويتحمس لها وربما كان من أول الجهلاء بمفردات كثير منها لأنه لا يستخدمها في حياته العملية وتعامله حيث عمت وانشر استعمال اللهجة في الحياة وكل المعاملات وفي الأسرة والشارع ، وما يستعمله يظنه عامياً أو لهجة دارجة وليست عربية ولهذا يرفضها عندما يسمعها وحق عليه أن يقبلها لو كان يعلم بأنها عربية فصحى ، والمشكلة أنه يعتبر كل ما يتضمنه الشعر الشعبي عامياً ويفترض محاربته ، بينما فيه فصيح من عمق لغتنا ولكن لجهله به يرفضه باعتبار أن قائلة يمكن أن يكون عامياً بناء على سماعه ومصدر السماع أو بناء على أسلوب المعيشة وطبيعة الحياة للشاعر أو بسبب التراكيب ، وكأن قائل الفصحى لابد أن يكون له مواصفات معينة ، ويلقي شعره في النادي الأدبي أو في محفل الجامعة أو المدرسة ، أما إن قاله شاعر حول الإبل وبيت الشعر أو في الصحراء وحول سيارات وخيام جهزت لكي تستكشف الربيع ورحلات برية فإنه لابد أن يكون كل ما يصدر منه عامي يفترض محاربته .

 

والصحيح أن الشعر الشعبي وكذلك الشعر الفصيح يقابل اليوم بمتلقي قد لا يفهم معاني هذا ولا ذاك وإن كان يطرب له من سماعه ويردده ، وقد تكون النسبة عالية لو نلاحظ هذا وليس من دراسة ، والنسبة متساوية بين الشباب والكبار ، فالكل يصعب عليهم فهم القصيدة كاملة ومغزاها سواء شعبية أو فصحى .

 

فلو أخذنا هذين البيتين من الفصيح لزهير :

 

أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم

 

بحومانة الدراج فالمتثلم

 

بِهَا العِيْنُ والأرام يَمْشِينَ خِلْفَةً

 

وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ

 

فلا أشك أن المتلقي إن لم يكن متخصصا فسوف يبحث في القاموس للمعرفة معاني عدة كلمات قبل أن يصارع الأمر للوصول إلى الفهم من عموم النص .

 

والعيب بالطبع في ثقافة المتلقي وليس في اللغة ولا الشاعر الذي قالها .

 

وفي الشعر الشعبي نأخذ هذين البيتين للشاعر السحيمي :

 

يا كبر فرق البوم عن طير قرناس

 

قرناس صف الريش عقب المباتي

 

أصله وحش ما قد وكر وسط مجلاس

 

و عمره نقص من سن خمسٍ فواتي

 

ولن يفهم المعنى جميع المتلقين له ، وهو أمر طبيعي فالبيئة لها دور في فهم مفردات ووجهة نظر ورأي الشاعر وأيضا من المتوقع محدودية فهم القصيدة الشعبية لعامية التراكيب ، فبيئة البادية لها مصطلحاتها وبيئة الحضر كذلك والمجتمعات لها لهجاتها المختلفة ، والغرابة لابد أن تكون بسبب تنوع الثقافات والبيئات .

 

وما كان غريبا على الإنسان رفضه أو توقف عن التفاعل معه ، ومع تكرار الرفض لها يزداد بعدا وجهلا به ، حتى يدخل مرحلة الشك في كونه يحمل معنى ، وينسحب هذا القول على المفردات التي يتكون منها البناء كله للشعر ، سواء كان شعبياً أو فصيحاً ، ويكون مقياس المتلقي هو ثقافته التي لا تسعفه أصلا لأن يحكم على الكلام الذي أمامه هل هو فصيح أو عامي.

 

ونصل إلى نتيجة وهي :

 

علينا أن نرفض المفردة العامية تماماً ولا نسمح لها بالتواجد في شعر أو نثر بقدر ما نستطيع ، وهذا القول يوجه للشعراء المثقفين الذي يجبرون عاميتهم أحيانا على الحضور وفصيحهم أن يحبس ويوارى ، في حين تنادي الفصحى خذوني خذوني ، لكن لا استجابة ، ظنا منهم أن في العامية تلبية رغبة للمتلقي ، وهذه توصل إلى التصفيق والقبول والكثرة الجماهيرية ، وربما ظنوا خطأ أن فيها رائحة من أصالة لأن الشاعر العامي السابق استعملها لعدم قدرته على استجلاب غيرها لخلو ذاكرته من الفصيح.

 

فهذا كله غير مقبول من الشاعر المثقف المدرك للغة والمميز للعامي من الفصيح ، فاختياره والحالة تلك جانبه الصواب.

 

أما الشاعر العامي فله نصيبه من الساحة بحكم حرية الرأي ولأنه لا يمكن حجب إنتاجه في ظل الظروف الراهنة ، لكن المشكلة هي تغذية الجماهير بذائقة تهيئ أرضية خصبة لبقائه وانتشار عطائه .

 

وعلينا أن نفرق بين الشعر العامي من جهة وهو ما يصدق عليه عامي من خلال كلماته وتراكيبه ولهجة قائله، وبين الشعر الشعبي أو النبطي الذي يأتي بحسب قائله وثقافته ولغلته ،فالعامي ما حمل مفردات عامية وتضمنها بحيث لا يوجد لها أصل في اللغة العربية أو قام على تراكيب تسيء إلى اللغة العربية بلهجة محلية ، والأمثلة على ذلك كثير وخاصة ما تأثرنا به من كلمات دخيلة فارسية وتركية وغربية وغيرها ، وأيضا ما استحدثنا كمسميات لما يستعمل في المرعى والمعيشة و المزرعة أو الحياة عموماً وما أكثرها فهي مصطلحات محدودة ومحلية لا يفهمها سوانا ، فكل حركة وسكنة نجعل لها دلالة ومصطلح نخترعه لا أصل له في أي لغة . وهذا هو الذي يفترض أن نتجنبه حتى لا يرسخ في الأذهان ويتسلل للأصالة بعد أن يتأصل بيننا في مكان ليس مكانه.

 

أما الشعر الشعبي فليس كله عاميا وهو بحسب ما ينطق الشعب في زمن ما ، وهو بالأمس جله فصيح من أصل لغتنا ، ولكننا نجهل أحيانا أن الكلمة فصيحة فنعيبه ، فعلينا أن نتعلم و نثقف أنفسنا ثم نحكم وأيضا كلما تثقفنا كشعب ، فإنه سيدر منا شعرا فصيحا صحيحا ، ولهذا نعيب شعرنا والعيب فينا وما لشعرنا عيب سوانا ..

 

 

 

http://www.alriyadh.com/2012/05/03/article732669.html